الثلاثاء 9 شباط 2010

ص16ص15ص14
ص13ص12ص11ص10ص9

سود أميركا: هل كان ممكناً أن يصلوا وحدهم؟


في السينما لا يحصل ذلك دون مؤثّرات صوت قويّة



سود أميركا: هل كان ممكناً أن يصلوا وحدهم؟

المستقبل - الاحد 9 تشرين الثاني 2008 - العدد 3131 - نوافذ - صفحة 9


فادي طفيلي

في مجال العلاقة بين الأعراق وفي إطار التأسيس الوطني الأميركي فإن انتخابات الرابع من تشرين الثاني 2008 التي أدّت إلى فوز باراك أوباما ليكون الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتّحدة، هي الحدث الأكبر بعد الحرب الأهليّة الأميركيّة (1861 1865).
بعد نحو شهر من الآن أو أكثر سيدخل أوباما وزوجته وابنتاهما، البيت الأبيض. مقر الرئاسة الأميركيّة، ذلك القصر الفكتوري الأنيق الذي بني قبل نحو مئتي عام، والذي شارك في بنائه على الأرجح مستعبدون أميركيون سود من أصل أفريقي، سوف يكون هذه المرّة بإمرة رئيس أسود وعائلة "أفريقيّة أميركيّة" (كما يعرف السود في الولايات المتّحدة). "بياض" البيت الرئاسي المذكور، ذاك "البياض" الذي كان له بلا شكّ عندما دشّنه الرئيس جون أدامس في عام 1800 معان ثقافيّة رمزيّة ترتبط بـ "نقاء" اللون الأبيض وطهرانيّته في مقابل "وحشيّة" الأسود و"تلوّثه"، بات اليوم بياضا ً وظيفيّا ً خالصا ً للمادة الطبشوريّة البيضاء التي تغلّف حجر البناء الرملي لحمايته من نفاذ الماء والجليد.
إنّها ديناميكيّة متأصّلة في جذور المجتمع الأميركي وقلبه. ديناميكيّة عادت إلى الفعل، وبشكل عارم، ليعود العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين ويحظى ببداية أميركيّة بامتياز، وذلك بعد أن كان كثيرون قد تحدّثوا مع الأزمة الاقتصاديّة الراهنة عن أفول "القرن الأميركي" الذي ساد طيلة القرن العشرين. فأن تنتخب أميركا رئيسها من شريحة تشكّل 13 في المئة من مجموع سكانها، شريحة استعبدت رسميّا ً و"شرعيّا ً" و"ثقافيّا " و"أخلاقيّاً"ً منذ عام 1619 وحتّى عام 1865، ثم أقصيت واستبعدت ومورس التمييز العنصري والفصل العرقي بحقّها حتى عام1965 ، لهو أمر تاريخي بالغ الاستثنائيّة وكفيل بأن يسم مطلع القرن الحالي بسماته.
منذ أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، ثم الحربين في أفغانستان والعراق، لم يحظ حدث عالمي بهذه المشهديّة الباهرة وبهذا العصب البعيد المدى في تأثيره. وتلك مشهديّة وعمليّة ديمقراطيّة طبعت الانتخابات الأميركيّة الأخيرة وتزامنت مع تكهّنات ومتابعات وترجيحات ارتبطت بها ولم تقتصر على يوم الانتخاب فقط، بل امتدت على مدى عام وأكثر حين انطلقت الحملات الانتخابيّة وأعلن المرشّحون ترشّحهم. حتّى من ناحية الحماسة البعيدة المدى، والتي تعدّ الألعاب الرياضيّة أفضل باعث لها في أوساط الجماهير والشعوب عبر القارات، فإن الانتخابات الأميركيّة هذه، وفي يوم الانتخاب تحديدا ً، تفوّقت على الألعاب الأولمبيّة في بكين، فحرّكت الجماهير من كسيمو في كينيا إلى سيدني في أستراليا فإلى طوكيو في اليابان. وقد تحوّل باراك أوباما في ساعات قليلة من رمز أميركي أخرج الأميركيين للانتخاب في أكبر نسبة اقتراع منذ عام 1908(64،1 في المئة)، إلى رمز عالمي يبحث الجميع في كلّ مكان من العالم عن حصّة له فيه. إنّه "أبو حسين أوباما" عند البعض، و"باراك" عند البعض الآخر، فيما وجد اليابانيّون أنّ تفسير "أوباما" في لغتهم هو "الشاطئ الصغير" حيث ترسو المراكب بأمان.
وفي قراءة الانتخابات الأميركيّة الأخيرة كحدث قد يعادل بحجمه وأثره الحرب الأهليّة الأميركيّة، حيثيّات عديدة. فكما كانت إحدى المحرّكات الكبرى لتلك الحرب هي دعوى إلغاء الرقّ وتأسيس مواطنيّة الشرائح الاجتماعيّة التي تمّ بناء الازدهار الأميركي على جهودها الماديّة المهدورة، فإن الانتخابات الأخيرة أعادت إطلاق وتحفيز مواطنيّة تلك الشرائح وأخرجتها للفعل السياسي للمرّة الأولى في تاريخها.
أجيال متتاليّة من الشرائح المذكورة، والتي لا تقتصر على السود (الأفارقة - الأميركيين) اليوم، كانت قد توارثت الصدمة التي تلت انتصار معسكر التحرر الشمالي في الحرب الأهليّة، وهي الصدمة المتجسّدة بقوانين "جيم كرو" ومثيلاتها التي سادت في الولايات المتّحدة منذ العام 1876. القوانين المذكورة التي فرضت الفصل العنصري بين السود والبيض في كلّ مرافق الحياة اليوميّة وحدّدت معايير اقتصاديّة و"ثقافيّة" لحق المشاركة في الانتخاب، لم تُرفَع وتُلغَ إلاّ مع انتصار حركة حقوق الإنسان في عام 1965. على أن الذي ساد بعد رفع تلك القوانين رسميّا ً يمكن وصفه بثقافة "الغيتو" التي شجّعتها الحركات الراديكاليّة من مختلف الأطراف، كما شجّعها العرف والتقليد الذي أوحى بأن رأس السلطة الأميركيّة على الدوام هو رجل من الـ "واسب" (وايت أنكلوساكسون بروتيستانت). جون كينيدي، الكاثوليكي، في هذا الإطار، قد يبدو استثناءً وعلامة لبداية التغيير، إلاّ أن مقتل كينيدي اغتيالا ً عاد وانعكس سلبا ً ويأسا ً مضاعفين على من كان ينتظر اختراق العرف التاريخي، علما ً أن الرئيس الذي اغتيل قبل كينيدي كان جمهوريّا ً وبروتيستنتيا ً واسب (لينكولن)، اما الرئيسان اللذان تمّت محاولة اغتيالهما بعد كينيدي كانا جمهوريّان وبروتيستنتيّان أيضا ً(ريغان وبوش الأب).
ثم جاءت العمليات الحسابيّة المعقّدة التي لنظام الانتخاب الأميركي، النظام الذي يستطلع الصوت الجماهيري ويبقي الحسم في اختيار الرئيس لأصوات ما يعرف بـ "الكلّيّة الانتخابيّة" (إليكتيرول كوليدج)، لتحيي نظريّة المؤامرة عن الشرائح التي تعتبر نفسها مستبعدة سياسيّا ً، وذلك عندما فاز جورج دبليو بوش على المرشّح الديمقراطي آل غور في انتخابات عام 2000 على الرغم من خسارة الأوّل في الصوت الشعبي.
تلك كلّها تراكمات نمطيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة انتقلت بالعدوى من جيل إلى جيل، ومن عرق إلى عرق آخر أخذ يُضاف تباعا ً إلى "وعاء الصهر" (ذا ميلتنغ بوت) الأميركي، وذلك، ويا للمفارقة الأميركيّة، من غير أن يتوقّف هذا الوعاء الأخير عن أداء وظيفته في الصهر في أوساط معيّنة خرج من أحدها باراك أوباما.
لكن وفي نواح بقيت خامدة من صفيح ذلك الوعاء الاجتماعي، فأن كثيرين من السود الأميركيين، ممن نشأوا في المدن الأميركيّة في خمسينات القرن الماضي وستيناته، لم يسبق لهم المشاركة في التصويت بأيّة انتخابات رئاسيّة في بلادهم. أحدهم ممن حادثتهم صحيفة "الهيرالد تريبيون" قبل يوم واحد من الانتخابات (3 تشرين الثاني 2008)، وهو من سانت لويس، ميسوري، ويبلغ الخامسة والخمسين من عمره، تسجّل للتصويت في هذه الانتخابات للمرّة الأولى في حياته. "هذا أمر هائل"، قال للصحيفة، "إنّه أكبر من الحياة نفسها. ففي حداثتي كنت أظنّ أنّهم يضعون في هذا المنصب من يريدونه. لم أكن أعتقد أن لصوتي تأثيرا. لكنّي الآن أقلعت عن هذا التفكير"، قال الرجل معبّرا ً عن شريحة اجتماعيّة سوداء واسعة، لا بل عن مجمل الشريحة النقيّة من الأفارقة الأميركيين، بأجيالها المختلفة، التي خرجت للمشاركة في التصويت في الانتخابات الأخيرة كما لم تفعل في تاريخها كلّه.
وكان لا بدّ لهذه الديناميكيّة السياسيّة - الاجتماعيّة، التي أثارها باراك أوباما في أوساط الأميركيين، واستفزّها بقوّة غير مسبوقة في أوساط السود، أن تنتقل بالعدوى، تماما ً كما كان قد انتقل إحساس التهميش وكما انتقلت صدمة "جيم كرو" وباقي القوانين المشابهة إلى الأعراق الأقلويّة الأخرى من هيسبانيين لاتينيين، إلى آسيويين وأوروبيين شرقيين وأفارقة جدد وشرق أوسطيين وغيرهم في الولايات المتّحدة. ويمكن رصد فعل هذه الديناميكيّة على مدى عام ونصف من الحملات الانتخابيّة، وخلال يوم الانتخاب الطويل، على خارطة التوزّع النسبي لإثنيات أميركا وأعراقها، تلك الخارطة التي تشير راهنا ً إلى أكثريّة بيضاء تناهز 66 في المئة وهيسبانيين يناهزون 15 في المئة وسود يناهزون 13 في المئة وآسيويين يبلغون 4 في المئة وآخرين يقدّرون بـ 3 في المئة (الأرقام هي لدراسة بحثيّة قام بها المركز القومي الأميركي للاستطلاع في شهر آب من العام الحالي). كما يمكن المتابعة في رصد هذه الديناميكيّة في الأرقام المستقبليّة لخارطة توزّع الإثنيات والأعراق الأميركيّة في عام 2050 (بحسب دراسة المركز القومي إياها) التي تشير إلى 30 في المئة من الهيسبانيين و13 في المئة من السود (لن يتزايدوا) و8 في المئة من الآسيويين و5 في المئة من أعراق أخرى. حيث يمكن الاستنتاج بعد ذلك الرصد على الخارطتين، أن ثمّة منطقا ً هندسيا ً لافتاً في ديناميكيّة المجتمع الأميركي. إذ يؤدّي تحفيز الشريحة السوداء التي تشغل موقع الوسط، أو القلب، من المجتمع الأميركي، إلى تحفيز باقي شرائح ذلك المجتمع، البالغ الحيويّة والذي لا يكفّ عن الحركة والتجدّد. ومثال على ذلك فإن تقدّم نسبة المقترعين لصالح أوباما لم تشهد ارتفاعا ً بمعدّل عشر نقاط في أوساط عمّال البنى التحتيّة المحدودي الدخل فقط (الذين لا يتعدّى دخلهم السنوي الـ 42 ألف دولار)، بل شهدت ارتفاعا ً أيضا ً بمعدّل ستّ نقاط في أوساط الأغنياء (الذين يزيد دخلهم عن 200 ألف دولار في العام) أولئك الذين وعد أوباما صراحة ومن دون مواربة بزيادة الضرائب المفروضة عليهم (النقاط الزائدة المذكورة في نسب المقترعين من الشريحتين أوردها تيموثي إيغان في تقرير كتبه لنيويورك تايمز 5 تشرين الثاني 2008).
الطريقة الأولى التي اعتمدت في تحفيز السود الأميركيين للاضطلاع بحقوقهم المواطنيّة خلال حملة باراك أوباما، تمثّلت في إطلاق حملة واسعة في أوساطهم تدعوهم إلى التسجيل للانتخاب كما إلى الإدلاء بأصواتهم باكرا ً. الأمر انعكس في المقدار الكبير من التنظيم التي تميّزت به الانتخابات الأميركيّة هذه المرّة وفي سرعة صدور نتائجها التي تبلورت في اليوم الانتخابي نفسه، ليلا ً. ويمكن ملاحظة أن دعوة السود إلى التسجيل الانتخابي وإلى التصويت المبكّر قد تلقّفها غيرهم أيضا ً من الجماعات الإثنيّة ومن المتحمّسين لإنزال التغيير في الواقع الأميركي. على أنّ الدعوة في أساسها استمدّت جزءاً كبيراً من ديناميكيّتها من العمق الأسود، حيث تشير دراسة أجراها ونشرها مركز "جوينت" للدراسات السياسيّة والاقتصاديّة في واشنطن ( نيويورك تايمز 3 تشرين الثاني 2008) أن الولايات التي شهدت نسبة متزايدة في التصويت المبكّر هي تلك التي تضمّ عدداً مرتفعا نسبيّا ً من السكاّن السود. ففي ولاية جورجيا الجنوبيّة، على سبيل المثال، حيث شكّل السود ربع المنتخبين في عام 2004، كانت نسبة من صوّت منهم باكرا ً، قبل يوم الانتخاب يوم الثلاثاء الماضي، ما مقداره 35 في المئة من مجموع ناخبي الولاية. إلى ذلك في المقابل، وفي ولايات بنسيلفينيا وأوهايو وميشيغان، وهي ولايات ذات أغلبيّة عماليّة بيضاء تعدّ معيارا ً لمدى اعتمال النزعات العنصريّة بين السود والبيض، حيث تتقارب الطبقة الاجتماعيّة للعرقين المذكورين، فأن أوباما فاز بالأولى بفارق ستّ عشرة نقطة، والثانيّة إحدى عشرة نقطة، والثالثة بفارق أربع نقاط ( نيويورك تايمز 5 \11\2008). حيث أمكن، وفاقا ً لتلك النتائج، ملاحظة تراجع ما يعرف بـ "تأثير برادللي"، وهي النزعة التي تجعل غير المتعصّبين من غير الملوّنين يصحون فجأة على أثر عنصري دفين في ذواتهم، فيفضّلون الأقرب إلى منابتهم الإثنيّة.
ما أفرزته الانتخابات الأميركيّة قبل أيّام يشير إلى أن أشياء عديدة في أميركا كانت تشهد تغييرا ً منذ فترة غير قصيرة، تسبق بالتأكيد ظهور باراك أوباما على الساحة السياسيّة قبل سنتين. إدارة الرئيس جورج دبليو بوش ساهمت بالتأكيد، وفي طرق مختلفة، بإنزال هذا التغيير وإحلاله !

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال
 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | المستقبل الإقتصادي | نوافذ | شؤون عربية و دولية | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005