07-02-2010
14-02-2010
21-02-2010
28-02-2010
07-03-2010
14-03-2010
14-03-2010م
عشرون مليوناً ينتشلون العراق من ركام الخراب والفوضى
لم نعد في زمن التنازع بين الريف والمدينة
المستقبل - الاحد 14 آذار 2010 - العدد 3594 - نوافذ - صفحة 9
بغداد ـ شاكر الأنباري
فتحت عينيّ على صوت انفجار قريب من البيت، وكانت عقارب الساعة لم تصل بعد الى السابعة (صباحا)، في السابع من آذار، يوم الانتخابات الوطنية. صناديق الاقتراع لم تفتح بعد. انفجار أول وثان وثالث. انهم مبكرون جداً، قلت لنفسي وأنا أنهض من الفراش، متفائلا بطقس ربيعي مشرق. أول شيء فعلته هو فتح الباب والقاء نظرة على الزقاق الذي أسكن فيه. كان فارغا، أبواب الجيران مغلقة، ومركز الاقتراع لا يبعد كثيرا عن الزقاق، حيث خصصت له مدرسة ابتدائية. هذا الأمر كان متوقعا، هناك قوى لم تعترف بعد بالعملية السياسية، وهي تريد تخريبها حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء. وهي تزيّف حتى الواقع لتسويغ رؤيتها واسقاطها على الوضع. الانتخابات لم تعد تهم العراقيين فقط، بل تتأثر بها الدول المجاورة جميعها. خبرة العراقيين صارت تميز بين السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، وقذائف الهاون التي تطلق من بعيد. كانت الأصوات تعود الى قذائف هاون. قد يجوز انها تنطلق قريبا منا، في منطقة الدورة، نحو مركز بغداد والمناطق المحيطة به. سمعت في التلفزيون أن المنطقة الخضراء نالت حصة منها. ستكون انتخابات مشهودة اذن، تحت سمع ونظر العالم كله. أصبح جسد الوطن شفافا جدا، يراه الجميع، بوجود عشرات الفضائيات، وآلاف المراقبين، الأجانب والعرب والعراقيين. ثمة عشرة آلاف مركز انتخابي في عموم العراق، وبالتأكيد كل مركز هو حوصلة صغيرة تتجمع فيها الآراء والأفكار والخيارات. ومع الحرية الكاملة للآراء حول المرشحين بدا العراق وكأنه ورشة عملاقة لصياغة التاريخ، وممارسة الديمقراطية، ما شكّل سابقة لا في العراق وحده بل في المنطقة برمتها. ما عاد في البلاد أسرار، وقد يصبح الأمر عامل قوة مستقبلا. التخلص من عبء الماضي، والنظر فقط الى الحاضر والمستقبل. وتلك آلية سايكولوجية لطالما اعتمدها المعالجون لشفاء الأرواح المريضة. عملية نبش الماضي ما زالت مستمرة وكان لها حضور في الدعاية الانتخابية، وهذا مفهوم جدا. الائتلافات المتنافسة بلغت أكثر من أحد عشر ائتلافا، والأحزاب والكتل فاقت المئة، والجميع يدلي ببرامج، وتصورات، وحلول، للأربع سنوات القادمة. الانفجارات ظلت متعاقبة، حتى بعد أن فتحت الصناديق في السابعة صباحا. ومن حديقة البيت كنت أسمع أصداء خافتة لأقدام تتحرك على إسفلت الطريق. فتحت الباب فشاهدت أفرادا محدودين يتجهون الى المركز. نساء ورجال وعدد ضئيل من الأطفال، وهم كلما سمعوا دوي انفجار يتلفتون حولهم خائفين، لكنهم يمضون في طريقهم نحو المركز بإصرار. أخي في الرمادي كان على اتصال معي عبر الموبايل، قال إن ثمة زحفا غير معقول على صناديق الاقتراع، في القرى والأرياف خاصة، وهو زحف تقوده النساء. وذكر ان هناك امرأة في الثمانين من عمرها أبت الا أن تذهب الى التصويت، وهي ستصوت حسب ما قالت لا لنفسها وانما للأجيال القادمة. هذا كله مشجع ويبعث على التفاؤل. جرت مشاهد مشابهة في محافظات أخرى. الجميع في العراق، من كل الطوائف والقوميات، من الاتجاهات كلها، يرومون المشاركة، وليس هناك من مكوّن يقاطع الانتخابات. ائتلاف العراقية الذي يقوده اياد علاوي يلقى مناصرة عارمة بين الليبراليين والعلمانيين، وفي المناطق السنية على وجه الخصوص. قائمة ائتلاف دولة القانون لها أيضا ثقلها في المناطق الشيعية والسنية، لكون الإئتلاف قد خرج من شرنقة الطائفية في اللحظة التي تمرد فيها على ائتلافه الشيعي السابق، وضم في صفوفه عددا لا بأس به من العلمانيين، كمهدي الحافظ وصفية السهيل، وآخرين من مختلف الطوائف والقوميات. لذا يعتقد أن الائتلاف الوطني ربما سيفقد كثيرا من مواقعه، اذ هو ما زال محتفظا بصبغته الشيعية الفاقعة، بوجود ثلاثة أحزاب دينية كبيرة هي المجلس الأعلى الاسلامي، والتيار الصدري، وحزب الفضيلة. والمواطن العراقي على ما يبدو يتجه الى رفض القوائم الدينية لأنه جربها سابقا، ولم تغير من مستوى حياته اليومية الكثير. كما انها جعلته يدفع ثمنا باهظا من القتل، والفساد الاداري، والولاءات، والتهميش، وسرقة المال العام. المراكز الانتخابية في العراق تستقطب شيئا فشيئا المصوتين، الذين بدوا غير عابئين حتى بالانفجارات القليلة التي حدثت في بغداد وبعض المدن الأخرى، والجميع يدرك انه يوم مفصلي في حياته، ويعتقد ان مصير البلد سيتقرر في هذا اليوم. الحركة تزداد في الشارع. عاودت فتح الباب لأرى كرنفالا من الثياب النسائية، والأطفال، والرجال، كانوا ماضين الى الهدف. تبين لاحقا أن نسبة المشاركة عبرت الستين بالمئة. قال أحد رجال الدين مخاطبا مريديه ان صوتكم أغلى من الدنيا وما فيها، ولا يمكن تصوير يوم الانتخاب سوى بالهبة الشعبية، أو الثورة البنفسجية، كناية عن الحبر البنفسجي الذي يغمس فيه الناخب اصبعه قبل أن يضع ورقته في الصندوق. وهناك ما يقرب من الستة آلاف مرشح، في ثماني عشرة محافظة، يتنافسون على ثلاثمئة وخمسة وعشرين مقعدا. مفوضية الانتخاب التي تنظم اليوم التاريخي هذا بدا عملها مرتبكا بعض الأحيان. هل هو قلة خبرة في العمل بسبب العمر القصير للتجربة، أم بسبب نوايا مسبقة؟ البعض ذهب الى مراكز الاقتراع ولم يجد اسمه هناك، والبعض حرم من التصويت لأنه لا يمتلك اثباتا عراقيا معترفا به، والبعض ظل يدور على المراكز الانتخابية بحثا عن اسمه الضائع. حدثت ارتباكات للعسكريين، والاعلاميين، والمهجرين، في معظم المحافظات. لكن الاصرار لدى الجميع واضح، فالمعركة فاصلة. المعركة بين التغيير وبين ابقاء الأمور على حالها، لكي تعود الوجوه نفسها تتربع على المشهد، بعد فضائح مالية، وامتيازات خرافية، وتهميش طائفي وديني وقومي، وتواطؤات مع الأجندات الخارجية. قوى التغيير تريد ترتيب البيت، وتأثيث المكان من جديد. لا يمكن أن يستمر الحال مثلما كان خلال السنوات الأربع السابقات. محاكمة القتلة الذين روعوا الناس عبر ميليشياتهم وسياراتهم المفخخة. عصابات خطفهم وتهديداتهم لمن يكشف المستور. ومحاكمة المسؤولين المرتشين الذين سرقوا تخصيصات المدارس، والمستشفيات، والتعليم، والكهرباء، باسم الدين والمذهب، سرقوا لهم او لأحزابهم. ووضع الكفاءات والأكاديميين في أمكنتهم الصحيحة، والعمل الجاد على توفير الأمن وتقوية الجيش والشرطة من اجل استرداد ملايين الهائمين على وجوههم في الأرض. ويريدون استرداد الكرامة العراقية التي أهدرت على ابواب السفارات، وفي المطارات، وعلى دوائر الاقامة، وفي المخيمات، وعند سجلات الصليب الأحمر، ومكاتب الأمم المتحدة. هذه الهواجس والأفكار تغلي، لا في نفوس قوى التغيير فقط، بل في نفوس العراقيين جميعا. في نفوس مثقفيهم وسياسييهم ورجالات دينهم وكفاءاتهم وبسطاء الناس منهم. لهذا كانت الجموع تسير نحو مراكز الاقتراع رغم الانفجارات والتوقعات والعواقب السيئة. كان اليوم الطويل ذاك، يوم السابع من آذار، جردة حساب لشعب يريد أن يعيش، ويستمتع بحياته، ويتذكر أمواته بفخر، ويمسح الخوف من ليله ونهاره، مرة والى الأبد. وصف الاتحاد الاوربي الشعب العراقي بالشجاعة، وقال اوباما عن السابع من آذار أنه يوم تاريخي، وهو يوم تاريخي يدل على نضوج العهد الجديد. فقد شارك نحو مليون رجل أمن في حفظ الأمن، وكان الفعل عراقيا بحتا، لم تتدخل فيه القوات الأميركية، وهذا ما يعطي الثقة للحكومة القادمة في السيطرة على الوضع بعد خروج القوات الأميركية نهاية هذه السنة. لا يهم من هي القوائم الفائزة، اذ عبرت كلها حاجز الطائفة بهذا الشكل أو ذاك. كان للمرحلة السابقة وجهان، الأول هو اسقاط النظام واجتثاثه من جذوره الحزبية والقمعية، والثاني هو الاحتلال. وبتأسيس النظام الديمقراطي الجديد، بنجاح الانتخابات التشريعية، وخروج الاحتلال، ستختصر الصورة بوجه واحد فقط. نظام ديمقراطي جديد، أبرز عناوينه تداول السلطة، حرية التعبير، الشفافية، تثبيت المؤسسات الدستورية، والتأصيل لمفهوم المواطنة الحقيقية التي تنتمي الى بلدها طوعا لا بالاكراه، حيث لن يعود هناك مواطنون من الدرجة الثانية. العراق بعد السابع من آذار عام الفين وعشرة هو غيره قبل هذا التاريخ، رغم أن الأحزاب تبدو نفسها كما تظهر القراءة للوهلة الأولى. ثمة تغيير بنيوي حصل في الخارطة، وثمة انقلاب روحي طفا الى سطح الروح العراقية، سواء في الداخل أو الخارج. الموجة الدينية المتلبسة بلبوس الطائفة تنكسر، ويتصاعد المد العلماني، ويتجه الهاجس العام نحو بناء ما خربته العقود السابقة التي أكلتها الحروب. والعنوان هو: الوطن فوق الطائفة والقومية.