13-07-2008

20-07-2008

27-07-2008

03-08-2008

10-08-2008

17-08-2008

17-08-2008م

مديح ( هذه ) الخيانة


شاعر حماستنا الأولى... شاعر التباسنا الباقي


كاتب الملحمة الباحث عن صوته الخاص


مديح ( هذه ) الخيانة

المستقبل - الاحد 17 آب 2008 - العدد 3049 - نوافذ - صفحة 9

بسّام حجّار

ما هذا إلاّ عبور آخر.
كانت الرّحلةُ هائلةً أمّا الموتُ فهو تفصيل صغير.
لا ندري حقاً كيفَ فَعَلْتَ، لكنّك صنَعتَ لكَ بلاداً من مفردات. كلّما كتبتَ سطراً كنتَ تستردّ منها شيئاً، حتّى اجتمَعَت كلّها بين يديك، وأقامَت في قلبك المنهوك.
لا ندري حقاً كيفَ فعل؟
أنتَ المُطمَئِنُّ إلى ما يسرّ به قلبُكَ إلى أصابِعِكَ فتكتبُ الأصابعُ، في كلّ مرّة، نشيداً لأملٍ لم يبرح صدرك.
نُفِيْتَ وبَقيت في قلب فلسطين.
نُفيَتْ فلسطين وبَقيتْ في قلبك.
لا ندري حقاً كيف فَعَلتَ؟ ما العبارة التي تستخدمها لكي تأتيكَ طائعةً وتجلس بين يديكَ وتتسمّى بالأسماء والصفات التي تطلقها عليها.
لستَ ساحراً ولا هي حمامة بيضاء، ومع ذلك تُصغي إلى صمتِك العميق، وصوتك الأعمق.
الترابُ، حتّى التراب الذي سوف يهمي على جسدِكَ تسمّيه بَرداً لأنّه ترابها.
والسروات حول الحفرة أشجاناً.
والضريح ليس الضريح.
رَجُلٌ وأرض يتبادلان اسميهما بيُسرٍ كأنّما حبّ الرجل للأرض لعبة طفل.
حبّ غير مشروط.
رجلٌ وأرض،
رفيقان. غريبان على الدوام.
معاً، على الدوام.

لا ندري حقّاً كيف فَعَلْتَ غير أن تردادك اسمها أقامها مِن القَبْر.
لم تكفّ عن المناداة حتّى سمعت.
لم تكفّ عن توبيخ الموت حتّى زال عنها.
وعندما تضرّعتَ أن تصمتَ الأسلحة لأجلها، استجابت الأسلحةُ الصُمّ.

كأنّك لشدّة ما أردتَ أن تكون لكَ وحدكَ، أخفيتها كلّها، أعواماً، في أوراقك. كلّها. بلى. لا ما تشتهيه منها فحسب. ولا ما تمقت فحسب.
هي كلّها. أرضٌ وسماء. جبلٌ وهاوية.

هل كنتَ تنادي كلّما شئتَ: يا لِعازر، قُم!
ولِعازَر في لغتك قد يكون بيتاً أو شجرة؛ امرأةً أو رجلاً؛ شيخاً أو طفلاً؛
ولِعازَر قد يكون أرضاً. قد يكون أنتَ. وقد يكونُ أملاً مُلَفّقاً. لكنّك آمنتَ ولمّا دحرج الملاكُ الحجَرَ عن باب القبرِ سطعَ نورٌ.

لا ندري حقاً كيف فَعَلْتَ؟
آمنّا طويلاً بِعَتمٍ مُقيم، فلفّقتَ، بالمفردات، نوراً. وقلتَ قبلنا جميعاً: أنا أصدّق هذا النور. أنا أكذّب العَتْمَ. فصدّقنا.
فلِمَ تغادر الآن؟
قامَ لِعازَر ثمّ اختار أن يقيم في القبر.
وحدّثتنا الأسلحة مجدّداً حديثها الطويل: وكلّ صوت غير صوت الأسلحة خيانة.
وانكمشت الأرض ولم يبق منها إلاّ اتساع جلد حيّة.
وحُفِرَ قبرٌ عميق.
تحته قبرٌ عميق.
تحته قبرٌ ...

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005