01-08-2010
08-08-2010
15-08-2010
22-08-2010
29-08-2010
05-09-2010
05-09-2010م
«الدراسات ما بعد الكولونيالية» على محكّ المجتمعات المستعمرة وتواريخها
نجيب الريحاني في أوّل زمان الفنّ المصري
المستقبل - الاحد 5 أيلول 2010 - العدد 3762 - نوافذ - صفحة 9
وضاح شرارةبينما تنسب تيارات سياسية واجتماعية عريضة إنجازاتها و»معجزاتها»، على قول علي أكبر هاشمي رفسنجاني، من «انتفاضات» وحركات «تحرر» و»تحرير» و»مقاومات» و«ممانعات» واستقلالات إلى نفسها، أي إلى «تاريخها» و»تراثها» و»أنسابها» و»سلفها» و«دينها» تنسب إخفاقاتها وكبواتها ونبواتها وعثراتها، إذا أقرت بها، إلى الاستعمار، ومخارج حروفه السود كلها. والاستعمار هذا، شأن الهوية، أي النفس على المعاني التي تقدم للتو إحصاء بعضها (التاريخ والتراث والأنساب...)، كيان ثابت لا يحول من حال إلى حال، ولا يؤرخ، شأن الشر، ولا تزول آثاره ولا تمحى ولا تبيد. وكل عثرة من العثرات هي أمارة على انبعاثه. والعثرة العَلَم هي انقسام «النفس»، وتصدع وحدتها البديعة، وتذررها (عصبيات) مذاهب وفرقاً وطوائف وبلاداً وعشائر وطبقات وأوطاناً وأحزاباً وتناقضات و«تناقضات» بين هذه جميعاً. ولا يحدس أثر الاستعمار، نحو سبعين عاماً بعد جلائه المادي عن بلاد عربية كثيرة، على نحو ما يحدس في «الاقتتال الأهلي». ولا يحمل أمر على الأجنبي، وعلى ما ليس من شيم النفس ودواخلها وعاداتها، على نحو وقدر ما يحمل الاقتتال الداخلي، وانقسام الأهل على أنفسهم.وعندما ترامى إلى أسماع الجمهور و «العلماء» أن ثمة، في بلاد الاستعمار والإمبريالية، من يحمل النفس المقتتلة والمنقسمة على نتاج الاستعمار والإمبريالية، وفعلهما اللئيم والكريه، حتى انقشعت الغمة عن الصدور والعقول. وقر فيها، أو في شطر منها، أن معالجة الأمر ومداواته الناجعة تقتضي شق النفس على نفسها، وتطهيرها من شقها الموبوء والمصنوع بيد الاستعمار، واستخلاص نفس من صنع داخلي خالص. ويدعو هذا، بديهة، إلى قتال «العدو القريب»، ظل العدو البعيد والصارخ العداوة. ولا ينتهي القول إلى أن أسامة بن لادن قرأ «استشراق» إدوارد سعيد الفلسطيني الأميركي، وأحد أقطاب «الدراسات ما بعد الكولونيالية»، ولا إلى أن مناقشات الإخوانيين المصريين، وقبلهم السوريين والفلسطينيين، وقبلهم جميعاً المقالات القومية المشرقية تدين للجامعي الفلسطيني ببعض شفرات سلاحها أو احتجاجها أو مقالاتها.ولكن القول يصل بعض كتابات الجامعي الفلسطيني الأميركي وأقرانه الكثر بحركات دعوات سابقة تحدرت منها منظمات ومبادرات وأعمال تملأ «الساحات» العربية والإسلامية قتلاً ودعاوى وتعبئة، وتمعن في الناس تقطيعاً، وفي الأذهان والألسنة التواءً واعوجاجاً.والحق أن الرسم هذا، وهو رسم اجتماع و«سياسة» ومقالات أو «أفكار»، كان ركناً من أركان «النهضة» الضعيفة التي ولدت في أحضان التوسع الاستعماري الغربي المباشر، ونزاع الإمبراطوريات. واستعارت «النهضة» المفترضة رسومها من مباني القرابة والديانة الغالبة، ومن ثقافتيهما. ولا يزال وارثو «النهضة»، ومن يخالون أنفسهم «أبناء« أو «أولاد رفعت» (أو رفعة رافع الطهطاوي) على قول صحافي فرنسي معاصر، على «نقد» إرثهم الأعجف و «تفكيكه» و «تأريخه». وهم يتوقعون انقلاب تراب التراث وغباره تبراً تنويرياً، فيجمع ذهب الأصالة العريقة إلى أنوار الحداثة والمعاصرة. وما يتبدد، في الأثناء، هو تاريخ الأفعال وما يصل بين ما يُخال تراثاً، وهو مولود في ثنايا الأفعال ومبانيها، وبين وقت الفعل أو أوقاته. وبينما يبدي «النقد»، أو «التفكيك» و«التأريخ»، ويعيد في نقد النقد وتفكيك التفكيك، لا إلى غاية، «يتواضع» باحثون غربيون منذ عقود، ويتدارسون الأفعال ومبانيها، وصرفها ونحوها وأنسابها، في مواضع بعينها، وأوقات دون أوقات. ومن هؤلاء جان فرنسوا بايار، الفرنسي. وآخر أعماله جردة في «الدراسات ما بعد الكولونيالية» (منشورات كارتالا، باريس 2010). وهو يراها «كارنفالاً أكاديمياً»، على قول عنوان عمله الفرعي.[الصدع والعصبيةفغلبة فكرة «التراث الكولونيالي» على وجوه من الثقافة (الفرنسية) قادت بعض الباحثين في الاجتماعيات والمؤرخين إلى فحص الانقسام الاجتماعي، أو «الصدع الاجتماعي» الداخلي، في ضوء «الصدع الكولونيالي» وصوره السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافة الحادة والعنيفة. وافترض المؤرخون هؤلاء دوام الصدع واتصاله من دائرة المستعمرات إلى دوائر العلاقات داخل الحواضر، أو الدول الأمم المستعمرة، ومن الزمن الاستعماري إلى الحاضر والزمن المعاصر، «ما بعد الاستعماري» أو الكولونيالي. وانتخب الباحثون والمؤرخون، ومعهم ناشطون مناضلون، جاليات المهاجرين العرب والأفريقيين، من دون المهاجرين الآسيويين، موضوعاً يحقق فكرة الاتصال. ولا شك في ان اضطرابات الضواحي وأحزمة المدن الكبيرة، في 2005، جددت الموضوع وأحيته، وعرضته على الأنظار والملاحظة.ويمتحن أصحاب «الدراسات ما بعد الكولونيالية»، على ما يسميها الجامعيون الأميركيون، التاريخ الوطني في ضوء التجربة الاستعمارية وصدعها، فيذهبون إلى أن الجمهورية، وحريتها ومساواتها، زعم في زعم وكذب ودعوى. فهي تشمل عموم البشر، وتنصب العموم، أو الجامع العام، ميزاناً على سبيل التمويه، آن تفرقهم مراتب وطبقات، وتعلي بعضهم فوق بعض، وتسلط بعضهم على بعض. وتسوغ الأمرين، العلو والتسلط، بمنطق «استعماري»، استئصالي وعنصري. ويتسع «التعليل» إلى تظاهرات الكليانية الأوروبية. فينسب النازية، وفرعها البيتاني (نسبة إلى المارشال بيتان) في فيشي، عاصمة الحكومة الفرنسية المتعاونة مع الاحتلال الألماني الهتلري في الحرب الثانية، إلى السيطرة على المستعمرات، وإدارة المستعمرات والداخل معاً.وتتصل «الدراسات ما بعد الكولونيالية» بحركات الجماعات المقهورة التي عرَّفت نفسها وأحوالها بقهرها، شأن النساء والمثليين والمتحولين والأقليات القومية (الإثنية). وتضرب هذه الحركات بجذورها القريبة في العولمة المعاصرة واختباراتها السياسية والاجتماعية، وفي ماضيها الاستعماري المباشر أو الأبعد. ومن وقائع الماضي الاستعماري التي خلفت آثاراً عميقة في أحوال المستعمرين، وأولادهم، «عقود العمل» الشبيهة بالسخرة والرق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتجارة الرقيق الأطلسية (من دون تجارة الرقيق الشرقية في المحيط الهادئ، من وادي النيل والصحراء، وكان تجارها من العرب). ومن وقائع هذا الماضي المعاصرة، وهي تتمة الماضي الماثلة، جاليات المهاجرين وشتاتهم وائتلافهم في مجتمع مدني عالمي، أو «اممي» مفترض.ويدفع أحد أعلام «الفكر ما بعد الكولونيالي»، أشيل ميمبه الكامروني،على رغم تحفظه عن تماسك الفكر هذا، تهمة العصبية على أوروبا أو مناوأتها. ويحمل ولادة «ما بعد الكولونيالية»، وعموميتها العامة والجامعة، على التقاء أوروبا بالعوالم التي كانت، في أيام خالية، ممتلكاتها وفتوحها، وعلى تجارب الشتات الهندية والافريقية والكاريبية، إلى المداولات والمنتديات والمناقشات الثقافية في الجامعة الغربية على وجه الخصوص. ولكن المنزع العمومي والكوني غالباً (وسرعان) ما يسفر عن مقالات مدارها على الهوية. وعلى هذا، فقد تتماسك «الدراسات ما بعد الكولونيالية» أولاً بتهمة من لا يماشونها أو يوالونها، والإنكار عليهم. والحق ان فرص التهمة والإنكار وذرائعهما تتكاثر على قدر تكاثر موضوعات الدراسات واستحداثها. فهي تجند في موضوعاتها ومقهوريها الفلسطينيين، ضحايا القهر الاستعماري الصهيوني أو التمييز والفصل العنصريين، والعمال الأتراك في ألمانيا، وأقوام امبراطورية آل هابسبورغ النمساوية. ولا يدعوها إلى التحفظ إشكال «الاستعمار» الإسرائيلي المفترض وملابسته حركة قومية ووطنية تاريخية، ولا مغالطة إدخال تركيا في البلدان المستعمَرة وهي لم تستعمَر يوماً، ولا صفة «الحيازات» النمساوية وقربها من الشراكة على خلاف الممتلكات الألمانية الامبراطورية ثم النازية والفتوح العثمانية.وعلى منوال تقريب موضوعات ومسائل متباعدة وخلط بعضها ببعض وتوحيدها في باب مشترك، تتناول «الدراسات ما بعد الكولونيالية» المجتمع الفرنسي في سياقة تناولها ضواحي بعض مدنه. فـ «تدينه» بالإقامة على سمات استعمارية تكوينية، وتندد بقهره وعنفه وإنكاره حقوقاً أقرتها قوانينه. ولكنها تخرج الضواحي من «المجتمع الفرنسي» ونطاقه، وتخصها، وتخص أهلها ومهاجريها بسمات ودواع ورسوم تميزهم وحدهم دون الجماعات الأخرى. وتتناول «الطبقة السياسية الفرنسية» على مثال واحد ومتماسك، وهي شتيت، ولا يجمعها رأي ولا مذهب في مسائل الضواحي والمهاجرين والإدارة المحلية و «الهوية» والتاريخ الوطنيين. وتنحي «الدراسات» العتيدة، على الجامعة، والتعليم العالي الجامعي، باللائمة، مغفلة منازعاتها الداخلية وكثرة مللها ونحلها في المسائل هذه، وفي غيرها.[الإمبراطورية الدولة ـ الأمةولعل جِدَّة «الدراسات ما بعد الاستعمارية»، الأميركية والبريطانية في المرتبة الأولى، هي ربطها القهر الاستعماري بصور القهر والسيطرة في مضامير أخرى مثل «النوع» (الجنسي) على وجه الخصوص. واستظهرت، في صنيعها هذا، بأعمال أصحاب «النظرية الفرنسية» أو «فرنش ثيوري»، على ما يسميها الكتّاب والمدرّسون الأميركيون. ويلاحظ بعض الدارسين ان أعمال أصحاب «النظرية الفرنسية» أغفلت عامل الامبراطورية، أو السلطنة، ومثالها السياسي (على خلاف مثال الدولة الأمة وإطارها التاريخي الأوروبي)، في دراساتها ومن دراساتها. وتناول كتّاب ودارسون من أمثال فرانتزفانون وأوكتاف مانوني وجان بول سارتر إلى افريقيين «فرنسيين» في مقدمهم إيميه سيزير المارتينيكي وسنغور السنغالي الوجه الامبراطوري من نظام السيطرة السياسي والعسكري والاجتماعي. وعلى هذا، فزعم بعض أصحاب «الدراسات ما بعد الاستعمارية» الجدة والابتداء في هذا المضمار دعوى يعوزها السند. وكانت حنة أراندت البادئة في حمل الكُلِّيانية (الشمولية) على علل ومصادر ليست الامبريالية أضعفها شأناً ولا أقلها دلالة. وذهبت الفرنسية سيمون فاي، في أثناء الحرب الثانية، إلى ان الهتلرية هي ثمرة أو صورة إعمال مناهج الفتح والاستيلاء «الكولونيالية» في حكم القارة الأوروبية والبلدان التي يأهلها السكان البيض.ولا يترتب على الملاحظة لا إنكار إسهام بعض «الدراسات» في جلاء وجوه من السيطرة الاستعمارية على المستعمرات، قبل تحررها واستقلالها وبعدهما، ولا إغفال دور التاريخ الاستعماري في بلورة بعض سمات العالم المعاصر في «الحواضر» و«الأطراف» المعولمة جميعاً. ويدعو الإقرار إلى فحص المقالات «ما بعد الاستعمارية» في واقعة الاستيلاء والتسلط والإدارة الكولونيالية العريضة، وروابط الواقعة بتواريخ الدول المستعمِرة الفاتحة ومجتمعاتها، وبتواريخ بلدان الفتوحات ومجتمعاتها، من ناحية، وفي علاقة عالم اليوم المعولم بالواقعة الاستعمارية ودورها في العولمة، من ناحية أخرى. ولعل أثمن ما في هذه الدراسات تناولها أحوال المستعمرات (السابقة) على وجه الهيمنة والغلبة، وتنبُّهها على فخ مفهومات تدير ظهرها للتاريخ، شأن مفهوم «المجتمع المدني»، ودعوتها إلى اعتبار مكانة «تاريخ الأمة». وحملت هذه، أي التناول والتنبه والدعوة مؤرخين كثيرين «جدداً» على فحص التواريخ القومية والغائية (الموجَّهة صوب غايات) التي صبغت تناول سقوط السلطنة العثمانية والامبراطوريات النمساوية والروسية والكولونيالية (البريطانية والفرنسية والبلجيكية والهولندية)، و (حملتهم) على اطراح أو نقد الروايات القومية والغائية هذه.فأبرزت أعمال متفرقة اتصال الدولة الأمة، ورسومها وهيئاتها، بالامبراطورية اتصالاً وثيقاً. وليس جائزاً، على هذا، فك مسألة الهيمنة في المستعمرات من مسألة صيغ الهيمنة الامبريالية في الحواضر. وأثبت المؤرخون، ومعظمهم لا يدين لـ «الدراسات» العتيدة بدين يذكر، أن «السلطنتين» العثمانية والنمساوية المجرية، والامبراطوريات الكولونيالية، انهارت وقضت جراء هزيمة عسكرية أو أزمة مالية ضريبية، واضطلعت العوامل الخارجية أو الظرفية في انهيارها بدور يفوق خطره خطر الحركات الوطنية والقومية الداخلية. وينبه هذا إلى المبالغات الذاتية والنرجسية التي لا تمنع الحركات هذه، أو «ولائدها» ومخلفاتها، نفسها منها، بل تماشيها وتسايرها وتغلو فيها. ومنذ خمسينات القرن العشرين، درست دوريات بريطانية وأميركية رائدة قيام أصحاب حركات الاحتجاج بأنفسهم، وابتكارهم معايير عمل ومناهج فعل وثقافة أخرجتهم من وصاية أهل القوة وولايتهم. وكان عمل إدوارد تومبسون «نشوء الطبقة العاملة البريطانية» (1963) علماً على نهج الدراسات هذا. وسبق النهج بعقود دراسات أحوال «الضعفاء» والموالي التابعين من أهل الاستتباع (على الضد من أهل السلطان).وتنزع «الدراسات ما بعد الكولونيالية» في هذا المعرض إلى إغفال الأعمال والأفعال ووجوه الصنيع المتفرقة، وهذه تقتضي التقصي وفحص الأرشيف، وتميل إلى تعظيم مكانة المقالات والتصورات والتعقيب التأويلي المرسل عليها. ويقود الإغفال، من وجه آخر، أصحاب «الدراسات ما بعد الكولونيالية» إلى نصب مفهوم «الهوية» صنماً وجودياً وجوهرياً يحجر أحوال المجتمعات المتحدرة من البلدان المستعمَرة ماضياً. فتتصور المستعمَرة والعبودية في صورة مصير المستعمَر و«سيده» المحتوم. ويفضي هذا بدوره إلى صبغ المسألة الاجتماعية بصبغة مصيرية محتومة. فيذوَّب النزاع الاجتماعي، «الطبقي» على صور مخصوصة، في «العنصرية» المفترضة والمباشرة. وهذه سبق ان اختصرت «الدراسات» العلاقات الاجتماعية والسياسية، في الحواضر، فيها من غير بقية. ولا يسعف التذويب المزدوج في إخراج مسألة الرق أو العبودية من النطاق القومي الغالي وتحريفه المغرض، وفحصها في ضوء علاقات الاسترقاق الاجتماعية داخل المجتمعات التي فشا فيها الرق، شأن مجتمعات جنوب الصحراء الافريقية. فتقتصر معالجة مسألة الرق وتجارته على التنديد بالغرب، والطعن فيه، وتبرئة الداخل إلا من الانقياد للغرب و«العمالة» له.[الأقنعة الاستعماريةفتنتفي الصفة التاريخية من العلاقات السياسية والاجتماعية، على وجهيها الخارجي (الحواضر) والداخلي (المستعمرات). وتتحجر على ماهيات جوهرية وثابتة لا يطرأ عليها تغيير، ولا تعمل فيها حوادث، ولا معنى لها غير المعنى المتنزل من مثالاتها. وعلى هذا، فليس الانقلاب او الانتقال من الطور الاستعماري إلى الطور الذي خلفه وطواه انقلاباً، ولا انتقالاً «في» زمن ووقت أو حادثة. فالسيطرة والقهر على حالهما. وربما لم تبق المستعمرات وحدها مسرحهما. فكثرت مسارح وخشبات «حبكة» واحدة يعييها تبديل أقنعتها. وهذا ناجم عن حمل الواقعة أو الحال الكولونيالية («الغربية») على فرادة لا تشاطرها إياها صور السيطرة الامبريالية الأخرى. فتعطل الفرادة المفترضة المقارنات الجائزة، وتبطلها قبل محاولتها أو المباشرة فيها. والحق أنه لا سبيل إلى تدبر الواقعة الكولونيالية إلا من طريق إدراجها في جملة الوقائع الامبراطورية المتفرقة، ومقارنتها بها من غير تخصيص وإفراد يسدان الطريق على إحاطة جامعة بالوقائع جميعاً.و«الدراسات ما بعد الكولونيالية» تسكت عن الفروق بين مستعمرات الاستيطان ومستعمرات الرق وضروب أخرى من المستعمرات. فلا يستعمَر الواحد (والواحدة) في مستعمرات البحر الكاريبي، أو في الهند، على نحو ثابت ولا يحول من الاستعمار. وهو ليس «ما بعد مستعمَر» على النحو نفسه. وقد تؤدي الظروف والملابسات إلى خلط «دولة الفتح»، العنيفة تعريفاً واضطراراً، بـ «الدولة الكولونيالية» المستتبة والمستقرة و «المعقلنة»، وإلى دمج الاحتلال الأول بالاحتلال الثاني الذي تغلب عليه دواع وموجبات اقتصادية وإدارية و «أخلاقية». ويحصي بعض الدارسين ستة كيانات حقوقية وقانونية في «الاتحاد الفرنسي» غداة الحرب الثانية، تكاد أحوالها لا تتقاسم قاسماً مشتركاً. فأقاليم أو أراضي ما وراء البحار يأهلها رعايا «ارتقى» بعضهم إلى مرتبة خولتهم المواطنية. والجزائر كانت جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية، معظم أهلها الجزائريين المسلمين رعايا. ومراكش أو المغرب، شأن تونس والشطر الأعظم من الهند الصينية، كانت محميات تتمتع بالسيادة وأهاليها رعايا. وأوكلت عصبة الأمم إلى فرنسا انتداباً على بلدان مشرقية. وتباين أحوال الكيانات والبلدان هذه هو ركن من أركان المنازعات الراهنة التي تضطرب في جماعات «الفرنسيين الجدد»، على ما يسمون في بعض الأحيان.(التتمة ص 10)