15-06-2008

22-06-2008

29-06-2008

06-07-2008

13-07-2008

20-07-2008

20-07-2008م

نازلي هانم إلى رحمة الله ومعالي الوزير إلى جنة الخلد...

"الألقاب الملكية" تعود إلى الجمهورية المصرية من باب المال والأعمال


"أسرار أسمهان": تلك الحياة الكثيرة في العمر القليل


نازلي هانم إلى رحمة الله ومعالي الوزير إلى جنة الخلد...

"الألقاب الملكية" تعود إلى الجمهورية المصرية من باب المال والأعمال

المستقبل - الاحد 20 تموز 2008 - العدد 3023 - نوافذ - صفحة 9

القاهرة ـ حمدي رزق

"من لم ينشر اعلان وفاته في صحيفة "الأهرام" الصباحية، وتشيع جنازته من مسجد عمر مكرم لم تكتب وفاته.. هكذا يعتقد علية القوم من المصريين ويتنافسون على صفحات "وفيات الأهرام" التى تذخر يومياً بالأسماء والألقاب والعائلات والبطون والأفخاذ. عائلات مالية، وتوكيلات تجارية، وكارتلات بيزنسية "رجال أعمال" ولوبيات سياسية، تؤشر على ما هو خاف على المصريين من تقاطعات المال والأعمال، واختلاط الأنساب السياسية، تدل على ما تحرص على إخفائه تلك الطبقات في اعلى السلم الاجتماعي.
قبل أيام فوجئ قراء الصحف الصباحية اليومية في مصر بنعي فخيم في "الأهرام" استمر اسبوعاً بمعدل 5 صفحات يومياً. الجميع يواسي وزير النقل المصري المهندس محمد منصور بوفاة السيدة والدته وهي في ذات الوقت خالة الوزير المهندس أحمد المغربي وزير الإسكان والتعمير..
لم تكن المفاجأة في القرابة التي تربط الوزيرين فتلك مسألة كشفتها الصحافة منذ تشكلت هذه الوزارة قبل أربع سنوات من اليوم، ولا ينكرها الوزيران (بخاصة أن ثمة صلة بين وزراء عدة في هذه الحكومة.. رحم قرابة ورحم بيزنس أيضاً)، لكن المفاجأة لمن يتأمل هذا النعي المنشور في الأهرام، هي في الألقاب التي تصدرت النعي ..فالسيدة المغفور لها والدة الوزير لقبت في النعي بتعبير (نازلي هانم عاكف توجاوي) وكأن شيئا لم يتغير في الحياة الاجتماعية المصرية على مدار 56 عاماً هي عمر ثورة تموز ـ يوليو 1952، التي ألغت الألقاب وقوضت مجتمع الباشوات والبكوات والهوانم منذ قيامها واطاحتها الملكية والأسرة العلوية!
معالي الباشا
عادت الألقاب تطل برأسها في الحياة المصرية وللعودة دلالات ومعان رصدها أهل الاختصاص من أرباب علم الاجتماع والعلوم الاقتصادية، وهي ألقاب لها تاريخ ليس فقط بمعنى اللغة والدلالة المشتقة من اصطلاحات الألقاب، وانما كذلك تاريخ من التباين الطبقي والمظالم في بعض الأحيان، وعودتها ـ بين أسر الوزراء الذين يفترض فيهم أنهم أعضاء في حكومات ورثت القيادة والشرعية عن ثورة تموز، يوليو 1952 ـ هي عودة ذات دلالة خاصة تحيل المرء إلى أسئلة أخطر كثيرا من لقبي الباشا والهانم اللذين صارا يوزعان ـ مجاناً ـ على الناس في مصر من باب الاطراء أو الاستحقاق على السواء!
لا نقصد بـ "الباشا" ذلك الشريط السينمائي الرائع للعبقري الراحل أحمد زكي مع يسرا وهشام عبد الحميد والذي كتبه وحيد حامد وظهر للنور على يدي المخرج الكبير سمير سيف قبل خمسة أعوام..وان كان للعنوان السينمائي هنا مغزاه، فالوزير في الشريط كما في صفحات الوفيات، يقال له "معاليك" وهي كلمة تدل على قوة السلطة التي يتمتع بها الوزير (أحمد زكي) والذي يظل في الوزارة نحو عشرين عاما من دون أن يتزحزح عنها حتى يدافع عن بقائه فيها بدم الآخرين!
لكن الشريط السينمائي لم يعد الحقيقة المجردة المستعملة في اليوميات المصرية الآن.. ففي أي نعي لوالدة وزير أو شقيقته أو أي من قريبات أي وزير أو أقربائه يلحق أو يسبق اسم الوزير كلمة (معالي) حتى صارت من العلامات العادية في عيون القراء المصريين.
وفي المخاطبات الرسمية من المذكرات والتظلمات والالتماسات وغيرها من الأوراق(الرسمية) من اليسير أن تقع عيناك على اصطلاح معالي الوزير الفلاني، مع أنه لقب محظور بحكم القانون والدستور منذ الغاء الثورة للألقاب!
أما في الشارع المصري فصار استخدام لقب "باشا" أمراً عادياً لا تستهجنه الأذن، وهنا يجب ان نفرق بين استعمالين للألقاب المهجورة المحظورة: استعمال رسمي في النعي وفي المكاتبات الرسمية للوزراء والمسؤولين في جهاز الدولة، واستعمال شعبي يومي بين بسطاء الناس..فهذا الباشا ربما يكون من الحرفيين أو صاحب مقهى أو قصابا أو واحدا من بسطاء الناس وفقرائهم لكن صاحبه يمنحه هذا اللقب الذي كانت له قواعد صارمة للغاية في الماضي وثمن كبير يدفع لقاء الحصول عليه بمرسوم ملكي!
الأمر نفسه ينطبق على لقب "الهانم" الذي لا ينافسه نسائياً لقب آخر. فالرجال ربما يقال لهم (يا بيه) إشارة إلى لقب "البك" الذي هو أدنى في السلم الطبقي من الباشا لكن "الهانم" لقب مفرد لا يوجد غيره لتعظيم النساء من بنات البيوتات وان كان يطلق الآن في الشارع على معظم السيدات مثلما يقال للبسطاء(يا باشا).
اذن فالوزراء ليسوا هم وحدهم الذين يحظون بالألقاب الاجتماعية الكبيرة البائدة، وليسوا وحدهم الذين يقال لهم (معالي الوزير)، المعالي يحصل عليها البسطاء مثلما يحصل عليها الكبار، والكل يحصل عليها مجاناً. لكن ثمة فارقاً مهماً فأصحاب المعالي من المسؤولين تقترن معاليهم بالسلطة والنفوذ والشهرة وأصحاب المعالي من باشوات البسطاء لا يحظون الا باللقب.. والجميع يشترك في تحطيم القاعدة والحقيقة التاريخية وهي ان الألقاب ألغيت!
من العام 1953 حيث الغت الثورة الألقاب واطاحت الملكية وأزالت الفروق بين الطبقات وحتى العام 1975، لم يكن يسمع في الشارع المصري أيّ من هذه الألقاب، وكان ثمة حرص على أن يقال للرجل (يا سيد فلان) وللسيدة (مدام فلانة) وللفتاة (آنسة فلانة أو مدموزيل)، ولعل المتابع لأشرطة السينما في عصر (لأبيض والأسود)، يلحظ اختفاء الألقاب واستبدالها بكلمة "سيد" أو بأستاذ في بعض الأحوال (وغالبا ما كانت تطلق هذه الأخيرة على المثقف أو المعلم وما إلى ذلك من الفئات ذات المستوى التعليمي المرتفع).
فالثورة حين قامت استهدفت ضرب مجتمع الطبقات، ليس لبناء مجتمع لا طبقي على غرار الماركسية ـ فالثوار لم يكونوا من الماركسيين باستثناء خالد محيي الدين ويوسف صديق ـ ولكن لتسييد الطبقة التي ينتمون إليها وهي الطبقة الوسطى!
فحياة معظم ثوار تموز ـ يوليو 1952 بدأت في الريف المصري واغلبهم (باستثناءات بسيطة) ولدوا وتربوا بعيدا عن القاهرة، وأغلبهم ايضا ولدوا وتربوا لآباء بسطاء من العمال الزراعيين أو صغار الموظفين. لكنهم حين التحقوا بالكلية الحربية وصاروا ضباطا بالجيش المصري في عهد آخر ملوك مصر( فاروق الأول 1936 ـ 1952)، ما جعلهم يرتقون طبقياً ليقفزوا إلى الطبقة الوسطى، وهكذا بات عليهم الوفاء واجبا لهذه الطبقة التي قادت مصر في كل العصور سياسيا وثقافيا واجتماعيا وهي الطبقة التي كان يقال فيها للرجل (الأفندي) وهو اصطلاح له أصله التاريخي(الذي نعرض له في سياقه من هذه السطور)، لكنه كان من الناحية الطبقية يعني ان الرجل لا يمتلك شيئاً!
وعندما جاءت ثورة 23 تموز ـ يوليو 1952 ألغت الرتب والألقاب في عهد وزارة علي ماهر باشا الذي عينته الثورة رئيساً للوزراء في أول أيام قيامها.. وفي ثاني اجتماع لوزارة علي ماهر تقرر إلغاء جميع الألقاب بناء على مبادئ الثورة وكان ذلك في أول آب ـ أغسطس سنة 1952م.. والطريف أن مجلس الوزراء الذي ألغى الرتب والألقاب كان غالبية أعضائه من حملة الرتب والألقاب التي تم إلغاؤها في جلسة مسائية.
ولم تكن الألقاب المدنية هي الوحيدة التي لم تعجب ثوار تموزـ يوليو فقرروا إلغاءها، بل تدخلوا أيضاً في الرتب والألقاب الخاصة بضباط الجيش والشرطة وهي رتب اليوزباشي والصاغ والقائمقام والبكباشي والأميرالاي، وجعلوها في أسماء أخرى فأصبحت (ملازم أول ونقيب ورائد ومقدم وعقيد وعميد)..
ويقال إن السبب في ذلك أن الرتب السابقة كانت تميز الضباط الأحرار عندما قاموا بالثورة كما أنها ظلت ملاصقة لهم فترة ليست قصيرة مثل البكباشي جمال عبد الناصر والصاغ جمال سالم، لذلك فربما يظن أي ضابط في الجيش يصل إلى رتبة البكباشي أنه يمكن أن يقود ثورة ويصبح جمال عبد الناصر آخر!
بعد إلغاء الألقاب، وطوال فترة الستينيات، أصبحت كلمة "سيادتك" على لسان كل المواطنين في مصر ابتداء من السيد رئيس الجمهورية إلى أي مواطن عادي.
وشهدت فترة الانفتاح بعد 1975 عودة الألقاب مرة أخرى ولكن بطريقة عشوائية غير رسمية، بخاصة لقبي الباشوية والبكوية، وأصبحت الألقاب، التي كانت تمنح لمن يؤدي خدمات كبيرة للبلاد أو للملك، شائعة بلا صاحب حتى أطلقت في هذه الفترة على فئة من أصحاب الأموال والأغنياء الجدد الذين أفادوا من مرحلة الانفتاح وكونوا ثروات كبيرة.
وأصبح كل واحد منهم "لقب نفسه"، "الباشا" لزوم كمال الوجاهة والمظهر الاجتماعي خاصة أن معظمهم كان ينتمي لطبقات شعبية بسيطة لم تعرف لها الألقاب طريقا أبدا.
واستمرت فوضى الألقاب حتى أطلق على السباكين والسائقين لقب "الباشمهندس" وغالباً ما كانت السين فيها تقلب إلى الزاي فتصبح الباشمهندز وعلى الحلاقين لقب (الدكتور)...!
وفي بداية التسعينيات ظهر لقب جديد استحوذ على اهتمام الكثيرين وهو لقب "رجل الأعمال" الذي يعطي لصاحبه مكانة متميزة في أي مكان يوجد فيه، بخاصة أنه ارتبط بعملية الخصخصة وبيع شركات القطاع العام ونشأة المدن الصناعية الجديدة.
ولم يكن غريبا أن يزيد عدد الأشخاص الذين يلقبون أنفسهم برجال الأعمال فرأينا البقال وصاحب محل الأدوات الصحية وتاجر الخردوات بل بعض النصابين ومحترفي التهريب من الجمارك... كل واحد منهم يسمي نفسه برجل الأعمال الذي أصبح وظيفة من ليس له عمل.
وهذا اللقب تحول في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي إلى لقب سيئ السمعة بعدما كثرت عمليات هروب عدد من رجال الأعمال إلى الخارج على أثر استيلائهم على قروض كبيرة من البنوك بضمانات وهمية. وياللعجب، فبعد التسابق على نيل اللقب والمفاخرة به استبدل عدد من رجال الأعمال في المدن الصناعية المتاخمة للقاهرة مثل العاشر من رمضان و6 أكتوبر استبدلوا بـ "رجل الأعمال" ألقاباً أخرى مثل: "رجل الصناعة" و"رجل التجارة" و "رجل المال والأعمال".
في الزمن الماضي كانت الألقاب رمزاً للوجاهة الاجتماعية أو المنصب الحكومي وكانت تباع وتشترى. كان الخديو إسماعيل حاكم مصر من ( 1863 إلى 1879 ) وواحداً من أهم حكام أسرة محمد علي، أول من دفع مقابل الحصول عليها.. حيث دفع للسلطان العثماني 32 الفا من الجنيهات الذهبية للحصول على الخديوية لأن لقب والي مصر لم يكن ليرضي الطموح السياسي الكبير لاسماعيل.
وأصدر السلطان حسين كامل (حاكم مصر من 1915 إلى 1917) فرمانا في العام 1915 بتنظيم الألقاب، ولعل الزعيم الوطني مصطفى كامل هو الوحيد الذي لم يدفع رشوة للحصول على لقب باشا. وفي سنة 1924م حدثت أزمة سياسية بين الملك فؤاد (1917 ـ 1936 ووالد فاروق) وسعد زغلول بسبب منح الألقاب حين تولى سعد الوزارة 1924وعلم أن الملك فؤاد يعد كشفا بالألقاب التي ستمنح بمناسبة العيد فأصر سعد زغلول على أن هذا العمل طبقا لدستور 1923م من اختصاص مجلس الوزراء وأن دور صاحب الجلالة هو إصدار المراسيم فقط وكان له ما أراد.
صاحبة العصمة
وفي أيام بعيدة وحين كان للألقاب مدلول حقيقي.. ولعل قصة ام كلثوم مع الألقاب خير مثال على ذلك!
في سنة 1944م كانت شهرة أم كلثوم قد بلغت عنان السماء ففكر الملك فاروق في الإفادة من شعبية المطربة الكبيرة فقرر منحها وسام "الكمال" تقديراً لموهبتها وفنها.. وفي إحدى الحفلات التي غنت فيها أم كلثوم منحها الملك فاروق وسام الكمال، لتصبح أول امرأة مصرية لا تنتمي للطبقة الارستقراطية من الباشوات والأعيان تلقب بصاحبة "العصمة" مما أدى إلى اندلاع شرارة الغضب في نفوس أميرات قصر عابدين ذوات الأصول التركية والألبانية حيث اعتبرن أم كلثوم فلاحة مصريه لا يصح أن تمنح الوسام الذي يعطى للأميرات وزوجات رؤساء الوزراء، وطالبت الأميرات باسترداد الوسام.. ولكن الملك رفض بشدة!
صار صاحب السعادة اذن حياً أو بتعبير أدق استرد حياته التي سلبها 55 عاماً لكنه عاد من دون طربوشه العثماني الذي ظل ملازماً له نحو قرنين من الزمان. ومع سقوط طربوش صاحب السعادة تغيرت عقليته وان احتفظ باللقب، فإما تفكيره فانه صار مطابقا أكثر من غيره لسياسات السوق الحر، ولم يعد من كبار ملاك الأراضي الزراعية كما كان في الماضي البعيد.. اذن فعودته لم تكن بالمصادفة، فقط تغيرت صيغة ملكيته للأرض والمال ومقدرات الأمور!

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005