14-02-2010

21-02-2010

28-02-2010

07-03-2010

14-03-2010

21-03-2010

21-03-2010م

كندا «الأميركية» تتقدّم تنوّعاً وعمراناً


إسرائيل تستدرج المنطقة نحو صراعات دينية


الحرب تُشاهَد من النافذة.. أمّا في الداخل..


كندا «الأميركية» تتقدّم تنوّعاً وعمراناً

المستقبل - الاحد 21 آذار 2010 - العدد 3601 - نوافذ - صفحة 9

مونتريال ـ فادي طفيلي

كندا بلد «غربي» مكتمل يجمع بين أنماط العيش والثقافة الأوروبيّة وبين الأنماط والثقافة الأنكلوساكسونيّة التي تبلورت في التجربة الأميركيّة.
الرحلة من تورنتو، المدينة النيويوركيّة الهوى والنمط في مقاطعة أونتاريو المحاذية لحدود شمال الولايات المتّحدة، إلى مونتريال الفرنسيّة في مقاطعة كيبك، هي رحلة بين تلك الأنماط والثقافات المتفاعلة على مدى قرون من الزمن.
الانتقال من تورنتو إلى مونتريال هو انتقال من مدينة «أميركيّة» إلى مدينة «أوروبيّة». شكل الانتقال ذاك سيكون أكثر «أميركيّة» بالتأكيد فيما لو تمّ بواسطة السيّارة عبر الطريق السريع رقم 401 (هاي واي 401) الذي هو أكثر الطرق السريعة في أميركا الشماليّة كثافة. الانغماس في الهاي واي على مدى ساعات (نحو خمس ساعات تقريباً) لا بدّ له أن يظهر المعنى الثقافي لهذا النوع من الطرق الذي اخترعت له أميركا قوانينه وسيّاراته وهوامشه ونقاط الوقوف فيه ومطاعمه ومحال القهوة ومحطّات الوقود حوله وشكل امتداداته ومشهديّته وأحلامه ومعانيه الرمزيّة التي انتقلت إلى الموسيقى وإلى الثياب والأفكار (موسيقى الكنتري روك و ثقافة الهارلي ديفيدسون مثلاً) وإلى الأدب والسينما والصور.
غير أنّ الدخول في مونتريال يستحضر على الفور الإحساس بأوروبا. صرحيّة المباني الدينيّة الكاثوليكيّة تبقى هنا، في أكبر مدن مقاطعة كيبك (1.9 مليون نسمة)، صرحيّة مركزيّة تحدّد علامات المدينة. قبّة النحاس الضخمة لكنيسة سان جوزيف المشرفة في قلب مونتريال سرعان ما تنطبع في ذاكرة الرائي إذ يصل ويباشر في تكوين انطباعاته المشهديّة. إنّه نحاس كنسي ضخم يتصدّر المدينة منذ مطلع القرن العشرين ولا يفوقه ضخامة سوى قبّة بازيليك القديس بطرس في روما وقبّة بازيليك سيدة السلام في ياموسوكرو في ساحل العاج. ثمّ هناك «المركزيّة المائيّة» التي تتمتّع بها مونتريال والتي تحيلها إلى نسق المدن الأوروبيّة المتجمّعة حول الأنهار الكبرى. إذ أن مونتريال هي المدينة الكنديّة الثانية، من حيث الضخامة (بعد تورنتو)، تقوم عند التقاء نهريّ سان لورانس وأوتاوا. مرفأها القديم عند نهر سان لورانس هو صلة وصل بين البحيرات الخمس الأميركيّة الكبرى وبين المحيط الأطلسي في أقصى الشمال. بواقعها المذكور هي مدينة صاغتها الجغرافيا وهي لم تفرض نفسها فرضاً على هذه الأخيرة. والجغرافيا تلك، إذ منحت مونتريال تنوّعاً في التضاريس والانحدارات والانحناءات، تبدو في الوقت عينه عاملاً يكرّس المدينة ضمن حدود تاريخيّة معيّنة يصعب تجاوزها أو الزيادة عليها.
ثمّة هويّة جغرافيّة لمونتريال وهي هويّة راسخة بُني عليها الشكل المدينيّ الذي أُريد له أن يكون راسخاً أيضاً فرصّع بالصروح. ولأنّ المدينة هي حاضرة كيبك الأكبر والأبرز، ولأنّ كيبك كانت مركز الكثلكة الأهم في أميركا الشماليّة منذ أن احتدم الصراع بين القوى الأوروبيّة الكبرى هنا في العالم الجديد، فقد حفلت المدينة بالصرحيّة الكاثوليكيّة المتصدّرة.
لم يعد للأمر الأخير معنى دينيّاً خالصاً طبعاً كما كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لكن الهويّة العمرانيّة لمونتريال تكرّست من خلال تلك الصروح المؤسّسة وأفضت إلى نمط حياة وثقافة وحركة، أي إلى نمط مدينيّ راسخ.
الواقع الجغرافيّ المفضي إلى الهويّة الجغرافيّة يخلق حيزاً واضحاً ومسارح محدّدة للمدن في العادة. ثمّ تأتي الصروح كي تُنشئ مراكز وعلامات للمسارح المدينيّة. جبل «مون رويال» ومنحدراته المطلّة على التقاء نهريّ سان لورانس وأوتاوا يمثّل المركز الجغرافي لمونتريال، وقد جاء الصرح الكنسي في الجبل المذكور كي يضفي العامل الثقافي المتفاعل مع الجغرافيا.
في بعض الأحيان قد تتفوّق المدن على وقائعها الجغرافيّة، فتغدو الوقائع الأخيرة أكثر خفاء وانسحاباً. تورنتو، المثال الكندي الآخر وهي كبرى مدن البلاد، أنجزت هذا الأمر. التمدين و التحديث والمركزيّة الاقتصاديّة، ثمّ الاتّساع الذي جعل من المدينة تمتدّ لتضمّ إليها البلدات التي كانت في محيطها، كما اقتصار الصروح التاريخيّة الرمزيّة على وسط المدينة المسطّح، كلها أمور ساهمت في تحرير تورنتو من ملامح الهويّة الثابتة والمكرّسة.
مقارنة بين المدينتين الكنديّتين الأولى (تورنتو) والثانية (مونتريال) تشير إلى أنّ للأولى هويّات كثيرة ومركّبة ومتنوّعة يزيدها نسقها العمراني اتساعاً، فيما للثانية هويّة واحدة واضحة مهما تنوّعت تركيبتها الاجتماعيّة وتحديثاتها العمرانيّة.
تركّب الهويّة واتّساعها في حالة تورنتو مقابل ثبات الهويّة وتمركزها في حالة مونتريال، يمكن قراءتهما من دراسات تتناول التركيب السكاني في كِلا المدينتين نشرتها أخيراً صحيفة «غلوب أند مايل» الكنديّة (11 آذار 2010). ففي عام 2006 بلغت أعداد سكّان تورنتو من غير البيض نسبة 43 في المئة من إجمالي سكان المدينة. فيما مثّل غير البيض في مونتريال خلال العام نفسه نسبة 16 في المئة لا أكثر.
بحسب الدراسات الاجتماعيّة عينها أيضاً فأن السكّان من ذوي الأصول الأوروبيّة سوف يغدون أقليّة في مدينة تورنتو مع حلول العام 2031، فيما ستبقى نسبة غير البيض في مونتريال على حالها دون تغيُّر وهي ثلاثة من كلّ عشرة أشخاص.
موضوع الهويّة الجغرافيّة ـ التاريخيّة الثابتة، الذي يبدو واضحاً في المشهد المدينيّ الصرحي لمونتريال كما في حياتها اليوميّة الأوروبيّة الهوى، هو موضوع مطروح بقوّة في السياسات المحليّة لمقاطعة كيبك الكنديّة خاصّة فيما يتعلق بالمهاجرين. المقاطعة المذكورة هي المقاطعة الوحيدة في كندا التي تعتمد سياسة انتقاء للمهاجرين القادمين من خارج البلاد، مفضّلة الناطقين باللغة الفرنسيّة على غيرهم من الناطقين بلغات أخرى، كما أنّ هناك ميل لاختيار من تراهم سلطات الهجرة أكثر قابليّة ثقافيّة ودينيّة على الاندماج في «الأمّة الكيبكيّة»، على ما تُسمّى هنا.
السياسات المذكورة، إذا ما قرئت على ضوء وقائع الهجرة الحديثة إلى كندا، تبدو في مأزق حقيقي. إذ أنّ أكثر من نصف المهاجرين المقبلين إلى البلاد يأتون من الهند والصين ومن بلدان قريبة منهما، وهؤلاء بمعظمهم يعتمدون اللغة الإنكليزيّة ويفضّلون إتقان وتعلّم هذه اللغة الأخيرة. كما أن القادمين من الهند والصين ومن البلدان القريبة منهما باتوا أقل فقراً وأكثر قدرة على الانطلاق الاقتصادي والانخراط السريع في المجتمع الكندي الذي يقصدونه. في المقابل فأنّ المهاجرين الذين تُفضّلهم مقاطعة كيبك هم من دول الكاريبي وشمال أفريقيا التي لها ماض ثقافي فرنسي، وهؤلاء يعدّون أكثر فقراً بالمقارنة مع غيرهم من المهاجرين.
انتقاء المهاجرين المنسجمين مع الثقافة الفرنسيّة، أو القابلين للإنسجام معها، هو توجّه معتمد منذ زمن في مقاطعة كيبك وهو ينسحب على باقي مظاهر الحياة والثقافة. إنّه هاجس المحافظة على «الواقع الفرنسي» في أميركا الشماليّة الذي كان قد واجه ضغوطات تاريخيّة كبيرة، وهي محافظة تتجلّى نسقاً مدينيّاً كاملاً هنا في مونتريال.
المحافظة هذه إن قرئت في نمط المدينة التاريخي وفي عمائرها وعناصرها الثقافيّة الرئيسيّة، تُعدّ ميزة جاذبة في المدينة الكنديّة الثانية، إذ تمكّنت الأخيرة من الإبقاء على طابع «البلدة الكبيرة» وعلى صفة «الحميميّة» التي تتمتّع بها المدن الأوروبيّة، مثلما تمكّنت من العيش على «هواها» الفرنسي في قلب العالم الأميركي وفي عمقه الجغرافي.
أمّا إن قرئت هذه المحافظة في السياق الديموغرافي فإنّها بلا شكّ تنطوي على مخاطرة وتحدّ كبيرين.
فالتنوّع الثقافي والنمو السكاني والازدهار الاقتصادي ومظاهر التجدّد هي، في أميركا الشماليّة بأسرها، أمور ترتبط بالمهاجرين وتحديداً بالأفواج الكبيرة منهم التي تأتي باقتراحات جديدة في العيش والاقتصاد.
بالمقارنة مع مدن كنديّة أخرى مثل تورنتو وفانكوفر وكالغاري وفكتوريا، فإن مونتريال، كما تشير أرقامها أعلاه، وكما تشير أجواء شارعها الأكثر تجانساً، لا تسجّل النجاح عينه الذي تسجّله المدن المذكورة في استقطاب الهجرات الجديدة التي تتمتّع بالحيويّة. مونتريال اليوم التي باتت اللغة الإنكليزيّة حاضرة فيها بنسبة 19 في المئة، هي كباقي مدن مقاطعة كيبك الكنديّة تحيا في ظلّ هاجس الدفاع عن اللغة الفرنسيّة وتدعيمها. الأمر بلا شكّ يفصح عن معضلة عنوانها التوفيق بين المحافظة الثقافيّة ـ الفرنسيّة وبين استقطاب الهجرات الفاعلة والمؤثّرة، هذه الأخيرة التي تعدّ اللغة الإنكليزيّة احد أهم عوامل ديناميكيّتها.

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005