25-07-2010

01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

29-08-2010م

أن تكون ترساً في الماكينة بديلاً من صدأ الإقصاء

الدراما التلفزيونية في عصر رأسماليتها العليا


رجاء.. لا تذكروا منا إلا «انتصاراتنا»


فضاء قليل ومؤقّت لتحليق السجناء


أن تكون ترساً في الماكينة بديلاً من صدأ الإقصاء

الدراما التلفزيونية في عصر رأسماليتها العليا

المستقبل - الاحد 29 آب 2010 - العدد 3755 - نوافذ - صفحة 9

هاني درويش

مكالمتي له كانت للتأكد من معلومة مفادها أن صديقنا المشترك يعمل مخرجا من الباطن في مسلسل» الجماعة». كنت قد استمعت إلى شكوى الباحث الاجتماعي الذي تندر على مشاركة صديقنا في مسلسل ذي رائحة سياسية عطنة، لذا حاولت التأكد من صديقي الحميم الذي غالبا ما أطل عبر عيونه على عالم الإنتاج الدرامي الآن. كانت إجابته بنعم، وأضاف أن المسلسل الذي كتب على «تيتره« أنه من إخراج محمد ياسين يعمل فيه أربعة مخرجين على أربع وحدات، والوحدة في العرف التلفزيوني هي فريق إنتاجي كامل بكاميراته وفنييه وهو منقول من عالم «البث التلفزيوني المباشر». اسم صديقنا المشترك الذي أخرج قبل سنوات أهم وثيقة تلفزيونية مصورة عن حياة حسن البنا عبر فيلم عن اغتياله في قناة الجزيرة، لم يكن المفاجأة الوحيدة. المفاجأة كانت مشاركة مروان حامد وشريف عرفة على وحدات موازية، فإذا ما وضعنا الأسماء الأربعة التي تشارك في إخراج المسلسل جنبا إلى جنب مع كاتبه الأشهر وحيد حامد، كنا أمام معلومة تكاد تكمل الشائعات التي تدور حول كون المسلسل جزءاً من الخطة السياسية للحزب الوطني قبل انتخابات مجلس الشعب الأخيرة. المعلومة مفادها أن حشد كل هذه الخبرات، بما يعنيه ذلك من تكلفة إنتاجية ضخمة جاء لكي يشتمل العمل على مجمل خبرات كل من عملوا سابقا على أعمال تتعامل مع التيار الإسلامي، شريف عرفة مؤسس سينما الإرهاب والكباب، ومروان صاحب العمارة اليعقوبانية، وصديقي المتخصص في تحقيق تاريخ اغتيال البنا، ثم أخير محمد ياسين مخرج فيلم دم الغزال مع وحيد حامد.
أكاد أنفي القصدية المباشرة في هذه الاختيارات، خاصة إذا ما عرفنا أن تكنيك» الوحدات الإخراجية الموازية» هو تكنيك لتسريع المسلسل تحت ضغوط زمن العرض الرمضاني. أكاد أنفي القصدية لكن لا يعني ذلك التقليل من وجاهة منبتها اللاواعي. فوحيد حامد فتحت له أقبية أمن الدولة وملفاتها ونال دعما لوجيستيا لم ينله مسلسل من قبل سواء في التصريح بالتصوير في أماكن حساسة أو في كم التسهيلات الإنتاجية التي وفرت له من قبل التلفزيون. والحقيقة أن ما أثارني فعلا لم يكن مجرد الأسماء التي جزّأ العمل كعكة عيد الميلاد على أيديهم، بل موضع المخرج الذي كتب العمل على اسمه من تعدد زوايا وتكنيك الإخراج. عند هذا المفترق فاجأني صديقي السينارست بجملته الصادمة: المخرج في مثل هذه الأعمال هو مجرد مخرج منفذ. والمصطلح الأخير مخرج منفذ. ظهر في عالم الإنتاج التلفزيوني والسينمائي قبل سنوات مع شيوع نمط من أنماط تقسيم العمل الدقيق في بلاتوهات السينما أو التلفزيون، تقسيم يتيح لمساعد المخرج الأول في أن يقوم بمهام إخراجية منفصلة تحت إشراف مخرج العمل الأصلي ووفق خطته الإخراجية المركزية. المخرج المنفذ بهذا التوصيف أقرب إلى «عين إضافية» منفصلة تتيح إنجاز بعض المهام الفرعية للمخرج الأصلي. ولكي يكمل صديقي مفاجأته التوصيفة أكد أن مجمل الدراما بل والسينما المصرية منذ سنوات يخرجها مخرجون منفذون لا مخرجون بالمعني الحرفي.
هل تعلم عزيزي القارئ ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك تفسيرا مقلقا لنوع الاغتراب الذي بات يشل المشاهد فجأة أمام أعمال منفذة بشكل حرفي دقيق لكنها تفتقد إلى الإقناع، أو، بلغة أخرى، يفسر كيف تبدو الأعمال الدرامية مهندسة شكلانية بشكل بارع فيما تفتقد إلى الروح أو الروئية الشاملة، وهي مشكلة أكبر بكثير من مجرد توزعها على أعمال رمضانية من نوعية «أهل كايرو» لمحمد على أو «أيام وبنعشها» لسميح النقاش أو «الجماعة» لمحمد ياسين.
جزء من تفسير تلك الظاهرة يعود إلى طغيان عناصر أخرى على الإخراج في توازن العمل. فمنذ عهد التأسيس الأولي للدراما التلفزيونية المصرية وسلطة كاتب الدراما النجم أعلى من سلطة المخرج. لنا في أسامة أنور عكاشة أكبر دليل، فلا أحد يتذكر الآن في نسب ليالي الحلمية مجهود المخرج إسماعيل عبد الحافظ. لكن السنوات الأخيرة شهدت طغيان ما هو أكثر من الكاتب الدرامي، شهدت طغيان المنتج الرأسمالي وتدخلاته الفنية والنجم البطل وتدخلاته الشخصية. هكذا انزاح المخرج التلفزيوني درجة إلى أسفل بطغيان نموذج أسامة أنور ودرجة أخرى بوجود النجم الذي بات السينارست والمخرج مجرد «ترزيات» لتزيين الحلقات بوجوده المركزي، ودرجات بتحكم المنتج الذي يخضع المخرج والسينارست والنجم لتطلباته وشروطه الإنتاجية.
سبب آخر لتهدل وتدهور موقع المخرج التلفزيوني كان في الدراما السورية ومتطلبات المنافسة معها، فمنذ سنوات فاجأت الدراما السورية أختها المصرية بثورة تقنية باذخة. مديرو تصوير أجانب، مهندسو مناظر أجانب، وموضوعات ومعالجات تاريخية تحت مبدأ التقية الفنية. انبهر السوق في مصر بهذه النقلة. وبما أن المخرجين التقليديين للتلفزيون لا يملكون تلك الخبرات، سقطت مهمة المنافسة على عاتق الجيل الشاب ذي الخبرة السينمائية المعطلة، وأقصد هنا نقل التجربة التقنية السينمائية إلى الحقل التلفزيوني عبر جيل المخرجين الشباب أو مساعدي الإخراج في السينما التجارية، وهي نقلة بالنسبة إلى ذلك الجيل المعطلة إمكاناته السينمائية داخل سوق لا يؤمن غالبا بالجديد إلا تحت اشتراطات الحظ والعلاقات العامة. تجربة مسلسل تلفزيوني من 30 حلقة لمساعد أول سينما أو مخرج منفذ سينما تضمن تشريفا لاسم مخرج جديد على «تيتر« عمل جماهيري لمدة شهر، ونقلة نوعية في الأجر، وتدريبا طويلا(طوله 30 حلقة) على التقنيات الفنية السينمائية. وهذا الموقع الضعيف يجعل من مخرج الدراما التلفزيونية ألعوبة في يد الكاتب الدرامي والمنتج. هو أقرب للتقني البارع الذي عليه تنفيذ رؤية الكاتب الدرامي والمنتج بأمواله والنجم بملابسه وإكسسواره.
لكن الأمر يحتاج إلى تعميق، يحتاج إلى رؤية عالم السينما المصرية نفسه الذي بات المخرج فيه مجرد مخرج منفذ. ففيما عدا أسماء محدودة منها اسامة فوزي ويسري نصرالله وخالد يوسف وداود عبد السيد تبدو مجمل السينما المصرية إبنة لمفهوم المخرج المنفذ.
السينما المصرية في الخمسين سنة الأخيرة تحيا تحت مظلة الصراع الصامت والمحتدم بين أجيال من المخرجين وأجيال من كاتبي السيناريو، تحديدا مع انتهاء أسطورة جيل الثمانينات وسينما المخرج عموما. لكن المفصل الأهم في ذلك الصراع كان في ثنائي ماهر عواد سينارستا وشريف عرفة مخرجا، وهو الثنائي الذي أرخ للانفصال بل والصراع بين شقي إبداع السينما المصرية. فبعد الفشل المزري لأفلامهما سويا (الدرجة التالتة، سمع هس، الأقزام قادمون) وهو الفشل الذي أحتسب عمليا على التوليف الخاطئ بين سيناريوات غير جماهيرية وذاتية وتقنية إخراجية منضبطة وإن كانت لا تمت بصلة لتلك الحالة الكتابية، انفصل الاثنان وأنطلق شريف عرفة وحيدا. انطلاقة الأخير تزامنت مع دخوله شراكة مع وحيد حامد، وهي الشراكة المبنية على سينما اجتماعية سياسية خفيفة تعتمد نجوم المرحلة (عادل إمام تحديدا في اللعب مع الكبار والإرهاب والكباب)، كان تقسيم العمل في هذه الثنائية منضبطا ومنمذجا لكل المراحل اللاحقة، سينارست سياسي اجتماعي متمكن دون تفلسف ومخرج شكلاني يطوع حرفيته الإخراجية شبه الأميركية الهوى في خدمة السيناريو الجماهيري. تقسيمة اقرب إلى «المخ» و»العضلات» في الجملة الشهيرة لمسرحية مدرسة المشاغبين. وفيما خفت نجم هذا الثنائي لاحقا في النصف الثاني من منتصف التسعينات مع دخول السينما مرحلة المضحكين الجدد التي تتخذ من فيلم «إسماعيلية رايح جاي» مفصلا، طوّر شريف عرفة على حدة علاقته بالنقلة التقنية التي تمثلت في معدات التصوير ونوعية الخام الجيد والحيل الجرافيكية وفنون المكساج والطباعة والصوت المتقدمة التي وفرها دخول كارتيلات مالية إنتاجية تؤمن دون أن تدري بعولمة المواصفات البصرية للسينما المصرية. لم يتوقف شريف عرفة لحظة عن مواكبة تقلبات العواصف في السوق المصرية. عمل في السينما الكوميدية «الناظر صلاح الدين» مثلما عمل في السينما الحركة» الجزيرة»، منطلقا من قناعة واحدة ريادية وهي طغيان العوامل التقنية والفنية في الوقت الذي تنفصل فيه عن أي محتوي أو رؤية للنص السينمائي، فشريف عرفة يخرج فيلما كما يقول الكتاب، ما يهمه هم الزوايا البديعة للكاميرا، الظلال والإضاءة المنضبطة، الحركة السريعة والاستعراضية المنضبطة على موسيقى تصويرية، الاستنطاق الجيد لوجوه نجومه في أقصى تجلياتهم التمثيلية، المونتاج السريع والمؤثرات البصرية الجيدة. تطغي كل تلك العناصر التوليفية على أي ضعف في الورق، تنطبق على فيلم الأكشن كما على الكوميديا. إنه المؤلف الشكلاني الأعظم في تاريخ السينما المصرية، وهو أول الطريق فعليا إلى سينما المخرج المنفذ، لماذا؟
لأن مروان حامد كان التلميذ النجيب والمساعد الأول لشريف عرفة في عشرة أفلام. كان عمارة يعقوبيان على هذا الشكل، ولأن 60% من المخرجين العاملين في الحقل السينمائي الآن إما عملوا مساعدين له أو متأثرين بشكلانياته البصرية ونجاحاته الإنتاجية المدوية، أصبحت السينما المصرية أقرب إلى إعلانات الأفلام الأجنبية المطولة. يقول صديقي السيناريست مستدركا: محمد ياسين لا يعرف ولا يهمه أن يعرف شيئا عن جماعة الإخوان المسلمين، ليس مهمّا موقفه الشخصي أو محبته أو وعيه بالعمل. هو ميكانيكي يسيّر عربة فخمة مكتوبة ومشرف على أجزائها المبدع الأعظم وحيد حامد. كذلك هي حال محمد على في «أهل كايرو» مع كتابة بلال فضل، وسميح النقاش في «أيام وبنعشها» مع كتابة محمد رفعت، لا رؤية ولا يحزنون.
الأزمة أن كلام صديقي السينارست الأكثر موهبة في جيله مثلما ينطبق على الشق الإخراجي ينطبق على السيناريو فيما يخص كتاباته الدرامية، هو الخارج لتوه من عمل درامي آخر عادي بل اقل من العادي وفقا لطموحاته. ومثلما تحجج العام الماضي بضعف المخرج الذي رمى سيناريو ورشته الكتابية التي استغرقت أشهراً طويلة يرى الأزمة في مخرج عمله هذا العام الذي لم يفهم طبيعة العمل فأسقطه في أعراض الملل. ومثلما تتجزأ مسؤولية العمل وتتشتت إخراجيا ليصبح المخرج مخرجا منفذا، يصبح السينارست في حالته سينارستا تنفيذيا لرؤية المنتج أولا والنجم لاحقا، لكن ماذا سيفعل صديقي الذي لم تنقذه موهبته لسنوات جلس خلالها ينظر لسلبيات السينما والدراما؟ هل تمر حياته جالسا على رف التأسي والنقد أم يتورط في السوق بشروطه وحدود مسؤولياته وتشظي معاييره؟ اختار التورط بمجمل الانفصال بين قناعاته ووعيه من جهة وممارساته وعمله من جهة أخرى.
يبدو موقف صديقنا المشترك، والذي يخرج خطا دراميا في مسلسل الجماعة، منطقيا. هو بث فعليا رؤيته الحقيقية في فيلمه التسجيلي الأول عن حسن البنا، وهو في حال جلوسه مثله مثل العشرات من أبناء مهنته في انتظار عمله القادم المناسب لمواصفاته الفنية ربما يقضي عمره انتظارا أو تثبت عليه تهمة التخصص في الأعمال التسجيلية، وهي تهمة بالدارج المصري»لا تؤكل عيشا«. ناهيك عن أن مهنة العمل السينمائي هي أقرب لموهبة اللغة تصدأ فيها أفضل المواهب دون ممارسة.
نموذج على ذلك مجمل دفعة معهد السينما التي تخرجت نهاية التسعينيات، وفي حالة صديقي(السينارست والمخرج) لم تدخل الحقل السينمائي بفيلم أول إلا قلة ضئيلة. وحتى من كُتب له في هذه الدفعة الدخول هرسته معايير السوق. نموذجان على هذا حالة المخرجين أكرم فريد وأمير رمسيس. كلاهما أوائل هذه الدفعة في مجال الإخراج، وكل منهما قدم مشاريع تخرج واعدة فازت بالعديد من الجوائز في مهرجانات دولية وإقليمية، فماذا فعلا في اندماجهما كمحظوظين في سوق السينما التجارية؟
الأول (أكرم فريد) قدم ثلاثة أفلام من أحط النماذج التجارية في السوق(أذكر منها فيلمه الرائد»حاحا وتفاحة») رغم أنه معين معيد بالمعهد بعد سنوات مالأ فيها أساتذته بمنطق الطالب «الدحيح» (أي الطالب الذي يحفظ المقررات ولا يخالف أساتذته بل وينافقهم)، والثاني الذي نجح منذ سنوات الدراسة في التدريب داخل مدرسة شاهين الإبداعية(عمل مساعدا له في ثلاثة أفلام) أخرج فيلمين رومانسيين اجتماعيين فاشلين. المثير في حالة رمسيس أن فشل أفلامه بمواصفات السوق لم تمنع المنتجين من تكليفه بأفلام جديدة وكأنه كلما فشل زادت أسهمه! لقد وارب السوق أبوابه قليلا بمنطق اتساع قماشة الإنتاج وارتفاع عدد الأفلام فسمح لأقل القليل بالدخول عالم الفيلم الأول لكن على ما يبدو بشروط السوق أو وفق معادلة «ما للمعهد فهو فهو للمعهد(الفن) وما للسوق فاللسوق (البيزنس).
يبدو الاختباء في الدراما التلفزيونية كتدريب مقابل أجر حتى تغير السوق السينمائي أو هطول فرصة من السماء تكنيكا لبقية أبناء الحقل السينمائي الغير محظوظين، أو بتعبير أدق، الباحثين عن أبغض الحلال الإبداعي، أما الحديث عن ما في تلك الأعمال من جرائم أو هفوات أو مسؤولية فهو يحيل غالبا إلى سؤال مسدود، ماذا تفعل في عصر الرأسمالية العليا للصناعة؟ ماذا تفعل وقد كتب عليك أن تكون»أجير» في ماكينة إنتاج جبارة لا ترحم المنظرين وهواة مصمصة الشفاة تحسرا؟ لا سبيل-مثله في ذلك مثل باقي المهن الإبداعية المرتبطة بالسوق- إلا التورط بأقل الخسائر، وهو هنا المحاججة بأننا لا نعرف الإبداع في مهن أخرى، أليس هذا هو نفس التبرير الذي نضعه لأنفسنا أحيانا ونحن نرتكب جرائم الكتابة تحت ضغط الطلب أو وفقا لاعتبارات السوق؟ نعم، الفارق أن ثمن الاختيار في مهنة كالسينما أو التلفزيون يعني الإقصاء جوعا والنسيان، فهنيئا لمن كان خبزه من عمل عقله في الحدود الدنيا للتورط مع ماكينات الإنتاج الضخمة، وإن كنت أشك مؤخرا حتى في جدوى وحقيقة ذلك واستحالة احتسابه استقلالا فعليا.

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005