25-07-2010

01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

29-08-2010م

في ذكرى ولادته الـ125 جبران يعود الى تذكيرنا بلبنانه


يا كاره المخادعة ويا قارئ البعيد


القوة النبيلة المُصلٍحة لا الغاشمة المتجبّرة


متى يتحقّق حلم جبران بإصلاح لبنان؟


القوة النبيلة المُصلٍحة لا الغاشمة المتجبّرة

المستقبل - الاحد 8 حزيران 2008 - العدد 2981 - نوافذ - صفحة 14

مونيكا ابراهيم(*)
هذا المشرقي الثائر أبداً الذي امتطى صهوة الفكر وسيلة لدخول القلوب واحتلال المدارك بحبر الوجدان وريشة نسر؛ فحلق بالأنسان عبر السطور... الخطوط والألوان... حيث زينها بأفراح الشرق وأحزانه؛ بخنوعه ونهضته، بتخلفه واقدامه بتوبته الى الخالق: مكتشفاً، مناهضاً، قانعاً أم غير لاوٍ على شيء غير متأسف على أمر حدث له أو تمناه، ولم يحققه لأنه كان على قناعة راسخة ان الفرد يأتي العالم صدفة ليحقق ذاته ضمن جماعة ويحيا ملتزماً الجماعة ليحقق النمو الأعظم، نمو المجتمع الانساني بأكمله وإن آمن بالفردية طريقاً لتحقيق النبوغ ذاك أن النبوغ صفة فردية وغير وراثية.
فما كانت سمات نبوغ هذا العظيم من وطني؟ وما هي منابعه والدوافع لظهوره الذي جعل منه ملاكاً وثائراً في آن؟
بعد أن عجنته الحياة بماء العين حزناً وفرحاَ، عركته غلياناً وتقليباً في مرجل أيامها بين وطن ومهجر، بين أرض الميلاد وأرض العماد، حيث تعمد بماء حضارة غريبة بعد أن كان قد مسح بميرون الشرق، عاداته، وتقاليده، وسيل وجدانه من قبل ليعود جبران ذاك النابغة الثائر ليطل على بني أمته هداماً لركودهم راسماً على وجه كل منهم لوحة ويلات لا زالت خطوطها راسخة في اذن الزمان وعلى جدرانه الكالحلت باثاً في اوصالهم دماء عهد جديد من نهضة الفكر وطغيان الروح على أديم مادية السطور فوق يم الحبر الدافق من نجيع القلب شغفاً بالوطن وأهله، الهادر من علياء الفكر ومن خلف اطياف الأرز العابق بخوراً يتصاعد من ارض اللبان لمعاً نيرة تضيء دروب الانسان بمعارجها والمسالك أينما حل، هداماً لكل قديم ثائراً على البالي اصلاحاً وتغييراً ارتقاء بالمخلوق الى مصاف خالقه عله يلتقي الذي أبدعه على صورته ومثاله، فيتحد بالذات الكلية مجدداً....
لقد عاش جبران مناوئاً لاحتلال وطنه مساهماً بنزع نيره عن رقاب أهله... "تطورات الحرب وانضمام اميركا الى الحلفاء جلعت جبران ينسى معرضه وما يكتب عنه. وقد كتب الى ماري هاسكل في 20 نيسان 1917: "انني الآن في المدينة اعمل من أجل بلادي... وقد قرر السوريون واللبنانيون في هذا البلد الانضمام الى الجيش الفرنسي الذي هو جاهز تقريباً لدخول سوريا. وقد استطعت بمساعدة بعض السوريين في المدينة أن أنظم "لجنة المتطوعين من أجل سوريا ـ جبل لبنان "لقد كان علي أن أفعل ذلك يا ماري"... وقد شجعت "عصبة التحرير" التي ظلت هاجسه منذ بداية الحرب، فحمست الكثيرين من اللبنانيين ـ السوريين على حمل السلاح في وجه الاتراك. وسعت الحركة بالتعاون مع حركات مشابهة في مصر ولندن وباريس، الى الاستقلال. وكانت اللجنة التنفيذية تضم ايليا ابو ماضي ونسيب دياب من "مرآة الغرب" وعبد المسيح حداد من "السائح" ونسيب عريضة من "الفنون" وكان أيوب ثابت يرأس اللجنة، بينما كان جبران سكرتيرها اللمراسلات الانكليزية ومخائيل نعيمة، الواصل حديثاً سكرتيرها للمراسلات العربية".
اذن، لقد عرف جبران اللبناني الوطني كيف يقنع مواطنيه اللبنانيين بضرورة توظيف قدراتهم وطاقاتهم الفكرية والنفسية وما لهم من علاقات كانوا قد نسجوها في الغرب الاميركي والأوروبي في سبيل تحقيق استقلال بلاده الذي كان يحمل همه في قلبه، فكره والوجدان حيث في مكان آخر، يقلق مظهره ماري هاسكل فنسمعها تقول عنه: "كان، أي جبران، وجهه، تعباً ولا يخفي اي ابتسامة تحته. ان ثمة الماً عميقاً فيه، والسبب هو سوريا، بل على وجه التحديد، هو لبنان بصورة خاصة".
كأني بهذا الثائر من وطني يتمثل مع كوكبة من المفكرين، مفكري فرنسا أمثال روسو وفولتير الذين اعدوا الثورة في العقول وأججوا نارها في النفوس قبل أن يطلقوا شرارتها على أرض الواقع: حرية، اخاء ومساواة!!
عوامل عدة تنازعت الأدب الجبراني، منها الشخصية ومنها البيئية الحياتية بذور ثورة لا تستكين على الصعد كافة: اجتماعية كانت، أم لغوية أدبية أو فكرية فلسفية حياتية وحتى فنية. وهذه العوامل المؤثرة نوردها كالتالي تحت عنوانين كبيرين:
أ ـ عوامل شخصية ذاتية:
ـ كان من طينة الانبياء يتمتع بجرأة تعليمهم، خصب تصوراتهم، نورانية رؤاهم، اشراق وحيهم وبداهة حدسهم.
ـ يتمتع كذلك بخيال عجيب يدني كل خارق ويطال كل ميثولوجي.
ـ يميز شخصه انه رجل عاطفة، انفعال وعقل راجح سيطرت عليه مثالية تواقة في آن.
ـ قد حبته الفطرة ذوقاً رهيفاً جعله يلم بالفنون الجميلة ويتمرس بها رسماً ونحتاً، شعراً وموسيقى.
ـ كان في طبيعته رافضاً، ورفضه شعري؛ ثائراً وثورته بنيوية. ميالاً الى كل جديد، مهملاً كل تقليد، هائماً بالحرية هيامه بالطبيعة والجمال.
ب ـ عوامل بيئية اجتماعية:
ـ فقر وحرمان، كوخ صغير في بشري تحت قصر آل الضاهر.
ـ اضطراب عائلي يتمظهر بوالد سكير وام تزوجت للمرة الثانية.
ـ اتجاه صوفي نوراني طبع ادبه فيما بعد، حيث حفظ منذ صغره ابياتاً لابن الفارض وقرأ التوراة: من هنا التعابير الانجيلية والكتابية في أدبه.
ـ تعرفه الى ماري هاسكل في بوسطن وما نتج عن ذلك من تحول مادي وفني وعاطفي في حياته.
ـ الضياع بين مجتمعين: بين حضارة تحققت فيها العدالة واقطاعية لا تزال تتحكم بالشرق واهله.
ـ ثقافة متشعبة وغنية: عربية، فرنسية، انكليزية، دينية، موسيقية، فنية.
ـ تأثره بالفيلسوف الالماني نيتشه وبالكاتب الفرنسي روسو.
ـ تأثره بالحركة الدينية الرومنطيقية في الولايات المتحدة، يرفدها الشاعر الهندي طاغور.
ـ تأثره بالتعاليم المسيحية، وانشغاله بهاجس المسيح، الثائر من أجل الحق (خليل الكافر) أو المبشر بحقيقة التعاليم الإنجيلية (يوحنا المجنون) أو المسيح المحبة (النبي).
ان هذه العوامل التي تجمعت في شخص جبران، جعلت أدبه ينحو منحيين: منحى الهدم وقد ظهر في نتاجه بالعربية ومنحى البناء وقد ظهر في نتاجه بالانكليزية.
1 ـ مرحلة الهدم:
أ ـ القضية الشرقية: "قضية المرأة (مرتا البانية، عرائس المروج، وردة الهاني، الأرواح المتمردة، مضجع العروس، الأجنحة المتكسرة).
* قضية الاقطاعية (يوحنا المجنون، عرائس المروج، خليل الكافر، الأرواح المتمردة، صراخ القبور).
ب ـ القضية الانسانية: قضايا الحياة: المواكب (الخير والشر، العدل والحب، الدين والسعادة)
قضية الانسان: العواصف (الانسان المتفوق، المتمرد، الثائر).
2 ـ مرحلة البناء:
قضية السعادة: النبي، وهو انجيل جبران وتعاليم ديانته التي ترتكز الى اقانيم ثلاثة: المحبة، العدل، العطاء....
ولكن مهما يكن من امر فلا بد لنا من التوقف عند علاقة جبران برجال الكليروس وقد كان لهم منه مواقف صارمة وحادة جراء كتاباته التي تناولهم فيها فأعطى عنهم صورة فظة، ولم يفهموا موقفه من الدين والمسيح فمنعوا عن القراء تداول كتبه لردح طويل من الزمن، وعادوا فتراجعوا عن مواقفهم المتزمتة تجاهه بعد ان فقوا كنه فكره وعمق فلسفته، فالفوه اشد تديناً من المتزمتين وأكثر تعلقاً بالمسيح وتعاليمه من كهنة كنيسته.
باختصار الكلام، علام تمحورت ثورة جبران على رجال الدين؟
كانت الجالية اللبنانية قد حملت معها الى المهجر الاميركي الخلافات المزمنة، وقد اثر هذا الخلاف في الحياة التجارية والاجتماعية على السواء، ثم ما لبث ان امتد الى صحف المهجر نفسها. لكن بعكس الصحف الأخرى، فان "المهاجر" اتخذت موقفا معتدلاً من هذا النزاع. وفي بادرة ائتلافية نشرت الصحيفة في صدر صفحتها الأولى رسماً بريشة جبران يمثل ملاكاً يحتضن بين ذراعيه الفريقين.
بعد ذلك نشر جبران في "المهاجر" ثلاثيته الشهيرة "عرائس المروج" التي ضمت ثلاث قصص تدور جميعها في لبنان. الأولى بعنوان "يوحنا المجنون" والثانية بعنوان "مرتا البانية" والثالثة كانت "ارم ذات العماد". وفي القصص الثلاث يثور جبران على رجال الدين متهماً اياهم بالظلم والقسوة ويفضل للانسان ان يكون مظلوما ـ مثل "مرتا البانية" التي اضطرت احتراف الدعارة ـ على ان يكون ظالماً مثل الذين ظلموها.
واحدى نقاط اختلاف جبران مع رجال الدين كونه نظر الى المسيح نظرة تختلف عن نظرة الكنيسة اليه. فالمسيح، برأي جبران، داعية قوة لا داعية ضعف، يستشهد على ذلك بموقفه من الكهنة والفريسيين ولصوص الهيكل، وبقوله: "من أخذ بالسيف فبالسيف يُؤخذ"، الا ان القوة الجبرانية هي القوة النبيلة المصلحة لا القوة الغاشمة المتجبرة التي دعا اليها "نيتشه"، وقد لمس هذه الناحية لدى جبران الاستاذ جان كميد في مقاله الذي نشر في العدد الخاص عن جبران في مجلة "الرسالة" وتناقله العديد من الصحف والمجلات، وعلق عليه بعضها تعليقات طويلة دلت على أهميته وحدّة الرأي الذي انطوى عليه. تتجلى نظرة جبران الى وطنه الذي حلم به، عمل وناضل من أجل، بأبهى مواصفاته من خلال نص "لكم لبنانكم ولي لبناني" الذي ورد في كتابه "البدائع والطرائف"، باكورة من بواكير قلم جبران، الذي نشره في العام 1923، وقد كتبه بريشته البليغة وقلمه الحساس حيث يعبر جبران الثائر عن غربته الوطنية: فاغترابه ليس هجرة بل هو حالة نفسية تظهر قلقه وتمزقه بين لبنانين: لبنان القصيدة والحلم من ناحية وهو لبنانه الذي يريد، ولبنان الواقع والسياسة وهو لبنان المقيت الذي يرفض ويثور بوجه اهله ساخطاً مؤنباً عاتباً.
... فوطن جبران هو غير الوطن الذي يتنازعه السياسيون ويتقاذفه القادة، ويتلاعب بمصيره سادة العالم. لقد رسم صورته بالقلم لا بالريشة فاذا به وطن الحرية والجمال والسلام والفرح.
فثورة جبران في هذا النص اتت وليدة شعورين نقيضين تجاه وطنه، فهو احبه حتى الثمالة وكرهه برياء من تعاون معهم الى اقصى الحدود "انها الخيبة او الهزيمة التي جعلت العاشق يُجرّح حبيبته. لقد انكسر الحلم وسقط القناع وظهرت الحقيقة العارية بكل تشوهاتها. انها مأساة التاريخ والجغرافيا معاً: لماذا كانت الحرب العالمية الأولى؟ من أجل ماذا قُتل الأبرياء واستشهد الأبطال ومات الأطفال وهاجر اهل الطموح وجاع الفقراء؟ لقد ناضل جبران وقاوم في المهجر، قولا وعملاً، من اجل استقلال لبنان وحريته: ألقى المحاضرات، اقام التجمعات، تنقل وسافر، اجرى اتصالات وعلاقات.. أكل ذلك من اجل ان ينتقل لبنان من الظلم العثماني الى الانتداب الفرنسي؟ لقد خدعه الغربيّون، فاذا به يمتشق قلمه ليدافع عن وطنه وليضرب المنافقين الكاذبين وعملاءهم حتى ولو كانوا اخوة له في المواطنية".
جبران نظم لبنان نشيداً، لم يبال بناطحات السحاب، مات وهو يحن الى شماريخ لبنان. لقد عمد في سبيل رسمه للبنان الأزمة الذي يرفضه وللبنان الحلم الذي يريده ويسعى اليه صيغ توكيدية ثلاث أ ـ التوكيد على تحديد الرؤيا والموقف بشكل تفصيلي بين محوري لبناني/لبنانكم انطلاقاً من "لكم لبنانكم فاقنعوا به ولي لبناني وأنا لا اقنع بغير المجرد المطلق" ب ـ اجراء المقابلة بصورة تغايرية تعارضية صورة لبنان الازمة من جهة، وصورة لبنان الحلم والنقاء من جهة ثانية عن طريق نظرية تمايز الأشياء بتضادها. ج ـ التوكيد باختلاف وتعارض المفردات والتراكيب في رسم صورتين مختلفتين للبنان الواحد كما هو في الواقع وكما يراه ويريد له جبران ان يكون عليه. فلبنان بني امه هو لبنان السياسة الفاسدة والمشاكل المعقدة والعواطف الكاذبة والمصالح المتضاربة... أما ابناء لبنانه فهم الفلاحون والرعاة والمزارعون الشعراء المولدون في الاكواخ والمائتون في قصور العلم.
فلبنان الذي خسرناه ونتحسر عليه اليوم هو لبنان جبران، لا بل لم نخسره لانه بالأصل لم يكن لنا يوماً ولكن كنا نتوق الى تحقيقه منذ الأزل ولا زلنا نرنو الى قسماته شاخصين الى اليوم الذي نحققه، فنحيا في ربوعه وبين احضانه. ولقد كدنا نلمح له طيفاً منذ سنوات ثلاث يوم ضجت بنا ساحة الحرية وغصت.. ولكن للأسف الشديد فمن بعدها صحونا لنجد سعينا وحماستنا لما تحقق قد ذهب ادراج الرياح وهباء عصف الانانيات؛ ومن سقط على مراقي الوطن مضرجاً تربه بنجيع طاهر قد قضى سدى!!
غير ان لبنان الحقيقي الذي نتوق اليه ونصبو ارى ان اولى خطوات بنائه تكون باحترام الانسان فيه، بقدراته وتخلفاته، باخفاقاته ونجاحاته، وأن يكون لكافة ابنائه جاعلين الكفاءة ميزان عماله بدلاً من المحسوبيات وتناقل ارث زعامة ليست بالضرورة ان تكون بمحلها سوى على سبيل اتصال ما يؤل للسلف من الخلف ولو عن غير وجه حق!!
علينا ان نفسح بالمجال لتوظيف الشباب قدراتهم في وطنهم بدل ضياعها في بلاد الغربة وهتكها على أعتاب السفارات.. فضلا عن تخلي الحكام عن انانياتهم وبيع ذواتهم لدول الخارج فلا يوالون سوى وطنهم ولا يسهرون سوى على حفظ مصالحه وخير ابنائه دون سواهم. ناهيك عن الانفتاح على الآخر بمعنى ان يكتسب المواطن منا خبرات ومعارف من خلال التواصل مع الحفاظ على خصوصيته كمواطن لبناني في الدرجة الأولى بدلاً من تعشقه لكسب جنسية غربية كما وأنه يبقى هجيناً غريباً عن البلد المضيف؛ ولكن برأيه انه يسعى الى اكتساب الجنسية لكسب لقمة عيش يظنها كريمة! فمن اولى مهام الحكام والمسؤولين ان يحفظوا كرامة الانسان وبذلك يحفظون طاقات البلاد الشابة والخبرة للوطن بدل هدرها على مكاتب ومصانع وجامعات دول لا يهمها من ابناء وطننا سوى طاقتهم الانتاجية وكأنهم آلات بروح بشرية بدلاً من ان تكون متصلة بسلك كهربائي او جهاز لاسلكي!! فنحيا في وطننا محافظين على أهم ميزاته الا وهي تنوعه الثقافي، الفكري والديني مما يضفي عليه تنوعاً حضارياً كتب لنا الحفاظ على خاصيته ضمن نطاق العيش المشترك وان كان في معظم احيانه تعايشاً عن طريق قبول الآخر بمرونة الحذق ومبدأ الوحدة الجامعة لكافة اطيافه في سبيل احقاق الحق، بث الجمال، فنعطي دروساً راسخة في المحبة حيث نبقى على الدوام مثالاً يحتذى في الوحدة والانصهار في بوتقة وطنية جامعة. ولنحيا دوماً ثواراً على دروب الحياة لا نستكين لننضم الى طغمة بناة العالم.
ربما يعيب احدهم على جبران تطرفه، ولكن فلنطف بنزهة في الفكر الجبراني حول التطرف، فعسانا تبدل رأينا، فنسمعه يقول: "المتطرفون هم المتطرفون في الحق عن طريق توحيد تناقضات الحياة.
أحب الذين يميلون بكليتهم الى وحدانية الأمور فلا يقفون مترددين بين نقيضين. أحب النفوس المصطبغة بلون واحد مطلق. وأهوى الأرواح البسيطة التي لا تقبل طبيعتها التركيب ولا يدخل الى جوهرها الانقسام. أحب ذلك الذي صلبه المعتدلون ولما لوى عنقه وأغمض عينيه قال بعضهم لبعض "لقد تخلصنا من المتطرف المقلق" ولم يدروا انه في تلك الساعة كانت روحه تسير متغلبة على الأمم والأجيال.
أحب ذلك الذي نُفي عن وطنه فتوهم المعتدلون ان في هجرته نهايته حتى وطأت اخفاف ناقته منعكفات الهند وملتويات الأندلس.
أحب الذين رُجموا وأحرقوا وقتلوا بحد السيف لحقيقة متطرفة متجوهرة في كيانهم.
أحب المتطرفين وأهواهم وكلما رفعت كأسي الى شفتي ذقت طعم دمائهم، وكلما نظرت الى المرآة رأيت وجوههم..."
من هنا نعرف ان النبوغ ثورة والنابغين ثوار. هم راكضون وراء الحياة، والركض هو الحياة نفسها. انهم متجددون تجديديون؛ ونبوغهم هذا هو مصيرهم الى "يسوعي" انهم يصبون في "ابن الانسان"...!
عاش جبران غريباً عن دنياه! ظل طوال حياته، يفكر بوطن سحري لم يعرفه، ويحلم بأشباح ارض ما رأتها عيناه!!
غريب عن نفسه وجسده، جهل العالم لغة روحه لأنه نظم ما نثرته الحياة ونثر ما نظمته. فهيكل الكآبة والأوجاع هو اقدس هياكله. والحياة في نظره بيدر احزان تدرس عليه اغمار النفوس قبل ان تعطي غلتها.
ولكي يخلص جبران من ويلاته التي تدمي فؤاده، ركن الى الوحدة متسائلاً: "هل ستظهر على سطح الأرض بعد الاف الاعوام طائفة من البشر تحيا بالروح والحق وتأبى الركوع امام التقاليد، ذاك الصنم المخيف الذي اقامته الأجيال؟! كما انه يرى بأصحاب النبوغ اتعس الناس، ومهما تسامت أرواحهم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع. ويتساءل كيف يستطيع طاغية ان يحكم الأحرار المفتخرين ان لم يكن الطغيان اساساً لحريتهم والعار قاعدة لفخارهم؟

(*) من ثانوية اهمج الرسمية

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005