الجمعة 3 أيلول 2010

ص19

الإسلام في صورة المسلمين


هل تنقذ عودة كلينتون حملة كيري؟


ثلاثة أمور لا يمكن تجاهلها


عناصر الخطة المصرية


بيريس يتحدى الليكود



الإسلام في صورة المسلمين

المستقبل - الخميس 24 حزيران 2004 - العدد 1627 - رأي و فكر - صفحة 19


هاني فحص

هناك إسلام سهل جاهز لا يحتاج إلى إعمال فكر، يمتشقه إسلاميون في وجه التحديات بهدوء خادع لا يلبث أن يتحول إلى توتر عابث. وهو في الأساس يؤمن بالدعاية أكثر من إيمانه بالدعوة وبالشعار أكثر من إيمانه بالثقافة.
وهناك إسلام صعب ينظر بواقعية إلى المجتمعات المختلفة والحضارات المختلفة ويؤمن بالفعل والعلم والثقافة التي عليها الآن، كما في كل آن، أن تتعامل بعقلانية مع صعوبات عالم معقد متشابك، يقفز فيه الآخرون قفزاً في ميدان التقدم وامتلاك القدرات المختلفة بدءاً من المعرفة المنفتحة كقوة أساس لكل القوى وكحامية حقيقية لنصاب الايمان بالله واليوم الآخر.
هذا الإسلام الصعب يرفض الاكتفاء بما تمنحنا إياه الرابطة الإسلامية من شعور بالدفء الحضاري وبالذاتية، ويلزمنا في البحث والامتلاك لسر الغلبة الموجود الآن في الغرب تماماً كما كان حتى القرن الخامس الهجري موجوداً لدينا، الى أن استهلكناه على مدى القرون التالية.
من هنا هناك ضرورة ملحة بأن يكف بعضنا عن إعادة الكلام حول الإسلام حسب ما يقدمه الكسالى وأهل السهولة، كمانع أو عائق حضاري كما في مخيلة أهل التغريب أو في مخيلة دعاة الإنغلاق والجمود والانكفاء، في مقابل الذين يقفون على كلامهم عن الاستعمار كعائق مطلق، أي غير مشروط بالقابلية الحضارية وعدمها، والتي هي في المحصلة قابلية الاستعمار أو عدمها، كما تكلم المرحوم مالك بن بني. وليس هناك فكر في الدنيا ينفي أن الإسلام كان له الدور الأوفى والتأسيس في التاريخ العلمي والحضاري العالمي، خصوصاً وأن رحابته وترجيحه للعلم والمعرفة من أجل الحياة الدنيا والآخرة، قد جعلته يجتذب ويستوعب العقول العلمية في مختلف الحقول الى مشغله العلمي والثقافي والعمراني، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
ولم يكن ذلك ليحدث لولا أن الإسلام في داخله يمتلك دوافع وأسباب التقدم، ولكننا نحن، شرطه المادي والحركي، أعقناه بإعاقاتنا وانكفاءاتنا، عندما قررنا في لحظة سيئة أن نكف عن التحقيق الملائم للاستمرار والمراكمة حتى لنكاد نجد عذراً للذين يتحفظون على التفريق بين الإسلام والمسلمين، ولا يكتفون بذاكرتنا الحضارية وتمايزها العميق عن مشهدنا، للتصديق على الفرق بيننا وبين ديننا... هكذا أسأنا إلى هذا الدين عندما لم نحسن أن نحسن لأنفسنا، ولولا إصرار المؤمنين بحضارية هذا الدين، وإلحاحهم على تجديده والتجدد به على أساس أنه مؤهل حضاري، لعم اليأس من العودة الى المنبع كشرط للحضور ومن استشعار إمكانية الحضور وفاء للمنابع.
إن مخيلة تيار التغريب التي تستسهل التقليد الأعمى علاجاً للأعطاب البالغة في بنيتنا ومعرفتنا، فلا تضارعها ضرراً أو إعاقة إلا هواجس تيار الانغلاق بحجة أو داعي التحصن والتحصين والحفاظ على الذات.. ولا شفاء لنا من هذه وتلك، إلا بالاعتدال الذي يدلنا على العلم للوصول به ومعه الى حيث يقتضي ويدل ويصل، وعندئذٍ تتحول العلاقة بالآخر الغالب الآن وبشكل كاسح، من مسار الالتحاق الى مسار التكافؤ والمنافسة التي تتنامى بمجرد أن تبدأ طموحاً لتتحول اقتداراً ولو نسبياً... تماماً كما نمت الحضارات العظمى من ضعف في لحظات التحدي العميق، على أننا لا نبدأ من ضعف وإن كنا ضعفاء فإن مخزوننا يمتلك أسباب الحياة بالإحياء والإضافة على موجب العصر وتحدياته وأسئلته.
ويتحول الاستعمار اذن، بشكله القديم والحديث، من استحواذ يطفئ الرغبة بالفعل والوجود والتقدم، الى محرض من شأنه إذا ما تم استيعابه جيداً أن ينتج حوافز إضافية مؤثرة في التقدم غطاء ووتيرة وهدفاً.. هنا أشير إلى مثالنا الراهن في آسيان والسطو الأميركي على المعاني التي حملها بعد الانتباه الى مخاطره التنموية والثقافية على الاندفاع الأميركي الامبراطوري الذي يعمل على إعادة ارتهان مقدرات الشعوب ومصائرها ونوابضها ومشاعرها. لأن ذلك، أي الاستفزاز الأميركي ضد ماليزيا واندونيسيا وغيرهما، يؤكد أهمية المثال وطليعته وإمكانية نجاته واستمراره وتعاظمه وانتشاره بما هو مثال يمكن احتذاؤه في أمكنة كثيرة جداً أو حسب ظروفها وخصوصياتها ودرجة تحضرها.. لقد جاء المثال متأخراً، ولكنه جاء، فلا يجوز لنا أن نؤخر أو نتأخر عن الموعد الذي يبدو أنه قد يكون الموعد الأخير على هذا المفصل الحضاري الشائك.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات و مناطق | شباب | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005