اقتراح يقارن لبنان بالعراق وأفغانستان ويطيح مكتسبات ما بعد 13 تشرين الأول 1990
عون: حكومة انتقالية تخلف لحود وتمهّد للانتخابات النيابية فالرئاسية
لحود منحه وسام الأرز الوطني
وليّ عهد دبي يشيد بالتطوّر في لبنان
لحود يبحث الأوضاع العامة مع بري
عبيد يبدأ محادثاته في طهران
خاتمي: بلورة الشرق الأوسط الكبير ممكنة على أساس قيمنا ومصالحنا
يُقال
المستقبل - الخميس 24 حزيران 2004 - العدد 1627 - شؤون لبنانية - صفحة 2
فارس خشّان
العماد ميشال عون، على عادته، طائر يغرّد خارج سرب القوى السياسية اللبنانية.ففيما الجميع منكب على رصد اتجاه الريح التي ستقرّر مصير الاستحقاق الرئاسي أو منهمك بإثارة الإشكالات الناجمة عن إمكان تغليب خيار التمديد على الانتخاب، أو عاكف على "غربلة" الأسماء المؤهلة لترؤس البلاد، تجده في مكان آخر كلياً حيث يقدم ما يسمّيه حلاً للأزمة الراهنة.يقترح عون، وفق ما قال لـ"المستقبل"، تصوّراً من أربع نقاط وهي:أولاً: إنتهاء ولاية الرئيس اميل لحود في موعدها الدستوري، أي في 23 تشرين الثاني 2004.ثانياً: عدم السماح لمجلس النواب الحالي بانتخاب رئيس آخر للجمهورية بحيث يصار الى وضع البلاد في عهدة حكومة انتقالية محددة المدة.ثالثاً: تتولى هذه الحكومة الإشراف على انتخابات نيابية في مهلة أقصاها شهر آذار 2005.رابعاً: يعمد المجلس الجديد فوراً الى انتخابات رئيس جديد للجمهورية وتنبثق من إرادته حكومة قادرة على التصدي للأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية.إلا ان هذا الطرح الذي يقدمه عون يبدو، بالنظر للأوضاع السائدة في لبنان، منذ البدء بتنفيذ اتفاق الطائف، وهمياً.لا يوافق "جنرال المعارضة" على هذا التوصيف لاقتراح يخلف "جنرال الموالاة"، بل يُسارع الى وصفه بالأمثل سياسياً ودستورياً.كيف ذلك؟يقول: طالما انا اعترفت بالدستور، فإنني وخلافاً لما يُقال عني، ضدّ المس بالدستور لجهة التمديد أو التجديد للحود، حتى إذا كان هناك من يجادل بأنّ الدستور يحمل بذاته وسائل تعديله، فعلينا والحالة هذه ان نحترم المعايير الدولية في التعديلات الدستورية، بحيث يُمنع على مَنْ يعدّل الدستور ان يستفيد من ذلك شخصياً بل الهدف يكون تصحيح خلل تمّ التوافق على تشخيصه بحيث لا يقع من يأتي لاحقاً في مطبّ تدفع البلاد ثمناً له.يضيف عون: اللبنانيون متفقون على انّ الاستحقاق الرئاسي هو مناسبة، لإنجاز تغيير إيجابي يخرج وطنهم من مآزقه وأزماته، ولكنني شخصياً غير موافق على المنطق الذي يدّعي ان تغيير الشخص يمكن بذاته ان يغيّر الأحوال بل ثمة حاجة ملحة الى تغيير النهج بداية وإخراج لبنان من محور الخطر الاقتصادي لاحقاً. وهذا يستحيل ان يتحقق إلا بنظرة واقعية بشقين سياسي ودستوري.ويعرب عن اعتقاده ان كل المرشحين لرئاسة الجمهورية، مهما عظمت صفاتهم، سيفشلون إذا وصلوا الى الموقع الأول في لبنان، بسبب الأوضاع السائدة "وأذهب الى أبعد من ذلك، فإذا وصلت انا شخصياً الى الرئاسة سأفشل في ظل الشروط القائمة حالياً، فلا يضحكنّ علينا أحد بوضع البرامج الانتخابية، لأن بمقدور أي اختصاصي ان يضع عشرين برنامجاً لعشرين شخصاً. انني مقتنع بأن لا خلاص للبنان بالشروط الحالية".بيريسترويكاويروي عون قصة حصلت في الاتحاد السوفياتي السابق حين كان الرئيس ميخائيل غورباتشوف يسوّق للبريسترويكا فيقول: "جمعت القيادة السوفياتية في مرة من المرات مجموعة من الخبراء للتفكيربصوت عالٍ في السبل الممكن ان تضع البلاد على سكة التطوّر بعدما اعترف الجميع بالتقهقر المتزايد، وقد استدعي الى هذا الاجتماع أحد الأشخاص ممّن هربوا سابقاً من موسكو الى واشنطن. حين حضر، وكان المنظرون يقدمون بحماسة ما لديهم من اقتراحات، اكتفى بالتأمل في وجوه القياديين وجلهم كانوا في مراكزهم يوم ترك هو بلاده هرباً. طُلب منه ان يتكلّم، فلفت الى انه لن ينظّر كثيراً عليهم بل سيكتفي بسرد ما حصل في مؤسسة كانت تملكها شقيقته في إحدى الدول الأوروبية. وقال إن شقيقته هذه آلمها ان مؤسستها تُمنى بخسائر فادحة شهراً بعد شهر وتتدهور مداخيلها بطريقة مخيفة، وبعد طول تفكير وضعت يدها على الجرح، فبنات الهوى اللواتي يعملن في المؤسسة قد تقدمن بالعمر، فقررت فوراً تغييرهن بشابات حسناوات، فعادت أمورها الى ما كانت عليه سابقاً من الازدهار.وهنا اقترح هذا الاختصاصي المطمئن الى عودته من غربته القسرية على "القادة في تلك الجلسة حلاً بسيطاً قوامه ان يتركوا مناصبهم فتعود الأمور الى سكتها الطبيعية".ويرى عون، بالاستناد الى هذه الرواية السوفياتية، انّ خروج لبنان من أزماته يستدعي تغيّر رجالاته بطريقة دستورية، وهنا يجد الحل المقترح منه مكانه.ففي ذهن عون، أن المجلس النيابي الحالي قد انتهت ولايته الدستورية، وهو يعيش الآن فترة "اكسترا" ناجمة عن إطالة ولايته لثمانية أشهر خلافاً لأحكام الدستور، وبالتالي فلا يحق لهذا المجلس أن يأتي برئيس جديد للجمهورية بل هذه المهمة يجب أن تترك لمجلس نيابي "دستوري"، مما يسمح للجميع بالمشاركة في النظام وفي انتخاب الرئيس الجديد للبلاد.الرئيس والأميركيونوفي اعتقاده أنّ السعي الى اجتراح حلول للمشاكل خارج تصوره هذا هو ضرب من المستحيل، وحينها فانّ أي رئيس جديد للجمهورية سيُمنى كغيره بفشل، سواء جاء به الى منصبه الأميركيون أم السوريون، ولذلك فهو لن يترشح لرئاسة الجمهورية إلا متى عادت الجمهورية ولن يقوم قريباً بأي زيارة للولايات المتحدة الأميركية لأن لا شيء لديه يطرحه إلا هذا الاقتراح الذي يحتاج الى حدّ أدنى من القبول اللبناني، على الرغم من أن واشنطن ستلعب دوراً فاعلاً في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، فيما ستفكر سوريا كثيراً بالأسباب التي ستدعوها الى التصعيد أكثر في وجه الولايات المتحدة الأميركية بملف الاستحقاق الرئاسي، نافياً احتمال أن تُلهي الانتخابات الرئاسية الأميركية الإدارة هناك عن متابعة ملف لبنان، لأن هذا الملف لا يحتاج الى عناية الرئاسة بل يتولى متابعته موظف من الدرجة الثالثة في وزارة الخارجية. نقاش المستحيلأمام هذه المعطيات، هل يمكن أن يجد طرح عون تربة صالحة في أرض القوى السياسية اللبنانية؟لا يبدو ذلك ممكناً. فطرح عون وإن كان يحمل في "أسبابه الموجبة" الكثير من الاعتبارات سواء اعتباره الاستحقاق الرئاسي محطة تغييرية أم ربطه الإنقاذ بتغيير النهج وليس بتغيير الأشخاص ، فانه يخرج عن الواقعية السياسية اللبنانية للاعتبارات الآتية:أولاً: غياب أي شريك لبناني مستعدّ لدعم عون من أجل إعادة عقارب الساعة الى الوراء، وتحديداً الى عشية عملية 13 تشرين الأول 1990 التي أقصت "المتمرّد" عن القصر الجمهوري في بعبدا.ثانياً: إستحالة اعتبار النتائج التي تحققت مع انتهاء حقبة عون حتى اليوم، كأنها لم تكن.ثالثاً: عدم استعداد القوى التي أنتجها اتفاق الطائف أو ساهم بمعادلات تفيدها في تقوية حضورها السياسي والسلطوي للسير باقتراح يهدف الى إلغائها أو تحجيمها.رابعاً: إجماع الطبقة السياسية بمواليها ومعارضيها على رفض المساهمة في تمهيد الدرب أمام العماد عون لترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة، لاقتناع الجميع أنه يطالب بإرجاء الانتخابات الرئاسية الى ما بعد الانتخابات النيابية، بهدف تمكين تياره من خوض الانتخابات النيابية التي يعتقد أنه قادر على حصد نتائج مهمة فيها مما يؤهل عون للترشح للانتخابات الرئاسية بدعم نيابي هنا وإمكان دعم أميركي هناك.خامساً: ان طرح عون هو دعوة غير معقولة الى سوريا لاتخاذ قرار بإضعاف تأثيرها في لبنان، بشكل طوعي.سادساً: ان لبنان، على الرغم من كل المصاعب التي يمرّ بها، لا يحتاج باعتراف كثيرين في الداخل والخارج الى طروح جذرية كما لو كان في وضعية أفغانستان والعراق، لأن مؤسساته موجودة ودستوره متوافق عليه وقطاعاته الأساسية حيوية وديموقراطية تعاني شوائب، وبالتالي فالمطلوب لتجاوز محنه سلطة متناغمة وفاعلة وشرعية ومشروعة وتملك مؤهلات حماية الديموقراطية وصون المؤسسات والرضوخ للدستور كمرجع ملزم وليس كوسيلة إرشادية.