الاربعاء 10 شباط 2010

ص19ص18

"غداً سندخل المدينة" كتاب جديد من مذكرات ابراهيم سلامة

خيط هزيل بين تدوين الحدث الشخصي ورواية التاريخ


السريالي الألماني هانز بلمر في معرضٍ فرنسي بارز

أعمالٌ تفكك الأجساد والأشياء لبلوغ مضامينها الحقيقية



السريالي الألماني هانز بلمر في معرضٍ فرنسي بارز

أعمالٌ تفكك الأجساد والأشياء لبلوغ مضامينها الحقيقية

المستقبل - الثلاثاء 29 نيسان 2008 - العدد 2947 - ثقافة و فنون - صفحة 18


باريس ـ أنطوان جوكي

لم يمض عامان على معرض الفنان الألماني الكبير هانز بلمر في مركز بومبيدو، وها أن متحف "كركاسون" (جنوب غرب فرنسا) يستضيف عدداً كبيراً من رسومه ومحفوراته بهدف كشف مصادر فنه الغنية والمختلفة، وبالتالي تبديد تلك الصورة الخاطئة التي ما زالت تلاحقه إلى حد اليوم، كمجرّد رسّام مهووس بالجنس والمجون، والنابعة من قراءة سطحية وسريعة لأعماله تبقى ما دون مسعاه الفني والفلسفي العميق الذي تغنّى به شعراء ونقّاد بحجم أندريه بروتون وجورج باتاي وأندريه بيار دو مانديارغ.
وبالفعل، لم يتناول بلمر موضوع الجنس كمصدر للذة بقدر ما حاول من خلاله، وطوال حياته، إظهار الاختلاف العميق بين الجنسين (الرجل والمرأة) واستحالة اتحادهما حتى أثناء جماعهما المنتج للبشرية. وكأن ثمة وجهاً غير ثابت وتائه دوماً بينهما، وكأنهما يشكّلان بعناقهما حرفاً غامضاً يسبق جميع الحروف التي نعرفها، حرفٌ ـ نواةٌ يستحضر أصلنا أو قالبنا الأول ويعكس معرفةً أو حقيقةً سابقة فقدناها، حرفٌ نسعى خلفه بشكلٍ غير واعٍ ولا نراه إلا جزئياً.
وكما نعرف، يفرض المفقود عملية سردٍ تحاول استحضاره بشكلٍ أو بآخر. وفي هذا السياق، يُسقط بلمر داخل العالم الآخر، أو على حدوده، صوره التي تشكّل انعكاساً للوجه (أو الحرف، أو الجسد) الذي يريد كل واحد منا استرجاعه. إنها بالذات سيرورة الرؤية. أرسطو يقول في نصّه الشهير "شعرية": "جوهر اللغز هو في جمع حدَّين (أو عبارتين) متنافرَين". ويصلح هذا القول كركيزة لرؤى بلمر الذي سعى من خلال حمّى تعشيقه للأجساد البشرية المتنافرة إلى مساءلة سر شكلها الأول، الأمر الذي يقرّبه أيضاً من أسطورة "الخنثى"(androgyne) التي وضعها أفلاطون واعتبر فيها أن الرجل والمرأة شكّلا في السابق كائناً واحداً عاقبه الإله زويس بشطره إلى جزءين ما برح يبحث كل جزء عن الآخر الذي يكمّله، بدون فائدة، وأن الحب بالتالي ليس سوى بكاء تلك الوحدة الضائعة والمستحيلة.
ومنذ البداية، نظر الإنسان إلى الجنس كلغز مصدره، أو كسؤاله الأولي، وتخلل نظرته عيبٌ من عملية تناسله "الغريبة والحيوانية والبائسة" التي تؤمّن استمراريته. وهذا ما يشرح فضوله حول هذا الموضوع، فضولٌ مجبولٌ بالخوف لانعدام الأجوبة حوله. ومباشرة لدى وصوله إلى باريس، عام 1937، صرّح بلمر: "أعرف الجمال بواسطة الخوف"، وتقدّم على دانييل روبس وجورج غروز وأوتو ديكس وأندريه ماسون وجان فوتريي وألبرتو جياكوميتي في عملية تمثيله ومساءلته للرغبة الجنسية وللقلق الذي يواكبها، وفي بحثه الدؤوب عن أصداء تلك البداهة الأولية الضائعة، أي عن صورة طلسمانية للرغبة، صورة تشكّل ملجأ لها أو بديلاً عنها. وفي سعيه خلف ذلك الحرف المفقود الذي يتعذر العثور عليه، ابتكر لغةً تشكيلية يمكن أن يفهمها ويتكلمها جميع البشر، لكنها بقيت مخفية حتى قدومه، وتتألف مفرداتها المثيرة من تفكيكات جريئة وغير متناهية للأجساد البشرية والأشياء المرسومة، وبالتالي من سلسلة تفاصيلٍ وكلماتٍ وحالاتٍ لا رأس لها ولا عقب، تبدو وكأنها مستقاة مباشرة من حلمٍ أو كابوس.
عام 1936، كتب بروتون لبلمر رسالةً قال له فيها: "لا شيء أخطر من تلك الرؤية للعالم المفقود التي ندين لك بها". ولا مبالغة في هذا القول، إذ ستنتحر رفيقة دربه، الفنانة أونيكا زورن، بقفزها من نافذة شقّتها، عام 1970، بعد أن عبرت معه أشد حالات الكآبة والألم والخيبة والإدمان (كحول، أفيون، كوكايين)، واختبرت ذلك "الانحراف المُمرِض" الذي كان يُشكّل مصدر إغرائه الوحيد ويدفعه، مثل الماركيز دو ساد، إلى عدم احترام شيءٍ آخر باستثناء المبادئ التي تقود إلى الخلل، ونقصد بذلك سعيه الثابت إلى تحديد إمكانيات الدمج والتفكيك المتعذر إحصاؤها التي تلجأ الرغبة إليها لصياغة صورة المرأة المرغوبة (أو الرجل المرعوب)، ولكن أيضاً دعوة الجسد له إلى تفكيكه من أجل إعادة تشكيل مضامينه الحقيقية بواسطة سلسلة جناسات تصحيفية (anagrammes) صورية مذهلة.
ولأن الانحراف بمعناه العام هو الخروج عن الوجهة أو الطريق أو الطبيعة أو القواعد المحددة سلفاً، طبّق بلمر هذا "البرنامج" في مختلف جوانب حياته، فسجّل قطيعة مع والده عام 1924، ومع عائلته عام 1933، ومع وطنه عام 1937، ومع كل ماضيه بشكلٍ عام، فتقدّم بذلك على جميع رفاقه السرّياليين ومعاصريه، حتى لا نكاد نجد لراديكاليته الشاملة معادلاً إلا لدى الشاعر هنري ميشو الذي تنقّل مثله أيضاً من فندقٍ إلى آخر، وبحقيبةٍ جاهزة دوماً للرحيل.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال
 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | ثقافة و فنون | رياضة | رأي و فكر | أهْوَاء | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005