أسئلة "المصالحات" وطاولة الحوار... المستقبل - السبت 1 تشرين الثاني 2008 - العدد 3123 - الصفحة الأولى - صفحة 1
بول شاوول قلنا في مناسبات عدة ان المصالحات لا تقوم فعلاً، وإن بمستويات نسبية أو محدودة، إلا إذا اكتسبت معاني سياسية، أو على الأقل، إذا كانت محاولة لتحوير طبيعة التعامل بين المتصارعين. هذا التحوير لا يمكن ان يتخذ مسلكاً ذا جدوى (وإن موقتاً) إلا إذا وضع الصراع في جغرافيته الأصلية، أي الصراع السياسي بين جماعتي 8 آذار و14 آذار، أو بين الأقلية الانتخابية والشعبية والبرلمانية وبين الأكثرية. وعندما نحاول تحديد أُطر الصراع بالسياسة، فيعني أن تتم المواجهات "الطائفية" أو "المذهبية" أو الفكرية ضمن سقوف الديموقراطية، وأدواتها، وتعابيرها، وضمن وسائل المجتمع المدني ومتطلباته، وكذلك ضمن تحويل التوترات المختلفة، من اجتماعية وسواها، الى "توترات" تنفرد مساحاتها على سلم اجتماعي أو أهلي. بحيث يكون للأطراف أن تعزز هذا السلم بممارساتها، لا أن تهدده، وأن ترسخ حضور الدولة لا أن تخرّب بنيانها، وأن تثمر تعدداً وتنوعاً، لا أحادية بسِحَنٍ مُلَوَّنة. والأهم من ذلك، ألا تكون المصالحات بمظاهرها البرّاقة، وبنيّاتها المعلنة، مجرّد فصل من فصول استيعاب الديموقراطية، أو استلاب الحرية، أو تمويه القضايا الأساسية التي تنبثق عنهما، باعتبارهما الفضاءين اللذين يتحرّك فيهما كل نشاط أو ممارسة أو تفكير... أو صراع! ونظن ان المصالحات الراهنة قد تكون ممهدات لطاولة الحوار، المزمع عقدها (إذا صدقت الوعود والمواعيد)، ونزع الألغام والكمائن عن طرقها، لتسلك مرنةً، وسلسةً وآمنة. هذا ما يحكى. وهذا ما سوف ننتظره إلا، إذا كان كل ما يجري، خصوصاً بعد تداعيات 7 أيار وسوابقه المعروفة، ومقدماته الانقلابية، وملاحقه الطغيانية، وظواهره "الاستعلائية"، مجرّد حلقة من حلقات سبق أن شاهدنا وخبرنا وذقنا على امتداد العقود الثلاثة الفائتة وأكثر (أي منذ 1969)، حيث كانت الوصايات المتعاقبة تركز حضورها وسطوتها وسطوها على تحويل الصراعات كلها الى طرق مسدودة، والى نزاعات "إلهية"، والى انقطاعات "وطنية" بين الأطراف، والى منصات مركبة جديدة من العنف والحروب والقطيعة، مما غيب ما يُسمى "الحياة السياسية"... مديداً ومديداً. وهكذا كان لكل مصالحة، في تلك المراحل المتعاقبة بتعاقب الوصايات وتناقضاتها وتداخلها لبنانياً وعربياً ودولياً... واسرائيلياً، ان تكون "مناسبة" لقطع الوشائج، تحت شعار ان الصراع في لبنان هو لبناني، وان اللبنانيين بطبيعتهم "الطائفية" و"بربريتهم" وشغفهم بالحروب، وبالانتقام، وبالقسمة، لا يمكن أن يقيموا وحدهم حواراً، ولو في حده السياسي الأدنى. إذاً، فلتكن كلُّ مصالحة مستحيلة إلا ضمن ما يخدم "العداء" وتالياً ما يخدم ترسخ هذه الوصاية أو تلك. حتى المؤتمرات التي تمت قبل الطائف، بين "المتصارعين" كانت مناسبات لفسخ ما قد يكون تواصَلّ بين اللبنانيين. وكلنا يعرف ان ما من احتلال يبقى، أو وصاية تتجذََّر، أو نفوذ خارجي يمتد إلا عبر تعميق التناقضات بين الشعب الواحد: وعندنا الطائفية مكمن الضعف، إذن فليكن التعميق طائفياً (هذا ما فعله الاستعمار العثماني والفرنسي ومن ثم اسرائيل وبعض الأنظمة العربية التي جربت ألا تختلف عن الاستعمار بنظرته وكانت بحمد "العروبة" و"الصمود والتصدي" أسوأ). إذاً فليكن الصراع طائفياً (هكذا تقول الوصايات)، لا سياسياً ولا فكرياً ولا ثقافياً ولا حتى ايديولوجياً. فلتحلَّ الطائفة محل الفكرة، وليحلَّ تعددها (الأحادي) محل التعدد السياسي، وليكن ثمة "آلهة" وأحزاب... توزع بالتراضي أو بالتناوب من جيل الى جيل بين الطوائف، بحيث تُنجب كل طائفة قائدها الأوحد و"إلهها" الصغير المنفوخ، مما جعل كل الفترة الممتدة من السبعينات وحتى اليوم، وبشكل متواتر، فترة صراع بين "أحزاب الالهة" وصولاً الى حزب الله... اليوم، وبحيث تكرّس كل حرب تعلنها طائفة زعيَمها المُفَدَّى كمنقذ لها... أوحد بلا نظير، ولا مثيل... كأنه كان زمن "تقديس" الصغار في موضع "الآلهة". واللافت ان كل حزب من "أحزاب الله" على امتداد الطوائف والمذاهب والحروب: كان يبني قدسيته إما بحروب يورّط بها "مجتمعه" أو بالمجازر، أو بالتهجير... أو بالقتل أو بالترهيب تنفيذاً لإرادة خارجية في وجه إرادة خارجية أخرى: يعني ان كل قائد "إلهي" (في أحد أحزاب الله السابقة حتى اليوم) لم يكن أكثر من وكيل صغير عند هذا النظام او ذاك: تأمل زعماء بحجم "الآلهة" (!) والأبطال عند طوائفهم هم مجرّد خدام صغار عند المخابرات. فيا للمفارقة! كل هذا يعني ان استنبات الوصايات العربية (خصوصاً الثورية لا الثوروية: انتبهوا الى اللغة جيداً والتنسيب) وغير العربية، لكتل تاريخية، مستقلة عن بعضها (على أرض واحدة)، وعلى بنى طائفية أو مذهبية موحدة وعن بعضها، أو لشبه كانتونية غير معلنة... إضافة الى ظواهر القمع والترهيب والاغتيال والتهجير والمجازر التي ارتكبتها الميليشيات أو ارتكبتها الوصايات عبر هذه الميليشيات، لتكون الوصمة لبنانية، أدت الى إلغاء أي مصالحة تقوم على أرضية سياسية، والى إعدام أي حوار حرّ بين الأطراف، والى نسف الحياة السياسية برمتها في لبنان في تعابيرها المدنية، والدستورية، والقانونية، والسياسية، والشعبية، أي إلغاء الدولة كلها لمصلحة الدويلات (بقيت عندنا دويلة رعاها الله بقدرته وان "الله" على كل شيء قدير!)، وصار للوصايات وحدها ان تحل محل السلطات الدستورية: صارت الوصاية هي البرلمان كله: وكل نشاط برلماني هي تحدده!. وصارت الوصاية هي الحكومة تعيّنها وتؤلفها أو تقيلها أو تستخدمها أو تسخرها لمصالحها. وصارت هي الاقتصاد. والثقافة. والمصارف. والبنوك. والمشاريع. صارت الوصاية هي دولة اللادولة، فكان يمكن إطلاق تسمية جديدة على لبنان آنئذ "جمهورية الوصاية العربية" أو "جمهورية الوصاية الأعجمية": الجمهورية هي الوصاية، والوصاية هي الجمهورية، يعني ان رئيس الجمهورية يجب أن يكون أيضاً ممثلاً لرئيس جمهورية الوصاية. أو ظلاً له. أو أداة في يده (وهذا ما جسّده "بطل المقاومة" و"بطل التحرير"... إميل لحود). اليوم، نعود الى المصالحات. وقد تمَّ بعضها "بأرواح" إيجابية عالية جداً. وكذلك طاولة الحوار بنيّات بيضٍ كثلوج كلمنجارو وصنين والألب. عال! ولكن المصالحة لكي تكون فاعلة، والحوار ليكون حواراً، واللقاءات لكي تكون لقاءات، يجب أن تقوم على أقانيم ثابتة: الديموقراطية (كما سبق أن قلنا)، والسيادة، والاستقلال... وتحديد كل ما يمت الى السيادة والاستقلال، من حرية، وحدود مرسومة, ودولة ممسكة بالبلد، فوق المتحاورين، والمصالحين والمصافحين والمتباوسين والمتعانقين. على هذا الأساس قد يساور بعض اللبنانيين برغم اطمئنانهم الآني الى ما تم من مصالحات. نوعٌ من القلق من أن تكون الجهة الخلفية لهذه المصالحات هي الجهة الخلفية ذاتها التي ظهرت بعد طاولة الحوار الأول: حرب تموز وما تلاها من حروب وانتهاكات وجنون، وتعطيل البرلمان ومحاصرة الحكومة وتخوين اكثرية الشعب اللبناني... واذا كانت الحروب الكبرى كحرب تموز "مستبعدة" ربما حالياً لظروف معروفة، فإن الجهة المعتمة من المصالحات (ومن ثم الحوار) يخشى ان تكون على حساب مقومات البلد. او على حساب الحياة السياسية نفسها، ونحن على ابواب الانتخابات الجديدة، او بروفه جديدة لمحاولة فرض اساليب عنيفة لترويع الناخب الأكثري للسيطرة على البلد سيطرة شرعية باسلوب غير شرعي، فتحقق الانقلابية التي سعوا اليها عبثاً على امتداد السنوات الثلاث الفائتة. او ان تكون على حساب التعددية نفسها التي تتسم بها الأكثرية، بحيث تؤلف تحالفات استنسابية هنا وهناك (بين بعض الأكثرية والأقلية) هدفها تحقيق سياسة عزل ضد بعض الأطراف لا سيما القوات اللبنانية، لمصلحة وكيل الوصايتين ميشال عون، الذي يحاول وبكل الطرق الديماغوجية والشعبوية ان ينفذ عبر حليفيه (السوري – الايراني وخصوصاً الأخير) قسمة بين "خصومه" اي القوات اللبنانية ليذكر بحرب الالغاء التي يستعيدها هذه المرة من خلال الدعم الايراني وغير الايراني، تماماً كما فعل في نهاية الثمانينات عندما استعان بسلاح ومال ودعم صدام حسين لمحاربة السوريين في معركة التحرير المزعومة واستعان بسلاح ودعم السوريين لمحاربة القوات اللبنانية في حرب الالغاء وتماماً كما كان في عداد الذين انخرظوا في الاستعانة باسرائيل لتسهيل غزوها لبنان.. والسيطرة على السلطة! فالتاريخ عن هذا الرجل كأنه واحد وانما بظلال متعددة! واذا كان الأمر كذلك، فلا يستبعد ان تقتصر هذه المصالحات على "الأمن" اليومي، لتعوض وبطرق تمويهية (او سافرة)، عن الضغوط الأمنية بتعزيز الاسلحة خارج سلطة الدولة، والبؤر "الامنية" خارج المخيمات، وفي بعض الضواحي "الكانتونية" الصافية بمعنى آخر ان تكون المصالحات، ومن ثم لقاءات الحوار طبخة بحص تتبلبل فيها الآراء وتتمازج فيها التمويهات وتنصب عبرها الكمائن وتتمازج لادامة انتقاص سيادة الدولة، اما باستبقاء قرارات الحرب والسلم في ايدٍ حزبية مرتهنة للخارج، او باستمرار فتح الحدود الشمالية لتدفق السلاح وتوزيعها او عبر "تصدير" ارهاب سلفي شقيق مستعار، ليوهم لبنان بالارهاب ويبرر هذا الانتشار العميم للجيش الشقيق على الحدود الشمالية والشرقية (لا في الجولان فهناك منطقة محرمة فيها الحروب والصراعات) ويشرع الى الابد سلاح حزب الله "من الأبد الى الأبد" بعد "نهاية التاريخ الحديث وبداية تاريخ آخر"تيمناً بمأثورات المفكر السياسي الكبير "سارتر لبنان" اقصد الجنرال ميشال سارتر عون الذي نطق بأن سلاح حزب الله سيبقى حتى انتهاء الصراع العربي – الاسرائيلي او ربما حتى "انتهاء صراع الحضارات" كما صرح بعضهم الآخر من ذوي "الأفكار" "التنويرية". ونظن، في هذا المجال، وكما علمتنا تجارب الوصايات المتعاقبة والمتدفقة لانقاذ لبنان"، ان لا هذه المصالحات ولا طاولة الحوار، ولا مآدب التلاقي ولا كرنفالات المعانقة، قد تغير شيئاً ملموساً يذكر لما يجري، وما سبق ان جرى اذا كانت هذه المحاولة شبيهة بم حصل امس. قد يطفو شيء من الهدوء على السطوح، او شيء من الاطمئنان او شيء من تأجيل "الانقلابات التي ارتكبتها الأقلية.. لكن ستستمر الوصايتان بتحفير اركان الدولة، ونبشها وقضمها ومحاولة استيعابها. وتستمر سياسة المصالحات الاستنسابية تحت شعار استعادة "عزل" بعض الفئات كالقوات اللبنانية لصالح جنرال الخراب ميشال عون، وستستمر الضغوط السورية على الحدود وعرقلة الشاحنات ورفعها لتطويق الاقتصاد اللبناني وتستمر الحشود السوريةعلى الحدود اللبنانية وكأنها "ترسيم" من نوع آخر للحدود او كأنها "تقديم اوراق اعتماد ديبلوماسية" (حدودية عسكرية) بينها وبين لبنان او كأنها تهيئ صناديق الاقتراع ليقترع "الجيش" الاخوي بدلاً من اللبنانيين في الانتخابات المقبلة! والطريف ان بعد كل عدوان على سوريا من قبل اسرائيل او اميركا.. يعزز النظام السوري انتشاره عن الحدود اللبنانية وكأنها الحدود الأميركية او الاسرائيلية كتعويض عن الرد على الاعتداءات الاميركية او الاسرائيلية (وان التبست مقاصد بعضها). ضمن هذه الأطر وفوق المصالحات او عبرها او تحتها وفوق طاولة الحوار او عبرها او تحتها، قد تكون المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الانتخابات مزدهرة من حيث "تنظيم" مخططات الانقلاب "الشرعي" هذه المرة او من حيث تفكيك 14 آذار او من حيث عزل بعض القوى المسيحية او من حيث تعطيل الفعل المسيحي من خلال منع التلاقي (هذا ما كان يتم ايام الوصاية وبالواجهات المحلية نفسها: فرنجية او عمر كرامي.. او سواهما! فيا لبهجة هذه الوجوه الوطنية العامرة!) او من حيث التهويل "بمعارك" تواكب الانتخابات لتهريب الناخبين، او من حيث اللجوء الى بعض اشكال "العنف الموضعي" الخاص ببعض المناطق... لتجديد صورة "الارهاب" السلفي (الآتي من لدن الشقيقتين!) ونسبة كل ما يرتكبه الى "الارهاب" الطالع من الشمال اليوم، ومن يدري من اين غداً! (انتظروا المخيمات ربما). على هذا الاساس وعملاً بمبدأ قبول الممكن، لا يمكن الا ان نوافي وننتظر هذه "المصالحات" وصولاً الى طاولة حوار (وان بابلية!) فلعل، وعسى وخيراً... ان تجترح "معجزات "بشرية او حتى الهية.. تحول كل هذه المخاوف.. والوساوس والهواجس الى اطمئنان وانتظارات لمرحلة جديدة! ... وقولوا انشاء الله! بول شاوول
|