الانتخابات في العراق المستقبل - السبت 31 كانون الثاني 2004 - العدد 1512 - رأي و فكر - صفحة 19
دليب هيرو قال الرئيس بوش كلمته بعد الإمساك بصدام إن القبض على صدام حسين "مهم جداً في صعود العراق الحر"، وبذلك نسي الرئيس الحكمة القديمة القائلة بضرورة الحذر في التفرقة بين الوقائع، والأمور التي يرغبها المرء. وبعد ستة أسابيع على واقعة الأسر تلك، صدمت الإدارة الأميركية بآثار ذلك على الطائفة الشيعية بالعراق، والتي تشكل نسبة 60 في المئة من الشعب العراقي. هكذا زال القلق الشيعي من إمكان عودة صدام، ولذلك تصاعد الصوت الصارخ على لسان آية الله السيستاني، والذي يقول: لا لا لصدام، ولا لا للأميركيين في مستقبل العراق. ويبدو أن فريق الرئيس بوش لا يستطيع أن يستسيغ واقع سيطرة الشيعة بالديموقراطية على البلاد التي تحتلها أميركا الآن، كما لا يستسيغ إمكان تطوير أولئك روابط قوية مع إيران. وهكذا فإن بوش ورجله في بغداد، لا حيلة لهما غير مراقبة صعود السيستاني الآن ـ وهو رجل معتزل ما كان له موقع في سياسات العراق ـ ليكون الخميني الثاني بالعراق، بعد الخميني الأول بإيران. والأكثر إزعاجاً لإدارة بوش، أنها وهي التي لم يبق لها عذر في غزو العراق غير إقامة الديموقراطية فيه، أنها هي التي تعارض إجراء انتخابات مباشرة لاختيار هيئة وطنية مؤقتة. يعطي الأميركيون وأنصارهم في مجلس الحكم الانتقالي المعين، عدة أسباب لمعارضة الانتخابات المباشرة السريعة: قوائم الناخبين ليست جاهزة، والأحزاب السياسية ما استعادت عافيتها بعد، والحالة الأمنية ليست ملائمة للحملات الانتخابية. لكن لو تأملنا هذه التعليلات جيداً لتناثرت ولم تثبت أمام النقد. فبالنسبة لقوائم الناخبين غير الموجودة، هناك قسائم التغذية الموزّعة على سائر العراقيين منذ العام 1991، والتي يمكن استخدامها أساساً لتنظيم لوائح بالناخبين والعمل بها في مراكز الاقتراع. ويقول بريمر وبعض أعضاء مجلس الحكم إن تلك القوائم ستظلم الذين عادوا بعد سقوط صدام لأنهم ليسوا فيها فلا يستطيعون الاقتراع. والواقع أن العائدين لا يتجاوز عددهم ربع المليون، وهؤلاء يستطيعون الحصول على إثباتات من البلدان التي أتوا منها، فيعترف لهم المشرفون على الانتخابات بحق الاقتراع. وهناك بعض العراقيين الذين ما سجلهم النظام السابق، بسبب غياب أحد أفراد العائلة. لكن في العراق نظاماً للتعداد يقتضي تسجيل كل أفراد الأسرة على بطاقات المدارس عندما يدخل أحد الأطفال مدارس الأطفال لبدء التعليم وبذلك يحضر هؤلاء في تلك البطاقات، إذا غابوا عن قسائم التغذية. والملاحظ في هذا الصدد، أن الإيرانيين أمكن لهم إجراء استفتاء حول الدولة والجمهورية بعد سقوط الشاه بشهرين، استناداً الى بطاقات الهوية التي كانت موجودة في عهد الشاه. أما الأحزاب السياسية، فإن ايران تعرض نموذجاً آخر. ففي آب عام 1979 نظمت إيران انتخابات لمجلس الخبراء. وقد ترشحت الكثرة الساحقة بشكل فردي، وأمكن لها أن تخوض حملات للدعاية والإعلان. ويقول بعض المشككين إن العراق لا يملك تقاليد انتخابية حقيقية. لكن الواقع أن البلاد خاضت خمسة انتخابات لمجلسها الوطني (البرلمان) بين 1980 و2000. ومع أن كل المرشحين كان لا بد أن يحصلوا على موافقة من النظام، لكن الناخب كان يملك أن يختار بين البعثيين وغيرهم (وكان نصيب البعثيين بين 142 و183 من أصل أربعمائة). وما أريد الوصول اليه هنا أن الناخبين كان من حقهم التصرف ببعض الحرية. وقد يكون التعليل الأكثر إقناعاً، أن الموقف الأمني ليس جيداً. لكن لا يمكن حرمان الشعب من حقه في الانتخاب والمشاركة في صنع مستقبله، لهذا السبب فقط. في شهر أيار عام 1992 أجرت الأحزاب الكردية انتخابات في منطقة "حظر الطيران"، وما كانت الحالة الأمنية هناك جيدة. ومن طريق تلك الانتخابات أمكن للحزب الديموقراطي، والحزب الوطني، الحصول على مشروعيتهما، التي يؤسسان سلطتهما عليها حتى هذا اليوم. والأمر نفسه يمكن قوله عن الحالة الأمنية في إيران بعد الثورة. فقد ذاب الجيش الإيراني الشاهنشاهي والذي بلغ عدده 440 ألف عسكري، وكان الوضع الأمني سيئاً، وكثرت الاغتيالات، وبين المغتالين آيات الله، ورئيس أركان الجيش. وقد طرد الثوريون الإيرانيون ألوفاً من بيروقراطية الدولة والجيش. ورفضت الميليشيات اليسارية والإسلامية تسليم أسلحتها. ومع ذلك فقد جرت انتخابات خلال ستة أشهر بعد انتصار الثورة. فيستطيع بوش وبريمر اللذان يحملان راية الديموقراطية، أن يقلدا آيات الله في إجراء الانتخابات! وعندي اقتراح لإجراء الانتخابات: تقسيم العملية على يومين، في اليوم الأول تجري الانتخابات في المناطق الكردية والشيعية التي يغلب فيها انضباط الأمن. ثم تتحرك القوات الأميركية والعراقية الى المناطق السنية المضطربة لإجراء الانتخابات فيها بعد يوم أو يومين، والهند نفسها تجري انتخاباتها العامة بهذه الطريقة، أي أنها تجري الاقتراع في كشمير والمناطق المضطربة بعد يومين عندما تكون قوات الأمن قد تمركزت فيها بكثافة. على أن الذي يبدو ـ للأسف ـ أن واشنطن أخذت بالخطة التي اقترحها عدنان الباجه جي الذي يترأس مجلس الحكم لهذا الشهر. فقد اقترح الرجل زيادة عدد أعضاء مجلس الحكم الى 75 أو 100 (بدلاً من 25، أي العدد الحالي)، بحيث يتسلم المجلس المزاد السلطة بعد 30 حزيران. أما الانتخابات المباشرة فتتأخر حسب هذه الخطة الى نهاية العام. والواقع أن هذه الخطة ضارة. إذ لا يملك مجلس الحكم أي صدقية أخلاقية، بعد أن وظف أعضاؤه أقاربهم ومحازبيهم في مئات المواقع، الى الدرجة التي سمّى فيها المواطنون هذا المجلس المعيّن "مجلس الأقارب والأعوان". وإذا ظل هذا المجلس المزاد وتحول الى حكومة موقتة فسيصدق عليه استنتاج الشيخ عبد المهدي الكربلائي أحد أعوان السيستاني أن الولايات المتحدة لديها خطط استعمارية شيطانية لتسخير الإدارة العراقية القادمة لخدمة مصالحها. لماذا تعارض الولايات المتحدة إذن إجراء الانتخابات المباشرة؟ ربما كانت أكثر الإجابات صراحة قول نوح فيلدمان، مستشار سلطة التحالف للشؤون الدستورية والقانونية في حديث مع صحيفة نيويورك تايمز: إذا تحركنا بسرعة، فإن الأشخاص الغلط سيجري انتخابهم! والواقع أن استطلاع رأي أجراه مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في شهر تشرين الأول، وجد أن 56 في المئة من المستفتين يريد جمهورية إسلامية بالعراق! وتنوي الأمم المتحدة إرسال فريق من خبراء الانتخابات الى العراق، للنظر في إمكان إجراء الانتخابات قبل 30 حزيران/يونيو. وأرى أنه يكون على هذا الفريق أن يصل ليس إلى أن الانتخابات ممكنة فقط، بل ضرورية أيضاً. والأمل أن تقتنع إدارة بوش بذلك أيضاً. وإن لم يحصل ذلك فسوف نبقى في تناقض لا فكاك منه: الرئيس بوش يؤكد أنه حرر الـ 25 مليون عراقي من الطغيان، لكنه ينكر عليهم حقهم في تقرير المصير. (المقالة منشورة في "النيويورك تايمز" في 28/1/2004. ودليب هيرو هو مؤلف: "أسرار وأكاذيب: عملية تحرير العراق وما بعد"، وكتاب: "إيران في ظل حكم آيات الله".
|