فوائد طبية وبيئية للوجبة الصباحية الأكثر شعبية تدجين "الصعتر" بداية ناجحة لزراعات بديلة المستقبل - الاثنين 22 تشرين الثاني 2004 - العدد 22 - بيئة - صفحة 5
|
|
|
نبيل أبو غانم تعتبر بيئة لبنان غنية في تنوعها، ويمكن اعتبارها عدة بيئات نظرا للاختلاف المناخي بين المناطق، وهذا التميز يظهر في غنى الأنواع النباتية وخصوصا البرية منها، والتي تضم نباتات غذائية ورحيقية وطبية وتزينية. ويميل اللبنانيون في الأرياف كما في المدن الى استعمال هذه النباتات، وخصوصا "الغذائية والطبية منها فيقصدون البراري والغابات لجمع "المونة" السنوية منها كالصعتر والسماق والبابونج وغيرها، او لتحضير اطباق مأكولات موسمية من النباتات ذات القيمة الغذائية العالية، كما يعتقدون، وكما تؤكد الحقائق العلمية، كالعكوب والقرص عني والهليون والحميضة والهندباء البرية والكرات والنعناع البري والخبيزة والشمرة وغيرها. ونظراً للاقبال الشعبي على هذه الأنواع، يخشى الباحثون على استدامتها وعلى قدرة البراري والغابات على تأمين الحاجات المتزايدة لهذه الأنواع، الامر الذي شجعهم على اجراء الدراسات والقيام بالاختبارات اللازمة، للبحث في امكانية نقل هذه النباتات من الغاب الى الحقل و "تدجين" الانواع المطلوبة. ونظرا للطلب المتنامي على "الصعتر البري" وخصوصا على البلدي المعروف باسم الزوباع"، ذلك ان لبنان يستهلك حوالي 1500 طنا منه، ويصدر 500 طنا اخرى في السنة، اجرت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في الفنار، تجارب لاستنبات الصعتر على انواعه بدءا من العام 1997، باشراف الباحث في المصلحة الدكتور ميشال ابي انطون المتخصص بالمحاصيل الحقلية، ومشاركة المهندسة الزراعية هناء شهاب الدين، وبينت اخر الدراسات انه بالامكان تفريخ بذور الصعتر في اي وقت، كما انه يمكن تأسيس مشاتل للاكثار، ويصل مردود الدونم الواحد الى حوالي 2000 دولار اميركي ما يرشح الصعتر لان يكون من الزراعات المكثفة والبديلة ذات المردود الاقتصادي المرتفع نظرا، لتدني كلفة الانتاج وندرة المشاكل الزراعية التي يتعرض لها النوع. "المستقبل" التقت الباحث ابي انطون والمهندسة شهاب الدين، وحاورتهما حول بدايات المشروع واهداف التدجين ونتائج الأبحاث والجدوى.
يقول ابي انطون ان فكرة تدجين النباتات البرية، انطلقت من مبدأ الاستفادة المستدامة من موارد الغابة المتجددة، وبالتالي من الحرص على المحافظة على قدرة الغابة على تجديد هذه الموارد، وتأمين الطلب المتزايد على النباتات الغذائية والطبية والرحيقية واعطيت الاولوية للصعتر نظراً للطلب السنوي الكبير على هذا النبات البري المتعدد الاستعمالات الامر الذي يعرضه للجني الجائر. ويضيف انه اقترح عام 1997 على الطالبة كريستيان اسمر اجراء دراسة عن تدجين الصعتر لنيل شهادة الدراسات العليا، وقد انجزتها باشرافه وتناولت فيها مناطق لبنانية ثلاثة هي عنايا، قرطاضة والمشرف. ويؤكد ابي انطون ان دراسة اسمر شكلت منطلقا لابحاث قامت بها مصلحة الابحاث العلمية الزراعية، حيث اجريت اختبارات لاستنبات الصعتر منذ اربع سنوات شملت اصنافاً عدة معروفة من هذا النوع النباتي وتكللت بالنجاح. ويلفت الى ان الدافع الاساسي للاهتمام باستنبات الصعتر ونقله من الغابة الى الحقل، هو ان اللبنانيين يستعملون الصعتر البلدي المعروف باسم الزوباع، اكثر من استعمالهم لأية نبتة عطرية اور رحيقية او غذائية برية اخرى. اهداف التدجين ويرى الباحث الزراعي ان تدجين الصعتر البلدي البري يمكن ان يشكل "زراعة بديلة" مناسبة، اضافة الى انه من "الزراعات المكثفة" أي تلك التي يمكن ان تنتج كميات كبيرة من مساحات صغيرة، وبالتالي فهي مناسبة للبنان حيث تتدنى المساحات الزراعية، مشيراً الى ان للصعتر استعمالات كثيرة ويحظى بامكانات تسويق سهل محلي ودولي نظراً للطلب الكبير عليه ما يعطيه قيمة اقتصادية عالية. ويركز على الأهداف البيئية للتدجين فيقول: ان نجاح نقل النوع الى الحقل يؤدي الى تخفيف الاقبال والضغط الشديدين على الصعتر البري ويحافظ على موارد الغابة ويؤمن امكان تجددها، ويضيف: ان الأبحاث بينت فوائد بيئية اخرى للصعتر في مجال المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية، وفي مجال مكافحة مرض الفروا (Varroa) الذي يصيب النحل. انتشار واستعمالات وعن انتشار واستعمالات الصعتر تؤكد شهاب الدين، ان الدراسة تظهر انتشار الصعتر البري في بلدان عدة من حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو متعدد الأنواع والاستعمالات، ومن اصنافه ذات القيمة الاقتصادية في العالم الصنف المعروف باسم (origanum onites) المنتشر في تركيا والمستعمل لأغراض طبية، أما في اوروبا فينتشر صعتر يحمل اسم (origanum vulgare) المستعمل في التوابل وفي انتاج مشروبات طبية. ويلفت أبي انطون الى ان المكسيكيين يستعملون الصعتر المعروف باسم (Lipea Graveolens) كنبتة غذائية، أما في لبنان فإن اهم الأصناف هي الصعتر الرفيع او صعتر "الدقه" ويعرف باسم (Thymbra Spicata) ويستعمل كغذاء، أما الصنف الاقتصادي الثاني والأهم فهو الزوباع (Origanum Syriacum) الذي يستعمله اللبنانيون للمونة وفي "المنقوشة". وتحصي الدراسة اصنافاً اخرى في لبنان منها "الزويبعة" (Origanum ehrenbergii) المستعملة ايضاً للمونة والمنقوشة والأخضر المزروع في الحقول الزراعية (Saturia hortensis) الذي يؤكل نيئاً ويضاف الى "السلطة". ويلاحظ الباحثان ان الطلب على "الزوباع" هو الأكبر في لبنان، حيث يضاف اليه "السماق" و"السمسم" ويتفنن اللبنانيون بإضافة مواد أخرى اليه منها الكعك و"القضامة" وهو الوجبة الصباحية الأكثر شهرة وتسويقاً من خلال "المنقوشة" و"الكرواسان" علماً ان ربات البيوت يستعملنه طازجاً ويضفنه الى انواع "السلطة" و"الكبيس" و"البيتزا". زيت الصعتر ورداً على سؤال حول نتائج الاختبارات التي اجرتها مصلحة الأبحاث على انواع الصعتر البري في لبنان، قال ابي انطون انه تم استخراج الزيت من انواع الصعتر المحلي باعتماد التقطير المائي المستديم، وبينت النتائج ان "الزوباع" يحتوي على زيوت خفيفة عدة منها التيمول (Thymol) والكارفاكرول (Carvacrol) والتربينين (Terpenene)، وقد تبين ان لهذه الزيوت فعالية كبرى كمضادات حيوية لعدد كبير من البكتيريا والفطريات، الأمر الذي يؤكد صحة الاستعمال الشعبي للصعتر لأغراض طبية في اكثر من مكان في العالم. ويضيف ان نسبة الزيوت في "الزوباع" تختلف من منطقة الى اخرى، ففي حين انها بلغت في المناطق الشمالية 2.5 ملليليتر في 100 غرام، فإنها بلغت في جبل لبنان 4.2 ملليليتر في 100 غرام. اما في الجنوب فقد بلغت 7.6 ملليليتر في 100 غرام ما يدل على ان نسبة الزيوت في "الزوباع" تزداد كلما اتجهنا جنوباً. ويؤكد ان للصعتر البلدي استعمالات عدة، خاصة في مجال المكافحة البيولوجية وفي الزراعة المكثفة، لافتاً الى فعالية "الزوباع" التي باتت شبه مؤكدة ضد الديدان الثعبانية (Nematodes)، وقد تبين نتيجة الاختبارات إن زيوت "الزوباع" الخفيفة فعالة جداً ضد مرض الفروا (varroa) الذي يصيب النحل المنتج للعسل ويسبب خسائر فادحة سنوياً. المناطق الصالحة والجدوى وعن المناطق الزراعية الصالحة لنقل الصعتر من الغابة إلى الحقل، تقول المهندسة شهاب الدين: "إن كل المناطق صالحة لكن زراعته في المناطق متوسطة الارتفاع تكون أنجح، ويلفت ابي انطون إلى ان الفحوص المجهرية التي اجريت على صعتر المناطق ذات الرطوبة العالية بينت امكان تعرضه لنوعين من الفطريات هي (Alternaria SP.) و(cladosporium SP) لذا يفضل في عمليات الزرع الابتعاد عن المناطق الرطبة لتحاشي المشاكل الزراعية. وعن الجدوى الاقتصادية للتدجين تقول شهاب الدين ان التجربة جديدة، وان لا دراسات حقلية دقيقة منجزة للجدوى الاقتصادية، لكن التجارب التي اجريت في مصلحة الأبحاث، اضافة إلى التجارب الفردية التي أجراها الباحث أبي انطون، بينت نتائج إيجابية للتدجين، وتضيف ان فريق متابعة التجربة يتعاون مع تجربة سجلت نجاحاً في مغدوشة لانتاج "الزوباع" وبيعه هذه السنة، وذلك لانجاز دراسة واقعية للجدوى الاقتصادية. بذور ومشاتل ويؤكد فريق العمل ان التدجين يمكن ان يتم بطرق ثلاث: الأولى باقتلاع جذور النبات وإعادة زرعها، وهذه الطريقة تعرض صعتر الغابة للخطر في حال اعتماد القلع الكامل والعشوائي، والطريقة الثانية تعتمد على استنبات بذور الصعتر في مشاتل، ونقل الشتول بعد نموها إلى الحقل، والتجربة نجحت في مصلحة الأبحاث. أما الطريقة الثالثة فتعتمد زراعة "الفسخ" بقطع جزء من النبتة يحتوي على عقد (Boutures) والمسألة قيد التجربة وتسجل نجاحاً. ويقول أبي انطون ان الغرام الواحد من بذور الصعتر يحتوي على 5500 بذرة تقريباً، وان المحافظة على الغابة تحتم الانطلاق من زرع البذور وإنتاج الشتول، وان نجاح التجارب على 15 نوعاً من أنواع الصعتر البلدي وغير البلدي، تشجع على إنشاء المشاتل. ويضيف ان انتشار زراعة "الزوباع" تتطلب اهتماماً متزامناً بالسمّاق الذي يمكن أيضاً تدجينه، ذلك ان لبنان الذي يستهلك كل عام ما يقارب 1500 طن من الصعتر ويصدر ما يقارب 500 طن في السنة يحتاج إلى كميات كبيرة أيضاً من السمّاق، وان الحاجة لهذا النوع تزداد بازدياد الطلب على الصعتر الذي يؤمن الكيلوغرام الواحد منه مردوداً يراوح بين دولارين وخمسة دولارات أميركية حسب المصدر والنوعية. مستلزمات التدجين وكلفته وعن كلفة ومستلزمات التدجين، يرى ان أهم أكلاف انتاج الصعتر هي كلفة تحضير الأرض للزرع وتأمين الشتول والتعشيب والري، وقد بينت آخر الدراسات انه بالإمكان استنبات بذور الصعتر في أي وقت، أي في كل الفصول وعليه فإن امكانية تأسيس المشاتل لإكثار النوع ممكنة أيضاً في كل الفصول. ويلفت الى ان حجم انتاج النبتة يزداد مع ازدياد عمرها، فقد بينت التجارب ان انتاج نبتة واحدة عمرها ثلاثة أشهر وصل إلى 30 غراماً، أما الانتاج المحلي لـ"زوباع" عمره أكثر من 7 سنوات، فقد بلغ 960 غراماً من الصعتر المجفف لكل متر مربع واحد، وذلك بحساب الانتاج لأربع مواسم جني، أي أربع قطفات خلال العام. ويضيف، ان انتاج دونم الصعتر لقطفتين متتاليتين لنباتات عمرها خمسة أشهر بلغت خلال موسم العام الماضي 260 كيلوغراماً لصعتر منطقة المشرف، و181 كيلوغراماً لصعتر منطقة عنايا و171 كيلوغراماً لصعتر منطقة قرطاضة. ويخلص إلى القول ان مردود الدونم الواحد يمكن ان يصل إلى 2000 دولار أميركي، ما يرشح الصعتر لأن يكون من الزراعات المكثفة والبديلة ذات مردود اقتصادي مرتفع في حين ان كلفة الانتاج متدنية والمشاكل الزراعية ضئيلة.
|
|