نصرالله يقود انقلاب "دولة حزب الله" على دولة الطائف وعون "ضحيته" الأولى ولحود يحرّض الجيش على العصيان والأمر سوريّ ـ إيرانيّ أيّها اللبنانيون: راقبوا الوضع جنوباً.. راقبوا سجن رومية وراقبوا فلسطين المستقبل - الجمعة 1 كانون الأول 2006 - العدد 2462 - شؤون لبنانية - صفحة 2
نصير الأسعد إكتملت "الصورة" أمس. حدّد قائد الإنقلاب، الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ساعة الصفر عند الثالثة من بعد ظهر اليوم للنزول إلى الشارع و"الاعتصام". جاء الإعلان ليذكّر المخضرمين من اللبنانيين بزمن غابر عندما كانت الإنقلابات تحصل عند غيرهم. يخرج أحد الضباط ليذيع عبر الراديو البيان رقم واحد. وبالفعل، وبعد "ظهور" نصر الله، تولّت محطة "المنار" تلاوة "البلاغ" الصادر عمّا يسمّى "المعارضة الوطنية" بايقاع عسكري. ولم يكن ينقص "الصورة" سوى إطلاق النار ابتهاجاً.. فأمطرت سماء الضاحية رصاصاً للتأكيد على "الانتصار". لو كان "حزب الله" منتصراً على إسرائيل هل ينقلب في الداخل؟ إذاً، جميع المشاركين في الانقلاب تحوّلوا إلى "ضباط" عند "القائد". مهمة كل واحد منهم السهر على وحداته وقطعاته. لم يعد لأي منهم دور سياسيّ. من كان منهم يعتقد ان له قامة كبيرة أو من كانت له قامة من هذا القبيل بالفعل، أضحى مجرّد رقم صغير. القائد نفسه لم يعد قائداً بقياسات مرحلة سابقة. فأن ينتقل من قائد لمقاومة ضدّ إسرائيل إلى قائد لإنقلاب في الداخل وعليه، ليس أمراً يمكن المرور عليه. تُرى لو كان "حزب الله" منتصراً بالفعل في حرب تموز، هل كان ليقوم بما يقوم به اليوم؟. لو كان منتصراً بالفعل هل كان ليمزّق انتصاره في معارك الشوارع والزواريب الداخلية؟ أم انه في مأزق يحاول الخروج منه للدخول في مأزقٍ أكبر؟ ..ومع ذلك، لا يبدو ان ثمة مكاناً بعد لـ"العقل"، لنقاش واقعي في زمن الهروب الى الأمام. لا يبدو ان ثمة مكاناً لـ"العقل" في وقت من الواضح ان "حزب الله" ـ ومعه الحلفاء ـ ينفّذون قراراً سورياً أفتى به الإيراني أيضاً. فليس الإنقلاب قيد التنفيذ متناقضاً فقط مع تاريخ لبنان وطبيعة الكيان اللبناني، بل هو لعبٌ بالوحدة الوطنية بالتعريف، ولعبٌ بمشروع الدولة بالتعريف أيضاً. "خذوا أسرارهم من صغارهم": لحود يحرّض وعلى طريقة "خذوا أسرارهم من صغارهم"، فقد كشف إميل لحود أول من أمس "القطبة". لم يعد مهماً التذكير بأن وجود لحود في بعبدا غير شرعي. ولم يعد مهماً التذكير بأنه بنى كل سيرته الرئاسية على خرق الدستور. المهم، هو لفت الانتباه إلى دوره في الإنقلاب الحالي. قال إميل لحود ان في وسع موظفي الدولة عدم الامتثال إلى قرارات رؤسائهم، إلى الوزارات ما دامت الحكومة التي تسيّر شؤون الدولة "غير شرعية وغير دستورية" كما يزعم. ليس في هذا الكلام أي جديد على تراث لحود غير الدستوري، أو أي جديد بالنسبة إلى عدم احترامه لموقع رئاسة الجمهورية. بيد ان هذا الكلام إذ ينطوي على تحريض صريح على العصيان، يشرّع "التقسيم". العصيان مطبقاً على الجيش: التفكيك الجيش يخضع وفقاً للقانون، لقرار السلطة السياسية أي للحكومة ممثلة بمجلس الوزراء. وحتى على افتراض ان الحكومة لم تعد تعجب لحود وأولياء أمره، فإن مهمة الجيش، كما سائر القوى الأمنية، هي حماية النظام السياسي اللبناني من أي إنقلاب عليه، وحماية الانتظام العام في البلاد. لا يخفى إذاً ان في تحريض لحود على العصيان، تحريضاً للجيش على العصيان أساساً. ويهدف لحود إلى تحريض الجيش ضدّ الحكومة، من أجل أن يغطي الإنقلاب قيد التنفيذ. لكن هذا التحريض اللحودي، إذا استعصت قيادة الجيش عليه، يعني تشريع الانشقاق في القوى الأمنية وشرذمتها. وهنا، وجه أساسي للخطورة. قد يكون هدف لحود "تحرير" الضبّاط الأربعة في فريقه الأمني من حرّاسهم في سجن رومية وإخراجهم منه، طالما انه لا يفوّت فرصة ليذرف الدموع على الأربعة الذين خان "أمانتهم". وهذا هدف لا يجوز إسقاطه من الحساب في أي حال من الأحوال، في ظل الحرب المفتوحة على التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلى المحكمة الدولية. القرار 1701 هدفاً بيد ان هذا الهدف ليس سوى واحد بـ"الطريق". ذلك ان تحريض الجيش ضمناً على العصيان، لا يعني الفوضى فقط، بل يعني تفكيك المؤسسة العسكرية، ويعني جعلها بلا مرجعية سياسية دستورية، بما يمهّد للانقضاض على دورها في الجنوب تنفيذاً للقرار الدولي 1701. وهذا "التحليل" لتحريض لحود على العصيان مطبقاً على الجيش، لا مبالغة فيه. ذلك انه لا يخفى ان أحد أهداف المطالبة بما يسمّى الثلث المعطّل في الحكومة، هو تعطيل القرار السياسي لمؤسسة الجيش تمهيداً لضرب دورها الجنوبي. ولذا، لم يخطئ فريق 14 آذار في تقدير ان هدف المطالبة بـ"الثلث المعطّل" هو تعطيل قرار المحكمة الدولية من ناحية وتعطيل القرار 1701 ايضاً من ناحية ثانية. وليس سرّاً ان بداية التعطيل في هذا الجانب بدأت. فعندما تضطر القيادة العسكرية، كما في الأيام الماضية، إلى استدعاء قوات من الجنوب إلى "الداخل"، يكون التعطيل قد بدأ بالفعل. وعندما يتعطّل دور الجيش جنوباً، يتعطّل دور "اليونيفيل"، تماماً لان "بنية" القرار 1701 مؤسسة على دور الجيش في جنوب لبنان. موقف قائد الجيش طبعاً، حسناً فعل قائد الجيش العماد ميشال سليمان إذ أصدر أول من أمس بالتزامن مع تحريض لحود على العصيان، وربما رداً عليه، بيانه الذي يعطي توجيهات للجيش بالتوحد خلف مهمات حفظ الأمن والاستقرار. حسناً فعل العماد سليمان، لانه أكد على جانب رئيسي من الدور الذي يضطلع به الجيش في حماية الوطن. لكن، وبما ان الشيء بالشيء يذكر، يجب القول ان حركة 14 آذار عندما انطلقت في العام 2005، لم تطلب من سليمان التوجه إلى بعبدا لإبلاغ لحود بأن الجيش لم يعد قادراً على حماية بقائه في القصر الجمهوري، لان هذا البقاء غير دستوري، وغير شرعي وفقاً لكل المقاييس، الشعبية منها بالدرجة الأولى. فحركة 14 آذار لم تنفّذ إنقلاباً بالرغم من انها كانت قادرة عليه زحفاً إلى بعبدا. لكن، إذا تمادت "الردّة"، أي الإنقلاب المضادّ، قد يكون خيار تطويق بعبدا شعبياً مطروحاً، ولن يكون الطلب حينئذٍ من الجيش العصيان الذي يمزّق وحدة المؤسسة، بل إفهام لحود انه لا يمكنه "الاستمرار". من "أسرار صغارهم" إذاً ان الإنقلاب السوري ـ الإيراني على الوضع في لبنان، يستهدف إطاحة المحكمة الدولية في المباشر، لكنه يستهدف إطاحة القرار 1701 ايضاً، وبالنتيجة هو إنقلاب ضدّ وجود الدولة في حدّ ذاته. فيا أيّها اللبنانيون تابعوا جيداً سجن رومية. ويا أيّها اللبنانيون تابعوا جيداً الوضع في الجنوب. ويا أيّها الجيش، أنت على محكّ حماية الدولة والنظام ومؤسساتهما اعتباراً من اليوم. لم يسبق للجيش اللبناني في تاريخه أن واجه تحدياً بهذه الخطورة. الإنقلاب "القومي السوري" في مطلع الستينات كان "مزحة". اما الآن فلدى الجيش حافز وطني. من المفترض انّ له حافزاً وطنياً حيال مشروع "أجنبي" للسيطرة على لبنان، من شأنه أن يحوّل الجيش، إن هو نجح، إلى "ميليشيات باسدرانيّة" على الطريقة الإيرانية. إنقلاب ضدّ كل الطوائف.. وعون على الأرض هكذا إذاً، يبدأ الإنقلاب اليوم عملياً بناءً على "الأمر" الصادر عن السيّد حسن نصر الله. واذا كانت "أسرار صغارهم" تؤشر إلى الجوانب الخطيرة منه كما جرى التوضيح آنفاً، فإن الأخطر هو ان نصر الله "يتصدّر" ويضع الآخرين من حلفائه في "الزربة". نبيه بري "مزروب". ميشال عون حتى لو انه أداة، "مزروب" في سجن ضربته طائفته من أقصاها إلى أقصاها حوله. أدار نصر الله ظهره لكل الوقائع. القمة الإسلامية الروحية أعلنت ان النزول إلى الشارع "مفسدة". نبيه بري نفسه "كان" ضدّ النزول إلى الشارع. حتى الرئيسان عمر كرامي وسليم الحص "لاحظا" المزاج الشعبي في بيئتهما وأعلنا تفضيلهما عدم النزول إلى الشارع. وعمر كرامي "حاول" المبادرة فعاجلها محمد رعد نيابة عن نصر الله. البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير كان موقفه حازماً. والقيادات المسيحية انسجاماً مع الشارع، تبرّأت ممن يحاول نيابة عن الموارنة تغطية عملية إلحاق لبنان بـ"المشروع الإيراني ـ السوري". تبرّأوا جميعاً من "الشهادة" التي أعطاها عون لإيران بأنها لا تتدخل في الشؤون اللبنانية، في وقت كان سفيرها يضع "اللمسات الأخيرة" على خطة الإنقلاب. الإنقلاب الذي يقوده نصر الله من "الأعماق"، من "الأنفاق"، هو ضدّ الوحدة الوطنية، لانه ضدّ طوائف أخرى بـ"حالها". انه إنقلاب "دولة حزب الله" على دولة الطائف. انه إنقلاب طائفي على سائر الطوائف ولو داخلته ألوان باهتة من بعض الطوائف. بين "حزب الله" الفلسطيني و"حماس" اللبنانية قبل بضعة أيام، كان رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل يتحدث عن الإشكالات المحيطة بتشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" في فلسطين. "صدف" ان مشعل استخدم في تفسيره للإشكالات منطق الغالبية. قال ما معناه ان "حماس" مستعدّة لحكومة وحدة وطنية لكنها لا يمكن أن تتخلى عن كونها غالبية انتجتها الانتخابات التشريعية. طبعاً ليس هناك في فلسطين ما يسمّى الثلث المعطّل بل الحديث يدور عن "الحقائب السيادية". بين "حزب الله" الفلسطيني أي "حماس"، وبين "حماس" اللبنانية أي "حزب الله"، مسافة أقصر بكثير من "بعد حيفا" أو "ما بعد حيفا". ومع ذلك، فإن "الغاية تبرر الوسيلة". الغاية واحدة أما الدفاع عنها فبمنطقين. إيران موجودة في لبنان وموجودة في فلسطين. النظام السوري موجود في لبنان وموجود في فلسطين. لم تخطئ حركة 14 آذار في اعتبار ان القضية اللبنانية والقضية الفلسطينية مترابطتان، وان دولة الاستقلال هنا تعزّز دولة الاستقلال هناك، وان تعزيز ثقافة الحياة هنا يعزّز ثقافة الحياة هناك. لا خلاص للبنان ولا خلاص لفلسطين ببقاء النظام السوري، وبهروب النظام الإيراني من أزماته إلى الأمام. أما الإنقلاب في لبنان، فإنه "يقلق الراحة" و"يهزّ" الاستقرار ويفاقم مشاكل الناس. لكنه محكوم بالفشل حتى لو كانت كلفته عالية.
|