المفاضلة في الشرق الأوسط بين "تعبك" و"تعب" الخصم أو الحليف المساواة في "العياء" مفتاح للحلول المستقبل - الاربعاء 4 تشرين الثاني 2009 - العدد 3473 - شؤون لبنانية - صفحة 2
وسام سعادة يبني كلّ لاعبٍ في الشرق الأوسط تقديراته وتوجّهاته بالنسبة إلى اللحظة الرّاهنة على قاعدة قياس "التعب" الواقع فيه هوَ نسبة لـ"التعب" الواقع فيه خصمه، وأيضاً "التعب" الواقع فيه حليفه أو إمتداده. كل الأطراف في الشرق الأوسط متعبة بشكل أو بآخر، إلا أنّ هذه الأطراف جميعها لم تتعب بعد من لعبة المفاضلة بين تعب وآخر، أو بين تعبها وبين تعب الخصم أو الحليف. الغرب مثلاً يظنّ بإيران تعباً داخليّاً وأيضاً تعباً يتعلّق بعدم استقرار نفوذها الإقليميّ. وإيران أيضاً تظنّ بالغرب وبالإدارة الأميركيّة تعباً كثيراً، وبشكل أساسيّ إنطلاقاً من الحصيلة الأميركيّة في أفغانستان والعراق. سوريّا بدورها تتموقع ضمن خارطة التعب الإقليميّ. تداوي التعب المزمن لنظامها بمفارقات التعب الإقليميّ للأخصام والحلفاء. بعد أن كانت تجارتها في ما مضى تتعلّق بتفاصيل الإستقرار في وضع هذا البلد أو ذاك النظام، صارت تمنّي النفس بلعبة أخرى يمكن إيجازها بأنّها بيع وشراء "التعب" في مقابل "التعب". فعندما يكون حليفك متعباً، وعندما تكون أنت متعباً، وعندما يكون عدوّك متعباً، وصديق عدوّك متعباً، وعندما يكون أخصامك الإقليميون متعبين، يعني ذلك أنّه يمكنك في الوقت نفسه توسيع المجال السياسيّ لإتصالاتك وحركتك والمناشدات المرسلة منك وإليك، لكنّ ذلك يبقى في حدود "الإستثمار في التعب" لا يثمر مبادرات إستراتيجية في أيّ من الملفات. و"التعب" هذا إشكالية مشتركة لمعشر الممانعين كما المعتدلين. صارت الممانعة "ممانعة على التعب"، وممانعة متعبة في الوقت نفسه، خصوصاً بعد مصاب أهل غزّة. والإعتدال بدوره لم يكابر يوماً على تعبه، ويأتي انقشاع الأوهام حول الوعود بإطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط ثانية ليزيد هذا الإعتدال تعباً على تعبه المزمن. اسرائيل أيضاً يدركها التعب بأشكال عديدة. صحيح أنّها لم تتعب بعد لجهة مواصلة "النموّ الطبيعي" أي "التفريخ الإصطناعيّ" للمستوطنات، لكن التعب الإستراتيجي بات يصف وضعيّتها الإقليميّة بشكل واضح، سواء بعد حرب تمّوز 2006 أو بعد حرب غزّة، ويوماً بعد يوم تقلّ واقعيّة سيناريوات توكيل اسرائيل بأيّ دور في الملف النووي الإيرانيّ، كما تقلّ واقعية سيناريوات أي استئناف حقيقيّ للعملية السلميّة سواء على المسار الفلسطينيّ أو على المسار السوريّ. كل هذا على صعيد المشهد الإقليميّ. أما لبنانيّاً فمن الواضح أنّ ثمّة من أتعبته هزيمته الإنتخابية، وثمّة من يتعبه إنتصاره الإنتخابيّ. فمشروع الهيمنة المذهبية الأخير الذي طرح نفسه على البلد، في أعقاب حرب تمّوز، وكانت له "أيّام" أبرزها "7 أيّار"، وجولات بعضها على شكل "مصالحات" أمنية، سرعان ما وجد نفسه أمام طريق مسدود بعد الإستحقاق الإنتخابيّ، فصار يتملّى في النتائج، ويحاول التوفيق بين قبولها وبين تعليق مضامينها وإرجاء تداعياتها. إنّه مشروع تعب بشكل أو بآخر. هناك فارق بين "التعطيل" قبل الإنتخابات وبعدها. قبل الإنتخابات، كان التعطيل يمتلك حيويّة تعبوية ذات زخم، ومرتبطة بوعد الظفر يوم الإقتراع. أمّا بعد الإنتخابات، فقد صار التعطيل فاقداً للحيويّة، وأقرب ما يكون للسأم والضجر واللامعنى. أما مشروع الإستقلال اللبنانيّ الثاني من حيث هو مشروع بناء الدولة الحرّة التعدّدية على قاعدة المناصفة الإسلامية المسيحية فإنّه وجد نفسه هو أيضاً في أزمة نتيجة لإنتصاره الإنتخابيّ، إذ إنّ هذا الإنتصار جاء ليقويّ التناقض بين الميزان الأمنيّ لوزن الأمور وبين الميزان السياسيّ لوزنها، وبرزت أكثر من أي وقت مضى مشكلة الحيوية وذلك على كافة الصعد. تعبت الحركة الإستقلالية لأنّها حققت كل الأهداف التي طرحتها على نفسها، وحققت الإنتصار الإنتخابي الذي كانت تنشده، ومع ذلك بقي الميزان الأمنيّ على حاله، في ظلّ تسيّد لعبة السلاح على مضامين اللعبة السياسيّة حتى لو زيّن ذلك بكافة أنواع الزخرفة.. وهو إلى الحين بالكاد يزيّن، فممتلك الشيء ما زال يتغنّى به وبشكل واضحة دلالاته بإزاء الداخل. السؤال إذاً: كيف يمكن ان يتفاعل تعب كل فريق في لبنان مع تعب الآخر؟ السؤال طبعاً برسم من لا يزال يباهي بأنّه لم يتعب، وأنّ تعطيل الحكومة لا يتعبه بل يغنيه ويسلّيه. وحده تعميم "العياء" بشكل متساو وعلى الجميع قد يسهم في الحل!.
|