الجمعة 3 أيلول 2010

ص21ص20

"مشية الإوزّة" نصوص حديثة للشاعرة سعدية مفرح

في الغياب تصبح اللغة هي النص هي العدم


"فردوس" لمحمد البساطي

الذات الانثوية في قلقها الصامت ووجودها الحائر


إصدارات



"مشية الإوزّة" نصوص حديثة للشاعرة سعدية مفرح

في الغياب تصبح اللغة هي النص هي العدم

المستقبل - الاثنين 4 كانون الثاني 2010 - العدد 3528 - ثقافة و فنون - صفحة 20


جهاد الترك

من على التخوم الفاصلة بين المشهد اليومي المغرق بفوضى الأشياء وتكدّس الصور والأحداث، والنفاذ من خلالها الى تحولاتها المحتملة في مصنع الذاكرة، تنصرف الشاعرة الكويتية سعدية مفرح الى محاولة اختبار "مشروعها" الشعري، إذا جاز التعبير. مجموعة من النصوص بعنوان "مشية الاوزة" صدرت حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت تتضمن ستة كتب شعرية دفعة واحدة. والأرجح أن ما يميّز عشرات هذه النصوص المسهبة أو القصيرة، هو تلك الرؤية التي تنطلق من المشهد العادي على نحو مفاجئ ثم تنفك عنه بالسرعة عينها لترقبه من بعيد وهو يصنع قدره في ما يتجاوز المعنى المتداول للغة. نكاد نلحظ هذه التقنية الذكية في الفضاء الشاسع للدلالات اللغوية والصور المتعاقبة. قد يبدو هذا التصور الأولي لمحتويات الكتاب ضرباً من الاقتراب التدريجي من مكوّنات الصورة وهي تبتكر سيناريواتها في إعادة تشكيل الأشياء والعالم. والأهم، على الأغلب، تلك المحاولة المرهفة في حمل اللغة على التنكر لذاتها والتخلّي عن حمولاتها الزائدة انسجاماً مع الانتقال المتسارع من مشهد الى آخر. على هذا الأساس المرجّح تدنو سعدية مفرح من تلك التخوم المزعومة لرؤية تتخذ من الحالة الشعرية أداة لمحاورة اللغة وإغرائها للاستجابة لمناخ في التعبير لا يبدو أنه من المهام السهلة أو المتداولة. ومع ذلك، نلحظ كذلك أن القفز المحبب على إيقاع نصوص الكتاب مرات ومرات، أمر من شأنه أن يحيل اللغة تجربة حيوية للعودة بالأشياء الى دلالاتها الأولى. أو الذهاب بها الى ظلالها البعيدة. وكلتا الحالتين وجه لعملة واحدة، على الأرجح، في الكيفية التي تستخدم بها المفردات لتفصح عن عريها المتلألئ في فضاء الصورة الشعرية.
سيناريو الإيحاء
يبدو هذا السيناريو أكثر وضوحاً في النصوص القصيرة وأكثر إيغالاً في متاهات الغياب في مثيلاتها الطويلة. في الأولى، تتقدم سعدية مفرح مباشرة من التخوم البعيدة المشرفة في الذاكرة على ما يتراءى من التماعات في جغرافيا الصورة الشعرية. وهي تعتمد في هذه المغامرة الغامضة على مفردات محددة ذات كثافة ملحوظة في الإيحاء. يساعدها في ذلك بعثرة مدروسة لتفاصيل المشهد من جهة، وإحجام عن إثارة الحدث في شموليته الكبرى. ولأنها نصوص قصيرة، بالدرجة الأولى، فإن الحالة المشهدية التي ترتكز عليها سرعان ما تنفتح على أجواء متشعبة، مختلفة، متعددة، من الصور التي تستولد بعضها من بعضها الآخر. التشظي، في هذه الحال، لا يتأتى من تشظي المفردات وتراكمها في النص الواحد. بل مردّه الى استخدام هذه المفردة أو تلك على نحو يتعلق مباشرة بمجرى الحلم في الذاكرة. ولعلّ المفردات، في هذا السياق المتحوّل بإيقاع متسارع، لا تعود تعبّر عن معانيها التقليدية بقدر ما تختزن تحت قشرتها الخارجية احتمالاتها المتكاثرة خارج اللغة. والمقصود، في هذا الإطار، أن اللغة لا ترتد الى نفسها إلاّ إذا خرجت منها وانقلبت عليها أو تخلت عنها. والأغلب أن اللغة الشعرية لا تعثر على نفسها في داخلها كمن يبحث في غرفة عن شيء فقده في غابة مترامية الأطراف. هذا هو شأن اللغة بشكل أو بآخر. ينبغي أن تتلمس جسدها خارج الزنزانة الضيّقة التي حشرت بها. كلما بحثت عن ذلك في بوتقتها الصغيرة، ازدادت ابتعاداً عن قدراتها المتحولة المنتشرة في ذاكرة الكون. اللغة من نسيج هذا الأخير. إنها من أسمائه الأولى. فيها تكمن ملامحه الأولى. وفي قعرها تستلقي أسراره وتحولاته.
ولعلّ ما تسفر عنه اللغة في نصوص سعدية مفرح، هو ذلك التخفّي تحت أقنعة المفردات. يخيّل إلينا أن الشاعرة تمارس هذه اللعبة المشوّقة على نحو من الاستسلام الإرادي لمكوّنات الصورة وهي تتقدم بحذر من موقع في الذاكرة الى آخر. من محطة مفترضة الى أخرى. من دهشة الى أخرى. من تجربة الى أخرى. ومع ذلك، فإن هذا التخفي، في لحظة ما، يخرج من تحت القناع الى العلن. لا يعود يحتاج إليه بعد أن اطمأنت الشاعرة الى قدرة الذاكرة على استيعاب الرؤية والمضي فيها والتقدم من ضفاف التحولات المختلفة التي ينطوي عليه فضاء المعنى.
أقنعة المفردات
من التخفي تحت أقنعة المفردات الى التجرؤ على إزالة الأقنعة الى الاستمرار في خوض المغامرة نحو المعنى المتكون داخل المفردة. والأرجح أن المقصود بذلك هو أن تمارس الشاعرة نفياً ذاتياً في عالم اللغة الأوسع. هناك في ذلك المنفى المجهول في اللغة وما وراءها وفي أبعادها القريبة والبعيدة، أو حيث تنعدم المقاييس، يحلو لها أن تكشف عن أسرار اللغة واحتمالاتها وأوهامها في مناطق الغياب حيث تنتشر الظلال، ويخفت الضوء وتشتعل غريزة الشعر. الغياب، في هذا السيناريو، ليس تخفياً عن الذات فقط. وليس إحساساً قسرياً بالغربة. وليس، في الوقت عينه، حكماً قاسياً على الذات بالامتناع عن الظهور في أروقة اللغة وعلى مسرحها. إنه، على الأرجح، غياب عن اللغة في ما تفترضه هذه الأخيرة من معان وأفكار رتيبة ومتداولة. هو الغياب الموقت عن اللغة في ظاهرها بانتظار أن يجتمع الطرفان في مكان آخر. في الحلم. هناك لا تعود اللغة هي ذاتها ولا تعود الرؤية هي عينها. في الغياب تلوح ظلال المعنى من على التخوم البعيدة للرؤية الشعرية. المعنى لا يعود كذلك. يصبح شيئاً آخر يتحول ظلاً باهتاً قابلاً، في الوقت عينه، ليتحوّل ظلاً آخر لمعنى آخر قيد التكوين. وقد لا يتكون أبداً ولا يتشكّل أبداً. من سمات الظل أنه لا يستقر على هيئة محددة. ليس من نسيج الشكل. يخيّل إلينا أنه يتخذ شكلاً ما. والأرجح أنه دائم الانتقال من شكل الى شكل. من وهم الى وهم. من كذبة الى أخرى. من مشهد متحوّل الى آخر.
ومع ذلك، لا يبدو أن الغياب في نصوص الكتاب والتماس ظلال اللغة وسيلة للكشف عن الهويات الأخرى المتشكّلة للأشياء والمعاني، أمر من شأنه أن يدفع بالشاعرة الى دائرة الصمت. للغياب وظيفة أخرى في صوغ النصوص تقوم على استثارة المشاهد ومخاطبتها وأحياناً تفكيكها على قاعدة استدراجها الى الفضاء الشعري. تندرج هذه التقنية في مجال البحث عن الحوافز المحتملة للغة. وأيضاً في سياق حمل اللغة على البوح بمكنوناتها الافتراضية التي قلّما تُستثار بعيداً عن الرؤية المتحركة في إطار المفردات المتداولة. لا هامش واسعاً في النصوص للصمت الذي يؤثر الاستكانة الثقيلة على التحرك بوتيرة متسارعة بين الأشياء والأحداث والأفكار ودلالاتها في بنية اللغة. الأرجح أن الصمت يتحول في النصوص باعثاً على لملمة شتات الصورة من على تلك الأرض الواسعة التي تدور اللغة في أرجائها. وإذا كان الصمت، في هذا الإطار مرادفاً محتملاً لظلال الأشياء، فإن اللغة لا تبدو كذلك. على النقيض من ذلك، فإن الظلال الصامتة التي تلامس النصوص، بشكل أو بآخر، تصبح أكثر قدرة على استكشاف مروحة متعددة من الأشكال والهيئات والمشاهد. يمكنها من ذلك، على نحو ملحوظ، حالة الهدوء التي تلفّها أو تحيط بها بعيداً عن ثرثرة اللغة وضجيجها وصخبها قبل أن تنزع عنها قشورها وأقنعتها.
احتدام الصمت
ولعلّ الصمت، في هذه النصوص، هو إيحاء مكثّف بما فات اللغة من طاقات تعبيرية. وهي تجتاز المسافة الفاصلة بين الرؤية الشعرية وما قبلها. في هذه النقطة تتأزم اللغة، تفور مكوّناتها على سطح التعبير قبل أن تهدأ من جديد من فورانها وغليانها. في الصمت تغيب اللغة عن نفسها غير أنها لا تصاب بالسكتة. تزداد تأهباً لملاقاة الأشياء في بعدها الآخر، في فضائها اللغوي. ومع ذلك، نكاد لا نقع على هذه الميزة دفعة واحدة إلاّ بتلمّس السياق الذي تسير فيه النصوص على مستوى اللغة والرؤية الشعرية. على هذه الخلفية من غياب اللغة عن نفسها بحثاً عن نفسها، لا يبدو أن نصوص سعدية مفرح تصل الى خواتيمها. لا نهايات سعيدة أو مأسوية للنصوص. نصوص منفتحة على أقدارها. متحوّلة بالقدر الذي تستجيب فيه اللغة لغيابها. وبالمثل، فإن الصورة تستجمع مكوّناتها المحتملة من هذا التجاذب اللافت بين اللغة والغياب والأفق المفتوح. نهايات سرعان ما تصبح بدايات لرؤية أخرى مختلفة. في غياب اللغة تستاء الرؤية من نفسها. تحجم عنها الى رؤية أخرى. وهكذا دواليك. في غياب اللغة تنعدم الرؤية الشعرية. ينعدم النص كذلك. تصبح اللغة المتحولة هي النص. هي الرؤية. هي العدم.



مختارات


من الكتاب نقتبس:
سادة
موتى يتناسلون
يتبادلون بعضهم
روحاً بروح
وجثة بجثة
يمضون الى موائد القبور
متخمين
وينسون.

مشروع
حين أكون وحيدة
في الغرفة الوحيدة التي تحتويني
تنتابني رغبات عظمى
في تخريب الكرة الأرضية
...
...
فلتطمئن أيها العالم الخائف
مفتاح غرفتي المغلقة
ليس معي دائماً.

نوايا جانبية
أنا أيضاً
لي مطاراتي السرية جداً
ولي محطاتي
التي لا يعرف مواعيد قطاراتها الكثيرة سواي
وأيضاً طرق برية
أروح وأجيء فيها لوحدي
حيث التسكع على خطوط الحدود
أُنشوطة للعدم
أنا أيضاً
أستطيع السفر
وقد نمَتْ أجنحتي وزعانفي
منذ زمن بعيد
أستطيع
...
نعم
أستطيع.

عصيان
أُصفّي مياهي
لتشربني قذىً
أنام طويلاً
لأُهديك يقظتي الكاملة
أقترح حلولاً مفيدة
لمشكلات غير موجودة
فتتحوّل مشكلة مستحيلة
وأنت تشرب عصيرك المفضّل
فقط!

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | بيئة | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005