الجمعة 3 أيلول 2010

ص13ص12ص11

آخر وثيقة للشهيد فليحان: البرنامج الاقتصادي التنموي لسنوات 2005 وما بعد (3)

خلق ميزة تفاضلية للاقتصاد اللبناني واستثمار سياسة الجوار الأوروبية



آخر وثيقة للشهيد فليحان: البرنامج الاقتصادي التنموي لسنوات 2005 وما بعد (3)

خلق ميزة تفاضلية للاقتصاد اللبناني واستثمار سياسة الجوار الأوروبية

المستقبل - الخميس 18 آب 2005 - العدد 2012 - المستقبل الإقتصادي - صفحة 11


في الجزء الثالث الأخير من الوثيقة التي أعدّها الشهيد باسل فليحان، وقدمها الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قبل ساعات من استشهادهما، يتطرّق الشهيد فليحان الى محورين رئيسيين من البرنامج الاقتصادي التنموي لسنوات 2005 وما بعد، وهما محور استكمال عملية تحرير الاقتصاد واندماج لبنان في محيطه، والمالية العامة وتأمين الاستقرار الماكرو اقتصادي.
وينطلق الشهيد فليحان في رؤيته لعملية تحرير الاقتصاد اللبناني من هدف محدد، هو التركيز على خلق ميزة تفاضلية لهذا الاقتصاد، وبالتالي تحديد دوره وموقعه في الساحة الإقليمية، لإنجاز معدلات نمو مستدامة، وخلق فرص عمل جديدة.
ويرى الشهيد أن لبنان أمام خيارين: الانضمام الى الحلبة الاقتصادية الآسيوية، أو التقرّب من الحلبة الأوروبية، ويقترح الخيار الثاني بسبب عدم قدرة لبنان على المنافسة في الحلبة الآسيوية. وينصح بتطوير أساليب الإنتاج والتغليف والتعليب والتسويق في لبنان، في حال اعتماد مواصفات الجودة الأوروبية. ويشدد على الاستفادة من سياسة الجوار التي يطرحها الاتحاد الأوروبي.
وفي المحور الأخير ينصح بإعادة النظر في النظام الضريبي، وتبسيط هيكليته، وتفعيل إدارته، وإعادة الهدر الى الخزينة، وتطبيق برامج الخصخصة، خصوصاً قطاع الكهرباء، (التوليد والتوزيع).
ويجري الشهيد عملية تقويم للإنفاق الاستثماري من 1992 حتى 2003، ويرى أن الخزينة والاقتصاد لم يستفيدا استفادة كاملة من هذا الإنفاق، ويحدد الأسباب والمرافق المعنية (كهرباء، اتصالات، نقل، مياه، صحة إلخ...)، ويشدد على ضرورة استكمال الاستثمارات في قطاعي الطاقة والاتصالات، ويؤكد أن لدى لبنان الفرصة لزيادة مردود النفقات الاستثمارية التي تمت سابقاً.
وتؤكد الوثيقة استحالة حل معضلة العجز وتنامي حجم الدين من دون رزمة إجراءات يجري تنفيذها في المدى المتوسط، مع تحفيز النمو وزيادة حجم وديناميكية الاقتصاد الوطني، والعودة الى التزامات لبنان تجاه المجتمع الدولي في باريس2، وتفعيل الإيرادات، وترشيد الانفاق. ويخلص الى القول أن على اللبنانيين أن يتوافقوا فيما بينهم على الدور الذي يريدون للدولة أن تلعبه.
وهنا الحلقة الأخيرة من وثيقة الشهيد فليحان:

إعادة النظر في النظام الضريبي وخصخصة الكهرباء والاتفاق على دور الدولة

محور 4: استكمال عملية تحرير الاقتصاد واندماج لبنان في محيطه الإقليمي وفي الاقتصاد الدولي
إن تسارع الأحداث على الساحة العالمية، واندماجنا في الاقتصاد العربي من خلال منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، وإضافة الى استكمال انضمامنا الى منظمة التجارة العالمية، وتطبيق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وسياسة الجوار الجدية، تحثنا أكثر من أي وقت مضى على تحديث وتطوير اقتصادنا الوطني، بكل مؤسساته سواء العامة أو الخاصة. وفي ظل هذه التطورات، ستتركز جهودنا على خلق ميزة تفاضلية للاقتصاد اللبناني، وتحديد دور وموقع للاقتصاد اللبناني، لا سيما على الساحة الإقليمية، دور يمكننا من تحقيق معدلات نمو مستدامة وخلق فرص عمل جديدة، الأمر الذي من شأنه المساهمة في معالجة وضع المالية العامة وبالتالي المديونية. والأهم من ذلك، أن جهودنا لإيجاد ميزة تفاضلية للبنان ستواكبها جهود للمحافظة على قطاعي الزراعة والصناعة وتعزيز تنافسية كل منهما في ضوء تحرير الأسواق والانفتاح الاقتصادي الذي نشهده، وفي ضوء بروز قوى اقتصادية جديدة على الساحة العالمية كالصين والهند.
ومع بروز هاتين القوتين الاقتصاديتين الجديدتين، نشهد حالياً قيام حلبة اقتصادية جديدة في آسيا، تتميّز عن غيرها من التجمعات الاقتصادية بكلفة إنتاج منخفضة جداً. من ناحية أخرى، ومع انضمام دول جديدة الى الاتحاد الأوروبي، نشهد توسع الاتحاد باتجاهنا، لا سيما وأنه بعد انضمام قبرص أصبح لدينا حدود جغرافية مشتركة مع الاتحاد الأوروبي. إذاً لبنان اليوم أمام خيار الانضمام الى الحلبة الآسيوية أو العمل على التقرّب أكثر فأكثر من الحلبة الأوروبية من خلال ملاءمة القوانين والأنظمة ومعايير الجودة والإجراءات اللبنانية لتلك المعمول بها في دول الاتحاد الأوروبي. وسيكون من الصعب جداً للبنان المنافسة أو إيجاد دور في حلبة ميزتها الأساسية هي كلفة إنتاج منخفضة جداً. ومن الطبيعي أكثر للبنان أن يجد دور تنافسياً له في حلبة ذات كلفة إنتاج عالية، كالاتحاد الأوروبي، وإذا ما قمنا بتطوير أساليب الإنتاج والتغليف والتعليب والتسويق لدينا، وإذا ما اعتمدنا مواصفات الجودة والنوعية والمعايير المتعارف عليها في دول أوروبا. وبإمكان لبنان أن يستفيد من ظاهرة هجرة الأعمال والوظائف في قطاع الخدمات المتطورة من الدول المتقدمة الى الدول النامية. وبالتالي سيستطيع لبنان استقطاب فرص عمل جديدة من أوروبا إذا ما تم العمل على تفعيل عامل الثقة بالاقتصاد اللبناني، ليس على المدى القصير فحسب، بل أيضاً على المدى الطويل، من خلال تطوير أسس ونظم اقتصادنا الوطني لتتلاءم مع تلك المعمول بها في أوروبا. من هنا، فإن سياسة الجوار التي طرحها الاتحاد الأوروبي على شركائه المتوسطيين تكتسب أهمية خاصة، ولا بد للبنان أن يكون سباقاً في اعتماد هذه السياسة، لا سيما وأنه كان ولا يزال صلة الوصل الأهم بين أوروبا والعالم العربي.
محور 5: المالية العامة وتأمين
الاستقرار الماكرو اقتصادي
في كل مرة يطرح فيها موضوع المالية العامة، تتجه الأنظار نحو النظام الضريبي وعبئه على المواطن وعلى الاقتصاد الوطني على حد سواء. وتكثر المطالبة بإعادة النظر بالنظام الضريبي وآليات تحصيل الضرائب في لبنان. ولعل من المفيد هنا إجراء مقارنة بين تجربتنا في لبنان وتجربة دول أخرى في هذا المجال. ففي العام 2003 استطاعت الدولة اللبنانية تحصيل إيرادات ضريبية بما يعادل 16.6% من الناتج المحلي. ونجد أن هذا المعدل هو أقل بكثير من المعدلات المحققة في أوروبا (30.8%) بين 1993 ـ 2002، ومن دون تلك المحققة في آسيا (17.5%). غير أن المعدلات المحققة في لبنان أعلى من المعدلات المحققة في الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط، ولكن أقل من تلك المحققة في مصر، المغرب والأردن. غير أن هذه المقارنة، وعلى أهميتها، لا تكفي وحدها. إذ لا بد من الأخذ في الاعتبار حجم ومجال المهام التي تقوم بها الدولة والتي يتم تمويلها من الإيرادات الضريبية لتحديد وتقييم الوقع الضريبي بصورة واضحة. من هنا، فإن تحديد ما إذا كانت المعدلات الضريبية أو الواقع الضريبي في بلد معين أعلى بكثير أو أقل بكثير مما هو ممكن أو مجد لا يمكن فصلها عن الخيار الذي اتخذه هذا البلد لجهة حجم ودور الدولة. أما في لبنان، فإن الدولة تعاني عجزاً مستمراً في الموازنة، ما أدى الى تنام هائل في الدين العام، مع العلم أننا تمكنا في السنوات الماضية من تحقيق فائض أولي متواضع في حساب الخزينة وهو اليوم الى ازدياد. لذلك، فإن خدمة الدين تشكل التحدي المالي الأهم، ولا بد أن تتركز جهودنا في المستقبل على تخفيض حجم الدين العام من خلال عمليات الخصخصة وتخفيض كلفته من خلال تخفيض معدلات الفائدة. إلا أن عمليات الخصخصة وتخفيض كلفة خدمة الدين العام لن تؤدي، في أفضل الظروف، الى توازن في حساب الخزينة، مما يحتم مقاربة عجز الخزينة عبر تخفيض وترشيد الانفاق العام و/أو زيادة الإيرادات من الضرائب والرسوم. لذلك، إذا استثنينا الدين العام وخدمته، يمكننا القول أن الضرائب والرسوم المحصلة تفوق الإنفاق العام للخزينة، وبالتالي ليس هناك حاجة لزيادة العبء الضريبي لتمويل نفقات الخزينة العادية. إلا أن حجم كلفة خدمة الدين تؤدي عملياً الى عجز كبير في الموازنة بما يؤدي بدوره الى تنامي الدين العام.
لذلك، سنعمل على تخفيض وترشيد الانفاق العام ومباشرة عمليات الخصخصة وتخفيض كلفة الدين العام بالإضافة الى إعادة النظر بنظامنا الضريبي بطريقة شمولية وغير مجتزأة، وتقييم النظام المعمول به حالياً لجهة التوازن بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، لجهة فعاليته، ولجهة وقعه/ أثره على القطاعات الإنتاجية وعلى مختلف الطبقات الاجتماعية، لا سيما ذوي الدخل المحدود.
1 ـ تقييم النظام الضريبي
من أهم مقومات النظام الضريبي الجيد تأمين ما يكفي من الإيرادات لتأمين عمل الدولة واستمراريتها. غير أن الطريقة التي يتم من خلالها تأمين هذه الإيرادات مهمة أيضاً. إذ لا يجب أن يكون النظام الضريبي معيقاً للحركة العادية، ولا بد أن يتم تحصيل الإيرادات بفعالية، ولا بد أن يكون وقع الضرائب منصفاً الى أقصى الحدود، سواء على القطاعات الإنتاجية أو على مختلف الطبقات الاجتماعية، لا سيما ذوي الدخل المحدود.
لقد واجه لبنان تحديات جمة بعد 15 عاماً من النزاع، لا سيما على مستوى المالية العامة. وهنا كان التحدي ذا حدين. من جهة، كان لا بد من تأمين إيرادات للخزينة لتأمين عمل الدولة ومواكبة التنامي في النفقات نتيجة تزايد الطلب إثر إطلاق عملية إعادة الإعمار والتأهيل. ومن جهة أخرى، كان هناك حرص على عدم شل الحركة الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية من خلال فرض معدلات ضريبية عالية جداً.
بالفعل، إن السياسة الضريبة التي تم اتباعها في فترة ما بعد الحرب كانت تهدف الى بناء قاعدة ضريبية لتمويل النفقات الجارية وتأمين عودة الدولة الى مباشرة عملها وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. أما اليوم، ومع بروز تحديات وتطورات جديدة، لا بد من إعادة النظر بالنظام الضريبي الحالي لتطويره وزيادة فعاليته.
وقد حقق لبنان تقدماً ملحوظاً لجهة الإيرادات الضريبية، لا سيما بعد إدخال الضريبة على القيمة المضافة في شباط من العام 2002، والضريبة على الدخل من رؤوس الأموال المنقولة في 2003. فبين العام 1997 و2003، زاد مجموع الإيرادات الضريبية من 11.7% من الناتج المحلي الى 16.6%، أي بزيادة 68%. وشكلت الضريبة على القيمة المضافة في عام 2003 حوالي 30% من مجمل الإيرادات، بينما شكلت الضريبة على الدخل من رؤوس الأموال المنقولة حوالي 18% من مجموع ضريبة الدخل.
ونحن اليوم نقوم بتحصيل عدد لا بأس به من الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وتهدف كل من هذه الضرائب الى تأمين الحد الأكبر الممكن من الإيرادات وتأمين الفعالية في التطبيق والتحصيل.
لكن إذا نظرنا الى نظامنا الضريبي الحالي بشمولية أكثر، وقمنا بمراجعة للضرائب المباشرة وغير المباشرة مجتمعة، نجد أنه بالإمكان إدخال بعض التعديلات على النظام الحالي التي من شأنها زيادة الإيرادات والفعالية في التطبيق. لذلك، فإن إعادة النظر بالنظام الحالي تهدف الى:
* خلق توازن أكبر بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة.
* إعادة النظر بالوقع الضريبي على مختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف القطاعات الإنتاجية، لجعله أكثر إنصافاً وأكثر عدالة، حيث أمكن.
* تبسيط هيكلية النظام الضريبي تماشياً مع التطورات على الساحة العالمية في مجال الإصلاح الضريبي.
* تفعيل الإدارة الضريبية وتحسين وتسهيل الجباية، عوضاً عن هدر جهد ووقت المراقبين وموظفي وزارة المالية في إدارة وجباية ضرائب ورسوم لا تأتي على الخزينة بالإيرادات المهمة، وتكبيد المكلفين في غالبية الأحيان مصاريف غير ضرورية، بالإضافة الى المجهود النفسي وإضاعة الوقت في ملاحقة الطلبات والمعاملات.
* إيجاد مصادر إيرادات جديدة، لا سيما تلك الإيرادات المهدورة والتي من المفترض أن تعود الى الخزينة، مع الأخذ في الاعتبار معايير العدالة والفعالية والتحديث المذكورين أعلاه.
2 ـ وضع برنامج إنمائي للمستقبل
تطبيق برامج الخصخصة
لقد خلف النزاع الأهلي الذي دام نحو 15 عاماً دماراً هائلاً في البنية التحتية والمساكن وهجّر السكان وأضعف المؤسسات. وفي أواخر العام 1992، أطلقت الحكومة اللبنانية برنامجاً واسعاً لإعادة إعمار وتأهيل وتوسيع البنى التحتية، إضافة الى إعادة تأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية للمواطن اللبناني.
ويعتبر حجم الانفاق الاستثماري الذي قامت به الدولة بين 1992 ـ 2003 المقدر بـ8.5 مليارات دولار أميركي، وعلى أهميته، صغيراً، مقارنة بالأضرار التي نجمت عن النزاع الأهلي والحاجات الملحة التي برزت في مطلع السبعينات، إذ قدرت الأمم المتحدة حينها الأضرار التي لحقت بالأصول المادية بـ25 مليار دولار أميركي.
بشكل عام، إن جهود إعادة إعمار وتطوير وتوسيع البنية التحتية المادية والاجتماعية عكست الى حد بعيد الأهداف االتي وضعتها الحكومة عند إطلاق البرنامج، لا سيما تأمين البنية التحتية الأساسية بقصد تأمين قاعدة للقطاع الخاص، المغترب والمقيم، تمكنه من إطلاق عجلة النمو وقيادة إعادة بروز لبنان كمركز إقليمي للتجارة والخدمات.
النتائج الأولية لبرنامج إعادة الاعمار والتأهيل كانت جيدة الى حد بعيد. بالفعل، لقد نجحت الدولة بإعادة بناء وتأهيل مجمل الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية جراء الحرب، كما باشر القطاع العام بتقديم الخدمات وتأمين الخدمات التربوية والصحية الأساسية.
ـ إن إعادة تأهيل عمليتي توليد وتوزيع الكهرباء في بيروت الكبرى أنجزت بسرعة.
ـ تم تأمين المياه 24 ساعة يومياً الى حوالي 90% من الشعب اللبناني.
ـ أعيد تأهيل إمدادات المياه والصرف الصحي في كافة أرجاء لبنان.
ـ تم استكمال عملية جمع النفايات في بيروت الكبرى وطرابلس.
ـ تم وضع الاستثمارات الضرورية لعودة الكهرباء 24 ساعة يومياً.
ـ تم تأهيل المدارس المهنية في كافة أرجاء لبنان، وإنشاء عدد كبير من المدارس والمستشفيات في جميع المناطق اللبنانية.
ـ تم تدريب وتأهيل أكثر من 9000 طالب وأستاذ.
ـ إعادة اعمار وتأهيل المنازل المتضررة جراء النزاع الأهلي سمحت لمهجرين بالعودة الى ديارهم.
ـ حوالي 85.000 مواطن استفادوا من برامج الاسكان.
ولا بد اليوم، وبعد إرساء الأسس الأولية لإعادة الاعمار والتأهيل، من أن نقوم بتحديد الحاجات المتبقية ووضع برنامج استثمار للمستقبل. ومن أجل وضع برنامج سليم للسنوات المقبلة، لا بد من إجراء عملية مراجعة لبرنامج 1992 ـ 2003، ليس فقط لتقييم النجاحات والانجازات، بل الأهم من ذلك، لتقييم أماكن الخلل والاخفاقات حتى لا يتم تكرارها مجدداً في المستقبل.
تقييم الإنفاق الاستثماري
للسنوات 1992 ـ 2003
نستنتج بعد مراجعة برنامج 1992 ـ 2003 أن خزينة الدولة والاقتصاد اللبناني لم يستفيدا من الانفاق الاستثماري الذي حصل خلال هذه الفترة. وهذه الخلاصة تبينها الحقائق التالية:
1 ـ إن عدد المشاريع التي لا يزال تنفيذها غير مكتمل كبير جداً (ما قيمته 1.2 مليار دولار أميركي من مجمل التمويل الخارجي). وتجدر الاشارة هنا الى أن العديد من هذه المشاريع غير المنجزة كلياً تحقق منافع اقتصادية، وإن كانت غير كاملة. لذلك، من الضروري جداً استكمال هذه المشاريع لتحقيق كامل الفائدة الاقتصادية المرجوة منها.
2 ـ الاستثمارات المهمة في قطاعي الطاقة والاتصالات (أكثر من 2 ملياري دولار أميركي، أو ما يقارب 25% من مجمل الـ8.5 مليارات دولار نفقات استثمارية في 1992 ـ 2003) لم تحقق كامل النتائج الممكنة والمرجوة.
3 ـ صيانة الطرق التي تم تأهيلها لا تتم بطريقة جيدة أو بصورة دورية، وقد تم استثمار مبالغ هامة في إعادة تأهيل وتطوير الطرقات.
4 ـ الاستثمارات المادية في القطاعات الأخرى، لا سيما القطاعات الاجتماعية، لم يواكبها تطوير مؤسساتي أو سياسة إصلاحية بالمستوى المطلوب.
5 ـ لا يزال مستوى إدارة وعمليات تشغيل المرافق المملوكة من الدولة والخدمات العامة متدنياً نسبياً، وتتراوح من نوعية إدارة مقبولة نسبياً في قطاع الاتصالات الى متدنية في قطاع الطاقة.
نتيجة لما تم ذكره أعلاه، نستنتج أن لبنان لم يستفد كاملاً أو لم يحقق كامل المنافع أو النتائج المرجوة من النفقات الاستثمارية المهمة التي حصلت في العقد الأخير.
حيث إن جزءاً كبيراً من هذه النفقات الاستثمارية كان في قطاعات الاتصالات والطاقة والنقل، وشكلت حوالي ثلثي النفقات الاستثمارية لمجلس الانماء والاعمار في الفترة 1992 ـ 2003، من المجدي إجراء مراجعة تفصيلية للاستثمارات في هذه القطاعات الثلاث من أجل تحديد الحاجة لمزيد من الاستثمارات في المستقبل وحجمها.
قطاع الاتصالات
الاستثمارات التي حصلت في قطاع الاتصالات أمنت تغطية لبنان بشكل جيد مع 1.7 مليون خط ثابت ومليون خط خليوي. كانت كلفة الاستثمارات في شبكة الخطوط الثابتة عالية نسبياً، إذ أن مصادر التمويل كانت معظمها محلية ذات معدلات فائدة عالية.
إضافة الى ذلك، إن عملية تطوير القطاع لم تواكبها عملية التسويق المؤاتية. كما أمن عملية التحقق (Billing)، التحصيل، وخدمات المستهلك لا تزال جميعها دون المعايير المطلوبة، ونتيجة لهذه العوامل وغيرها، بما فيها اسياسة المتبعة لجهة التعرفة، نجد أن ايرادات وأرباح الخطوط الثابتة لا تزال دون المعدلات الممكن تحقيقها في إطار نظام حديث ومتطور.
لذلك، إن برنامج خصخصة القطاع من شأنه أن يعزز بشكل ملحوظ مساهمة القطاع في مالية الدولة. ولعل خصخصة قطاع الخطوط الثابتة هو أكثر ضرورة اليوم من خصخصة قطاع الخطوط المحمولة، مع التأكيد على أهمية الأخير في عملية خفض الدين. والتقديرات الحالية تشير الى أن خصخصة الخطوط الثابتة من شأنها أن تساعد الدولة على استرجاع جميع المبالغ التي تم استثمارها في القطاع، بما فيها الفائدة المتراكمة على مصادر التمويل المحلية. وهذا من شأنه أن يخفض بشكل ملحوظ كلفة الفائدة المتوجبة على الدولة سنوياً. إن تخفيض كلفة الفائدة السنوية من جهة والايرادات المرتقبة من عملية الخصخصة ومن الضرائب على الشركات التي ستستلم القطاع من جهة أخرى سيحققان للخزينة إيرادات أعلى بكثير مما يتم تحقيقه حالياً في هذا القطاع. كما من شأن الخصخصة تحسين الخدمات للمواطن وتخفيض كلفة الاستهلاك.
قطاع الطاقة
تشكل الاستثمارات التي قام بها لبنان في قطاع الطاقة حوالي 3 مليارات دولار أميركي، بما فيها تحويلات الخزينة الى شركة كهرباءلبنان لتغطية الديون المترتبة عليها وجزء من كلفة التشغيل، لكن دون احتساب كلفة الفائدة المتراكمة على هذه الاستثمارات. وفي نهاية عام 2004، شكل مجموع الاستثمارات وتحويلات الخزينة والفوائد المترتبة على هذه الاستثمارات في هذا القطاع جزءاً مهماً من مجموع الدين العام.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على برنامج إعادة الاعمار، لا يزال لبنان يعاني من انقطاعات متكررة في الكهرباء، وهذا لا يعود الى نقص في طاقة التوليد، إذ لبنان لن يحتاج طاقات توليد إضافية قبل العام 2010.
إن السبب وراء الانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي هو التأخر في توسيع شبكة النقل والتوزيع، بما فيها مركز التحكم الكهربائي، ونوعية عمل كهرباءلبنان في مختلف المجالات. وعلى سبيل المثال، يهمنا الاشارة هنا الى أن الايرادات المحصلة حالياً من شركة كهرباءلبنان لا تكفي حتى لتغطية كلفة الفيول وحده، وعلى الدولة تسديد كلفة الاستثمارات في القطاع وخدمة الدين جزء من الكلفة التشغيلية.
وبالتالي، لم يتمكن لبنان حتى اليوم من الاستفادة من كامل مردود الاستثمارات التي قام بها في هذا القطاع، لا سيما وأن الطاقة المنتجة حالياً يتم استعمالها بشكل جزئي بسبب التأخير الكبير في استكمال الاستثمارات في عمليتي النقل والتوزيع، والأسوأ من ذلك، فإن القطاع لا يزال يشكل عبئاً على الخزينة، ويساهم في عجز الخزينة وتراكم الدين، من الضروري جداً اليوم خصخصة القطاع (عمليتي التوليد والتوزيع)، بالسرعة الممكنة والمرجوة، وتحويل شركة النقل المملوكة حالياً من الدولة الى شركة مساهمة وتسليم الادارة للقطاع الخاص. وهذه العمليات من شأنها أن تأتي بمردود عال جداً للاقتصاد اللبناني ومالية الدولة.
من غير المبرر أو المقبول اليوم، وبعد استثمار مبالغ طائلة في قطاع الطاقة، أن يبقى القطاع على الحالة التي هو عليها اليوم. لذلك، نحن نرى أن الحل الأنسب والأفضل هو بالخصخصة لتوفير الخدمة وتحسين النوعية.
إضافة الى ذلك، إن التقديرات الحالية تشير الى أن باستطاعة لبنان استرداد جزء كبير، إن لم يكن كافة الاستثمارات في عمليتي التوليد والتوزيع، من خلال خصخصة هاتين العمليتين. وحتى في حال لم يتم استرداد كافة الاستثمارات وكلفة الدين المترتبة عنها، فإن عمليتي الخصخصة سيكون لهما انعكاسات إيجابية لجهة خفض الدين العام وبالتالي على كلفة الفائدة السنوية المترتبة على الخزينة، إضافة الى إلغاء التحويلات التي تقوم بها الدولة الى شركة كهرباء لبنان. وكما أن التقديرات الحالية تشير الى أنه يجب بيع الأصول المادية. وتجدر الاشارة هنا إلى أن عملية الخصخصة حسب الأصول يجب أن تجري من دون تحميل المستثمر الديون المتراكمة على هذا القطاع. والسبب وراء ذلك هو أن معظم الديون المتراكمة نتيجة الاستثمار في القطاع هي ديون خارجية ميسرة وبفائدة أقل من معدل فائدة الدين العام.
قطاع النقل
وصل مجموع النفقات الاستثمارية في قطاع النقل الى حوالي 2 ملياري دولار أميركي، أو ما يوازي 25% من مجمل النفقات الاستثمارية في فترة 1992 ـ 2003.
ولبنان اليوم يتمتع بشبكة نقل جوي حديثة وعصرية، ساهمت في إعادة النشاط السياحي الى البلد، لا سيما خلال الأعوام 2002 و2004 التي شهدت زيادة ملحوظة في عدد السياح وخصوصاً العرب، كما يتمتع لبنان بشبكة طرق متطورة جداً مقارنة بالمعايير الدولية.
لكن أيضاً، لم يستطع لبنان حتى اليوم الاستفادة كاملاً من الاستثمارات في قطاع النقل، لا سيما النقل البري، إذ أن عمليتي صيانة وإعادة تأهيل الطرقات لم تكن دورية أو بالجودة المطلوبة، فكلفة الصيانة وإعادة التأهيل عالية والموازنة الملحوظة لهذا الشأن لا تكفي.
القطاعات الأخرى
شكلت الاستثمارات في قطاعي المياه والبيئة وفي القطاعات الخدماتية (الصحة والتعليم) حوالي ثلث النفقات الاستثمارية لمجلس الانماء والاعمار في الفترة 1992 ـ 2003، وتركزت معظمها على إعادة إعمار المنشآت والأصول المادية. فيما يتعلق بقطاع التعليم، فإن النفقات الملحوظة للتعليم بما فيها الثانوي والمهني والتقني كانت أقل بكثير مما تم تخصيصه للتعليم العالي. وهذه الاستثمارات جميعها، وعلى أهميتها، لم يواكبها تطور مؤسساتي إداري بالمستوى المطلوب، الأمر الذي حال دون تحقيق الفائدة القصوى المرجوة منه. وباستثناءات قطاع المياه، فإن قطاعات البيئة والصحة والتعليم لا تتطلب استثمارات كبيرة، بل المطلوب هنا إعادة النظر بالبنية المؤسساتية والقطاعات بهدف الاستفادة من الاستثمارات التي حصلت سابقاً في الأصول المادية. أما قطاع المياه، فيطلب جهوداً كبيرة ودراسة جدية واستثمارات كبيرة ستشكل الجزء الأكبر من برنامج الاستثمار المستقبلي. لذلك، لا بد من إشراك القطاع الخاص في الاستثمارات المرتقبة في قطاع المياه. وهذه الخطوة، إضافة الى خصخصة قطاعي الطاقة والاتصالات من شأنها أن تحرر بعض الموارد المالية التي يمكن استثمارها في تطوير وتحديث القطاعات الأخرى الأساسية، لا سيما قطاعي الصحة والتعليم.
البرنامج الاستثماري
المستقبلي
تتركز جهودنا المستقبلية على تقييم الحاجات والثغرات بهدف توزيع الموارد المالية بصورة سليمة وواضحة على المشاريع والبرامج التي تحتاج الى تمويل. فقطاعات المياه والصرف الصحي والبيئة تتطلّب اهتماماً فورياً، كما أن قطاع النقل يتطلّب اهتماماً خاصاً، لا سيما في غياب نظام متطوّر للنقل العام وإدارة السير ومستوى صيانة مقبول به.
وهنا لا بد من استكمال الاستثمارات التي بدأنا تنفيذها سابقاً في قطاعي الطاقة والاتصالات. وإذا ما أخذنا في الاعتبار تنفيذ عمليات الخصخصة في كل من القطاعين، فإن تركيبة البرنامج الاستثماري ستتغير بشكل ملحوظ. أما ما يتعلق بقطاع الطاقة، سنعمل على حصر الاستثمارات في استكمال برنامج نقل الطاقة إضافة الى إعادة تأهيل أقسام التوليد. لبنان لن يحتاج الى طاقة جديدة قبل حلول العام 2010، وبالإمكان إيلاء عمليتي التوليد والتوزيع الى القطاع الخاص. أما لجهة قطاع الاتصالات، فإن القيام باستثمارات جديدة مع اقتطاع حصة للدولة من إيرادات القطاع غير محبذة على الإطلاق لما سيكون لها من انعكاسات سلبية على وضع المالية العامة. ومن المجدي أكثر تخصيص القطاع وإخضاع الأرباح المحققة للضريبة. ومن الضروري اعتماد خطة كاملة وشاملة لقطاع المياه مع التركيز على مسألة توزيع الموارد المائية بين الريّ والاستعمالات الأخرى. كما يجب تقليص حجم الاستثمارات الملحوظة لمشاريع حفظ المياه والريّ. فيما يتعلق بالنقل البري والطرقات، لا بد من خلق توازن بين الاستثمار في شبكات طرق جديدة وتأهيل وصيانة الشبكات الموجودة حالياً. ولا بد من إجراء مراجعة مفصّلة للبرامج والخطط الموضوعة لقطاعي المياه والنقل وتكثيف التنسيق بين مجلس الإنماء والإعمار والوزارات المعنية (الوزارات القطاعية ووزارة المال).
إن لدى لبنان الفرصة والإمكانية لزيادة الفائدة والمردود من النفقات الاستثمارية التي تمّت في السابق، والقيام باستثمارات جديدة في القطاعات حيث دور القطاع الخاص محدود، خصوصاً القطاعات والمناطق التي لا يزال لها احتياجاتها. وهنا يواجه لبنان تحديات ثلاثة:
1 ـ تحقيق أهداف المالية العامة المرجوة وتقليص حجم الدين العام عبر تطبيق برامج الخصخصة المشار إليها في الالتزامات التي تقدم بها لبنان من المجتمعين في مؤتمر باريس2.
2 ـ الاعتماد بشكل كبير على مصادر التمويل الخارجية لتمويل البرنامج الاستثماري الجديد، من خلال تحسين استعمال القروض الخارجية المتوفرة، والاعتماد على مصادر تمويل خارجية للمشاريع قيد التنفيذ أو قيد الدرس، عوضاً عن الاعتماد على مصادر داخلية (موازنة الدولة).
3 ـ تخفيض الالتزامات والاعتمادات الملحوظة في الموازنة للنفقات الاستثمارية والتي تتطلب تمويلاً داخلياً. ومن أجل وضع برنامج استثماري سليم للمستقبل والحفاظ على الاستثمارات التي قمنا بها سابقاً، لا بد من التركيز على تطوير المؤسسات وتحسين عمليتي الصيانة والإدارة.
لا بد إذاً من إجراء مراجعة شاملة للالتزامات الحالية وللمشاريع والبرامج قيد التنفيذ وإعادة ترتيبها وفقاً للخطوط المذكورة أعلاه. وهذه خطوة أساسية يجب القيام بها قبل وضع البرنامج الاستثماري الجديد. كما يجب أن تكون مراجعة البرامج والمشاريع الحالية تفصيلية ودقيقة في بعض القطاعات، كقطاعي المياه والطرقات، بهدف توجيه المبادرات والمشاريع الجديدة حيث توجد الحاجة الأمس لذلك. كما يجب الأخذ في الاعتبار أن مجموع الموارد المالية للبرنامج المستقبلي ممكن أن يكون أقل مما هو مقدّر إذا لم تتم عمليات الخصخصة وإذا لم تسلك التطورات المالية الطريق المرجوة.
3 ـ تحسين وضع المالية العامة
إن التحدي المالي الأساسي الذي يواجه الاقتصاد الوطني في المستقبل المنظور هو العجز المستمر في خزينة الدولة وتنامي حجم الدين العام وكلفة خدمته. وهنا، لا بد من التأكيد أنه من غير الممكن حل هذه المعضلة الاقتصادية بعصا سحرية أو بإجراء يتم بين ليلة وضحاها. لذلك علينا اتخاذ رزمة إجراءات ومتابعة تنفيذها بمثابرة مستمرة من أجل وضع الإطار العام لحل هذه المشكلة في المدى المتوسط. وفي هذا الإطار، لا يمكن تصور أي حل لمشكلة المديونية وعجز الخزينة خارج إطار تحفيز النمو وزيادة حجم وديناميكية الاقتصاد الوطني. ولذلك علينا المضي قدماً بتطبيق الإجراءات المذكورة في هذا البرنامج من أجل تحفيز النمو وزيادة إنتاجية الاقتصاد الوطني. وعند تحقيق معدلات نمو مستدامة سيكون باستطاعتنا حينها إزالة العجز في الحساب الجاري للخزينة (باستثناء الانفاق الاستثماري) في غضون أربع سنوات. وبالإضافة الى تحفيز النمو وزيادة إنتاجية الاقتصاد الوطني، علينا:
أولاً، العودة الى الالتزامات التي تقدم بها لبنان من المجتمع الدولي في مؤتمر باريس2، ومن أهمها تنفيذ برنامج الخصخصة (المشار إليه أيضاً في البرنامج الاستثماري أعلاه). إن هذه الخطوات من شأنها تفعيل وتحسين نوعية الخدمات الى المواطن، إضافة الى تخفيض حجم الدين من خلال طريقتين إثنتين:
1 ـ إن الإيرادات المرتقبة من بيع الأصول المادية ستستعمل مباشرة لتخفيض حجم الدين العام، الأمر الذي سيؤدي الى تخفيض في كلفة خدمة الدين وبالتالي تخفيض في معدلات الفائدة.
2 ـ إلغاء تحويلات الخزينة الى بعض المرافق أو المؤسسات العامة التي تعاني عجزاً في ميزانيتها كشركة كهرباء لبنان، وبالتالي تخفيف العبء المالي التي تشكله هذه المرافق على خزينة الدولة.
ومن الضروري هنا الإشارة الى أنه يجب أن تتضمن جميع عمليات الخصخصة المشار إليها سابقاً بيع جزء من اسهم الملكية الى الجمهور، ليس فقط لتأمين الشفافية، بل أيضاً ليصبح الجمهور معني مباشرة بالمؤسسات التي ستتم خصخصتها. وقد أظهرت التجارب الدولية في مجال الخصخصة أن هذه العمليات من شأنها تحسين فعالية المرافق والمؤسسات التي تخضع لها، إضافة الى زيادة إيرادات الخزينة من خلال فرض ضريبة على المرافق المخصخصة والتي أصبحت أكثر ديناميكية وأكثر إنتاجية وفعالية.
ثانياً، تفعيل الإيرادات. فبالإضافة الى عملية مراجعة وتقييم النظام الضريبي التي أشرنا إليها سابقاً، سنعمل على:
1 ـ إعادة النظر بالتوازن الحالي بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، مما سيسمح من جهة بإيجاد نظام ضريبي أكثر عدلاً، ومن جهة أخرى بتأمين إيرادات أعلى للخزينة.
2 ـ تحسين الطواعية الضريبية (tax elasticity). عند إعادة النظر في التوازن الحالي بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، لا بد من العمل على تحسين الطواعية الضريبية، مما سيسمح، في حال النجاح في تحقيق معدلات أعلى من النمو، باقتطاع إيرادات ضريبية أكبر لصالح الخزينة. كما أن التجارب السابقة أثبتت أن الاقتصاد اللبناني يتجاوب بسرعة مع التطورات الإيجابية. إن تحقيق معدلات مستدامة من النمو من شأنه زيادة مستويات الناتج المحلي، مما سيساهم في تخفيض معدلات الدين العام الى الناتج المحلي، إضافة الى زيادة طبيعية في الإيرادات الضريبية نتيجة التحسن في النشاط الاقتصادي.
3 ـ إلغاء ما يسمى بـ"الصناديق السوداء". خلال السنوات الماضية، كان هناك هدر لبعض إيرادات الخزينة. وكان هناك مزاريب هدر في العديد من المؤسسات العامة وما أصبح معروفاً بالصناديق السوداء. إن إلغاء هذه الصناديق وإعادة الأموال المهدورة الى الخزينة من شأنه زيادة مجموع الإيرادات السنوية.
ثالثاً، ترشيد الإنفاق وتقليصه حيث أمكن. وفي هذا الإطار نقترح العمل على:
* تحديد دور الدولة وكلفتها، واتخاذ إجراءات أولية لمعالجة التضخم الحاصل في القطاع العام. إضافة الى إعادة النظر بفلسفة الخدمة العامة بحيث يصبح المواطن الهدف الأول والأخير الذي من أجله تعمل الدولة، ومحور سياستها وقراراتها، وأن تكون الدولة بكل مؤسساتها في خدمة المواطن، عوضاً أن تبقى في خدمة نفسها وخدمة موظفيها.
* تقييم عمل المؤسسات العامة والصناديق والمجالس وإعادة النظر بعددها وبعملياتها والكلفة المترتبة عنها.
* توحيد وعقلنة الصناديق والعطاءات الصحية في القطاع العام للحد من الاستفادة المزدوجة.
* استحداث نظام تقاعدي مشترك لموظفي القطاعين العام والخاص بحيث تصبح الدولة رب عمل يتحمل أعباء أرباب العمل في مؤسسة الضمان الاجتماعي، على أن يطبّق هذا النظام الجديد على المنتسبين الجدد الى القطاع العام.
* ترشيد الإنفاق اليومي.
كما أن الإجراءات التي سيتم اتباعها لدى وضع البرنامج الاستثماري للمستقبل من شأنها الحد من النفقات. أضف الى ذلك، الانخفاض في الانفاق الذي سينتج عن عمليات الخصخصة التي سبق وأشرنا إليها، والتي بدورها ستؤدي الى خفض في معدلات الفائدة وبالتالي تقليص كلفة خدمة الدين.
ويوجد ضرورة هنا لأن يتوافق اللبنانيون فيما بينهم على الدور الذي يريدون للدولة أن تلعبه وحجمها، مع العلم أن حجم الدولة اليوم، مقارنة بالخدمات التي تقدمها، يشكّل عبئاً على عمل القطاع الخاص وعلى الاقتصاد الوطني، وذلك نظراً لحجم لبنان وحجم الاقتصاد اللبناني.
خلاصة
لعل أمام لبنان فرصة جديدة لإعادة صياغة دوره في الألفية الثالثة وتعزيز موقعه الاقتصادي، وذلك عبر مجموعة من الإصلاحات التي لا بد من المضي قدماً بها، والمشار إليها في البرنامج المذكور أعلاه.
وفي حال وجود سلطة تنفيذية متجانسة وذات مصداقية عالية، محلياً ودولياً، وفي حال أعادت هذه السلطة صياغة توافق وطني حول برنامج إصلاحي جديد، وفي حال التزم لبنان بتنفيذ هذا البرنامج، وعمل فعلاً بجميع طاقاته ومؤسساته على تنفيذه كاملاً، سيتمكن اللبنانيون من مواجهة المشاكل المالية والنهوض بالاقتصاد الوطني وإطلاق الدورة الاقتصادية.
(انتهى)

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | شباب | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005