|
الكتاب: ديناميكيات النزاع في العراق الكاتب: فريق أبحاث الناشر: معهد الدراسات الاستراتيجية
في تقييم استراتيجي لديناميكيات النزاع في العراق، يقدّم فريق أبحاث برئاسة الدكتور فالح عبدالجبار في كتابه "ديناميكيات النزاع في العراق"، مقاربة منهجية للأبعاد البنيوية للعنف الدائر في بلاد الرافدين، وللقوى الحزبية ـ الطائفية المتناحرة، من خلال تحليل موضوعي لمواقف هذه الأطراف وطموحاتها ومحفزاتها في عملية التحوّل الجارية في العراق، لا سيما وقد اقترن النزاع التنافسي بين هذه القوى على الحصص والمنافع بعملية ثلاثية الأبعاد، أولاً: إعادة بناء الأمة، وثانياً: إعادة تشكيل هيكلية الدولة، وثالثاً: إرساء الاستقرار. وإذا كان هذا هو حال الطوائف والجماعات فإن الحل الاستراتيجي لنزاعها يمكن أن يتحقق عبر تشكيل نظام سياسي ديموقراطي، تعددي، فيدرالي، ولا مركزي، يمتاز بمشاركة واسعة من شرائح اجتماعية عابرة للطوائف والإثنيات، ولكن مثل هذا الأفق يبقى بعيد الأمد في بلد كالعراق سمته الأساسية العنف، ماضياً، حاضراً ومستقبلاً. ومن الطبيعي رؤية أن الأطراف الدولية، الرئيسية الفاعلة على الأطراف، والمهتمة بصنع السلام، بحسب تقييم الباحثين، هي أطراف منخرطة في هذا العنف.. والنزاع، لا سيما وأن منابع النزاع هذه سابقة على الاحتلال الأميركي للعراق، ما أدى الى تداخل بين ديناميكيات النزاع الكامن مع الديناميكيات التي أرساها الاحتلال. قبل الاحتلال، كانت الاستياءات الإثنية ـ الطائفية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، تشكّل ردود فعل ضد الدولة بصفتها الطرف الأبرز، والمنظم، والمالك لمعظم ثروة النفط. أما بعد الغزو فقد كان من الطبيعي أن تتجه هذه الاستياءات تدريجاً، ضد سلطة الاحتلال ومجالسه الحكومية العراقية التي نصّبها، صفة احترام بين الجماعات الطائفية ـ الإثنية أو في داخلها. كما توجهت المقاومة ضد قوات الاحتلال المتعددة الجنسيات في العراق الى حدودها القصوى ما دفع الأطراف الحكومية والحزبية التي استفادت من وجود الاحتلال الى اعتبار هذه المقاومة عائق أمام مطامحها وتطلعاتها الى تغيير في بنية النظام السياسي الذي كان قائماً قبل الاحتلال، وفي ظل ذلك النظام عانى "الأكراد والشيعة" من التهميش السياسي نسبياً. فلم يكن تمثيل أي من المجموعتين ذا معنى يذكر في المؤسسات السياسية. وكانت المشاركة محدودة وانتقائية وتخضع بالكامل لسيطرة النخبة الحاكمة. على العموم، خضعت آليات ومساحات المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لنظام دولة تسلطية، تعتمد فيها نخبة حاكمة على قاعدة اجتماعية بالغة الضيق. وقد تحطمت ادعاءات الوحدة الوطنية في العام 1991 إثر الانتفاضات التي حصلت في الجنوب والشمال. في هذا المنحى، طوَّر الشيعة تحدياً إسلامياً أصولياً نضج تحت تأثير الثورة الإيرانية في العام 1979، وبات التعبير عن معاناتهم يرتدي بالتدرج صبغة طائفية. ومن جهتهم، طوّر الأكراد أيضاً سياسات إثنية. فبعد تمرد العام 1991، تحقق الاستقلال الذاتي الكردي كأمر واقع، وضاعف من ترسيخ الهوية الإثنية الكردية التي أدت للمرة الأولى في تاريخ العراق الى تسييس هويات إثنية أخرى، ولا سيما التركمان والآشوريين. تشير هذه القراءة الى أن كل الجماعات المنزوعة الحقوق السياسية، سواء أكانت صغيرة أو كبيرة، تتمتع بهويات جماعية ومحلية ذات نزعات إما توحيدية أو تقسيمية. وتتداخل المنافسة بين الجماعات لتأمين ما تعتبره حصتها الشرعية في النظام الجديد، مع المناورة داخل كل جماعة للهيمنة على حق تمثيل هذه الجماعة. وتبدو التحالفات المتقاطعة بين الجماعات جلية: فيميل التركمان الإسلاميون الى الاتحاد مع السنّة أو الشيعة، الذين يشاركونهم المذهب نفسه. كما أن الإسلاميين الأكراد منقسمون أيضاً. لكن القوى السياسية العابرة للإثنيات والطوائف باتت ضعيفة بشكل عام، على الرغم من أن الطبقة الوسطى طبقة الأعمال تشكلان الفضاء الاجتماعي العابر للإثنيات والطوائف. وبينما سعت كل المجموعات الى التعويض إما عن معاناتها التاريخية أو المعاناة التي برزت حديثاً، لا يمكن أن يتخلى البعثيون السنّة عن تفوقهم السابق. فالنخب ذات الامتيازات التي احتلت الصدارة قرابة نصف قرن تقريباً، تنظر، ولا سيما القوى المؤسساتية فيها (الدولة والحزب)، الى إعادة رسم النظام السياسي، وبناء مؤسسات المشاركة الوطنية الشاملة، على أنها لعبة تنطوي على ربح للغير وخسارة للنفس. ولما كان التغيير قد جاء من خارج البلاد ولم يأتِ من داخلها، فإن التعبير عن الاحتجاج يتم بلغة إسلامية قومية. قد يفيد ذلك أهدافاً عدة: 1 ـ حجب المآرب الخاصة لقوى العودة للنظام القديم؛ 2 ـ توسيع أفق التغيير ليشمل المستوى الوطني كله؛ 3 ـ جذب الإسلاميين؛ 4 ـ التشكيك في وطنية الجماعات الأخرى على أساس أنها متعاونة مع الاحتلال؛ 5 ـ منع مجموعات سنية أقل عنفاً من المشاركة في المرحلة الانتقالية. لم تكن المشاعر المذهبية يوماً ضعيفة بين السنّة ككل، لكن تسييس هذه الميول المذهبية أمر جديد. وقد جاء رداً على تسييس الهوية الشيعية، تعززها المخاوف السنّية من التهميش عبر مبدأ "حكم الأغلبية" أو عبر مبدأ المحاصصة الطوائفية. ليس انهيار الجيش وبنى السلطة الأخرى، حيث كان السنّة يهيمنون، هو وحده الذي عزز تصوّر السنّة أنهم أصبحوا أقلية غير فاعلة، بل ترسخ هذا الإحساس بفعل تقليص حصتهم في مؤسسات الدولة الجديدة.
|