المسيحيون في العراق... هوية ومصير مكتوب بالدم المستقبل - الاحد 2 أيلول 2007 - العدد 2721 - نوافذ - صفحة 11
جهاد صالح إن أكثر ما يعتبر مأسوياً هو رفض الحق الأساسي لجماعات أثنية، وأقليات قومية في الوجود، وممارسة طقوس العقيدة. ولهذا يجري قمعها أو ترحيلها بعنف، أو السعي الى إزالة هذه الهوية القومية الأثنية من الوجود، فهل يمكننا أن نلتزم الصمت حيال هذه الجرائم ضد الانسانية، خصوصاً ما نشهده من عمليات إزالة مختلفة الأشكال للمسيحيين في العراق على يد الجماعات التكفيرية والأصولية المتطرفة؟ لنعد الى التاريخ، حيث يجمع الكثير من المؤرخين والباحثين حول الوجود المسيحي في العراق، بأنه يمتد الى قرابة ألفي سنة تقريباً، وهم يعتبرون من قدامى العراقيين، بل من قدامى المسيحيين في العالم، ويعتبر القسم الشمالي من (موزوبوتاميا) أي بلاد ما بين النهرين، المركز الحقيقي لكل المسيحيين في الشرق، حيث تنتشر فيها أعرق الكنائس والأديرة القديمة التي يعود تاريخها الى بدايات القرن الأول الميلادي. وهناك تقليدان عن دخول المسيحية الى العراق، أحدهما ينسب البشارة الأولى للمسيحية للقديس توما الرسول، والآخر يقول إن القديسين (أداي وماري) هما اللذان بشّرا في أعالي ما بين النهرين ثم نزلا جنوباً عبر حوض ما بين النهرين، ويرجع ذلك الى نهاية القرن الأول المسيحي. وقد دافع المسيحيون العراقيون الأوائل عن وجودهم ومعتقداتهم دفاعاً مستميتاً حسب ما يقوله المؤرخ العراقي سيار الجميل، وما زال الكثير من القصص والملاحم تتناقلها الألسن حول المسيحية منها قصة مار بهنام والذي يسمى الشهيد وأخته ساره. وتقوم الناس بزيارة دير ما ر بهنام الواقع قرب قرية النمرود التاريخية (30 كم جنوب شرق الموصل) ليتناولوا ذكر ملحمة الشهيدين. ناهيك عن الكثير من قصص وملاحم الرهبان المسيحيين الموصليين الأوائل (مار ميكائيل ـ مار يعقوب ـ مار توما ـ مار متى ـ مار أوراها ـ مار يوحنا)، وتعتبر كنيسة مار بهنام، شرق الموصل، ودير مار متى، شمالها، من الكنائس القديمة (القرن الرابع الميلادي) وأيضا كنيسة مار أسقيا في المَوْصِل (النصف الثاني من القرن السادس الميلادي) إضافة الى عشرات الكنائس القديمة، منها كنيسة الطاهرة والتي أحرقت قبل شهور.ولقد كانت المسيحية مزدهرة أيضا في جنوب العراق وشماله، وتؤكد المراجع أن مدينة الكوفة تضم ضمنها مئات المواقع الأثرية المسيحية (كتاب الكنائس والديارات المسيحية لمحمد الطريحي). وفي مدينة تكريت التي كانت مقراً للسريان، كما أنه تم العثور على كنائس قديمة تحت الأنقاض في كل مرة يقوم نظام صدام بتشييد قصور في تلك المناطق، إضافة الى الكثير من القرى والعائلات المسلمة التي لا تزال تحمل أسماء سريانية قديمة. المسيحيون القدماء في العراق منهم من يعود أصله الى النساطرة أو الجرامقة، وأيضا اليعاقبة والسريان الآراميين الكلدان الآثوريين.ومنهم الآرثوذكس الشرقيون التابعون للكنيسة الشرقية، وهناك مسيحيون عراقيون مغاربة، وهاتان التسميتان تعودان الى الكنيستين النسطورية (شرق حدود المملكة الرومانية يسمى أتباعها بالمشارقة). والآرثوذكسية (غرب حدود المملكة الفارسية يسمى أتباعها بالمغاربة). ثم تحول المسيحيون من هذه التسميات الى حين ظهور الكاثوليكية. ولقد دخل الكلدان الآشوريون السريان الى الكاثوليكية تدريجاً العام 1551م.. وتواجد الأرمن في الموصل منذ القرن الثامن عشر ومن ثم تسربوا في القرن التاسع عشر الى مدينة بغداد. طبعا يتكلم المسيحيون في العراق اللغة العربية والكردية، لكن لغتهم الأساسية هي الآرامية (قرى سهل الموصل) والتي هي لغة السيد المسيح، والتي لا تزال تستعمل في طقوس الكنيسة، وهناك اللغة السريانية التي يتحدث بها الكثيرون. العراقيون المسيحيون من كلدان وسريان وآثوريين وأرمن يفتخرون بعراقيتهم المتأصلة في عمق التاريخ: سومر ـ آكد ـ بابل ـ آشور ـ الدولة الكلدانية... ويزداد فخرهم كون العراق يُعتبر مهداً لولادة المسيحية وذلك على يد رسل السيد المسيح في مدن العراق (بابل ـ ساليق ـ كشكر ـ ميشان ـ حدياب ـ نصيبين ـ داسن ـ زوزان ـ كرخ ـ سلوخ ـ المدائن....). في ظل الخلافة الإسلامية (الأموية والعباسية)، نجد أن المسيحية قد أغنت الحضارة الإسلامية من خلال المسيحيين العراقيين من الشعراء والعلماء والمترجمين والأطباء الذين برعوا في الجراحة وعلم الأدوية، وفي الهندسة والفن والتاريخ والرحلات الأستكشافية والزراعة والصناعات وفي فن البناء والسفتجة والتجارة وعلاج الأسنان والحدادة والنجارة وصناعة الحلويات والمعجنات وفن التطريز والتمريض والتعليم. ولقد حافظ الإسلام في العراق على المسيحيين شركائهم وعاملوهم معاملة حسنة وعادلة، وأمّنوا على حياتهم وأرواحهم وأعراضهم وعاداتهم ومراكز العبادة من الأديرة والكنائس، واحترموا عاداتهم وتقاليدهم وصلواتهم. ولقد كان المسيحيون هم أقرب الحاشية من بلاط الخلفاء الراشدين. كما قاموا بنقل الكتب اليونانية الى السريانية ثم العربية، وبرعوا في علم الفلك والغناء؛ ولقد حافظت الكنائس على العديد من الكتب العربية من الاندثار، وتميزوا بنظام الارساليات، فإرسالية الآباء الدومينكان وصلت الى مدينة الموصل سنة 1750م، وقدّموا خدمات طبية وتعليمية وتأسيسهم مدرسة فرنسية (الآباء الدومينكان) التي خرّجت الكثير من المثقفين ونجم عنها نشوء المسرح بالموصل لأول مرة في تاريخ المنطقة. في العهد الملكي كان للعراقيين المسيحيين دور بارز في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية للعراق، وحصلوا على التمثيل في البرلمان وفي مجلس الأعيان، لكن بعد سقوط الحكم الملكي وتواتر الانقلابات العسكرية واشتعال حروب داخلية وخارجية أثّرت سلباً في وضعهم في العراق. ما بين تأسيس الدولة العراقية وظهور حكم البعث 1969 بعد سقوط الملكية وتشكيل دولة العراق الجديد، تفاءل المسيحيون وسعوا الى عتراف الحكومة المركزية بهم، وبدورهم في تأسيس دولة العراق ومساعدتهم في ضم لواء الموصل اليها. وذلك على أمل منحهم بعض الحقوق القومية وتضمينها الدستور العراقي، ولقد ردّت الحكومة عليهم بعنف وذلك من خلال مجزرة بلدة السميل، آب 1993، غرب مدينة دهوك، بحق الآشوريين، حيث قتل أكثر من خمسة آلاف شخص. ولم تتغير المعاناة رغم صدور قرار من الحكومة بمنح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية وأصبح حبراً على ورق بعد ذلك، ورغم أن الدستور العراقي السابق كان ينص على أن العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين العرب والأكراد، ومن قوميات أخرى، إلا أنه، وحسب مرسوم 16/4/1972، الذي وضح بأن المقصود بهذه القوميات الاخرى هي الآشوريون والكلدان الذين يسمّون: السريان. إن محنة المسيحيين العراقيين بجانبيها القومي والديني بدأت على يد النظام البعثي الاستبدادي الذي حكم الشعب العراقي بالحديد والنار طيلة ثلاثة عقود باسم القومية العروبية والحزب الواحد والحاكم الواحد، ورفضه العراق التعددي قومياً وثقافياً وانتهك حقوق الآخر المختلف في الهوية والمعتقد والانتماء، وعامل التكوينات المسيحية الوطنية بعنصرية لامتناهية، لا كطرف يستحق حقوقا قومية وثقافية وحرية دينية، وبدأ بنهج وخطط مبكرة لاستغلال الدين الإسلامي في خدمة إيديولوجية البعث القلب النابض للعروبة بحسب زعمهم (ميشال عفلق). ومارس هذا النهج بحق المسيحية ودفعهم للهجرة الى أصقاع الأرض. ولقد حاول البعث عام 1981 بأن يلزم التلاميذ المسيحيين تعلم القرآن في المدارس، لكن الكنيسة الكاثوليكية للشعب الكلداني مع بقية الطوائف المسيحية في العراق، رفضت تنفيذ القرار الجائر. أما اليوم وبعد سقوط نظام صدام فقد أخذ الاضطهاد في حق المسيحيين داخل العراق يأخذ منحى آخر .اضطهاد تمارسه مجموعات إرهابية ـ قومية وعنصرية، هي من بقايا النظام السابق. ذات الفكر الديني المتطرف أو ما يسمى الإسلام السياسي وتحت تسميات متفرّعة (مقاومة ـ جهاديون ـ بناء امارة إسلامية....). لقد برزت مأساة المسيحيين العراقيين على واجهة الأحداث بعد تعرضهم لعمليات إبادة مخططة وتعرض كنائسهم في عدد من المدن العراقية الى الحرق والتفجير والتخريب، والهجوم المسلح، الى درجة خلت مدينة البصرة وجنوب العراق كله تقريبا من المسيحيين، وأجبر عشرات الآلاف من سكان بغداد المسيحيين الى ترك بيوتهم وأعمالهم وممتلكاتهم، والهرب طلباً للأمان. وكان المسيحيون في منطقة الدورة ببغداد قد أفادوا أن التكفيريين طلبوا منهم من خلال منشورات، الهجرة وترك إمارتهم الإسلامية (الدورة)، أو أن يعتنقوا الإسلام، أو يدفعوا الجزية، كذلك تقوم الجماعات الإرهابية باسم الدين الإسلامي بخطف المسيحيين وطلب فدية قد تصل الى عشرات الآلاف من الدولارات مقابل اطلاق سراح أحدهم، وأيضا القيام بنسف البيوت، وقد قام مسلحون بقتل كاهن كلداني وثلاثة شمامسة بعد انتهاء القداس الشهر الماضي في الموصل ذات الغالبية السنية، وفي تشرين الأول الماضي عثر على جثة الكاهن من طائفة السريان الارثوذكس، باولوس اسكندر (55 عاماً) مقطوعة الرأس في أحد شوارع حي المحاربين وسط الموصل بعد خطفه. يقوم الإرهابيون بخطف العشرات من الطلاب والأساتذة الجامعيين (جامعة نينوى). ولقد كان اصحاب محلات بيع الخمور أول ضحايا التطرف الديني، حيث تنحصر رخص بيعها بالمسيحيين فقط مما جعلهم صيداً سهلاً، ومن لم يلتزم منهم بتهديدات التكفيريين بإغلاق المحل، يكون مصيره القتل في محلّه أو في سكنه وأمام أنظار أسرته. وكانت وسائل إعلام مختلفة قد اتهمت التيار الصدري وحزب الفضيلة قد هددوا أبناء الطائفة المسيحية في البصرة بالقتل والتهجير أو الدخول الى الإسلام. والمسيحيون اليوم يحمّلون حكومة المالكي والجانب الأميركي مسؤولية ما يحدث، وأهمية المحافظة على حياتهم ودينهم من الانقراض، وقد كان قداسة البابا (بنديكتوس السادس عشر) قد أعرب عن قلقه خلال لقائه الأول مع الرئيس الأميركي جورج بوش (9/6/2007) في روما، حيال مصير المسيحيين في العراق، حيث بحثا الوضع المثير للقلق والظروف الصعبة للطوائف المسيحية، وأكد له بوش: أنهم يعملون جاهدين لكي يحترم الناس الدستور العراقي الذي يؤكد التسامح بين الأديان. وقد كانت وزارة حقوق الإنسان العراقية (30/5/2007) قد دانت واستنكرت الأعمال المجرمة بحق المسيحيين من أبناء العراق وتهجيرهم، ووصفت الإرهابيين بالزمر الظلامية. أما تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (تقرير بين شهري أيار ـ حزيران 2007) فقد جاء فيه أن 44 في المئة من العراقيين الذين يطلبون اللجوء الى سوريا هم من المسيحيين، ويمثل المسيحيون المجموعة الأكبر من طالبي اللجوء الى الأردن، وهناك هجرة واسعة الى تركيا والسويد واستراليا، والنزوح الى كردستان العراق، وأن حدة العنف تجاه المسيحيين في العراق زادت بعد تصريحات البابا وتهديد الإرهابيين بقتل كافة المسيحيين ما لم يعتذر البابا، كما تم اغلاق العديد من الكنائس وإلغاء الطقوس خوفاً، حتى أن العديد من الكنائس في بغداد وغيرها من الأماكن قد رفعت لافتات برأت نفسها من تعليقات البابا بنديكتوس، وأشار التقرير أيضا الى صدور "فتاوى" أو أوامر دينية تحرّض ضد الطوائف المسيحية، وأشار الى تعرض النساء المسيحيات الى الاغتصاب والتحرشات الجنسية، والإجبار على أرتداء الحجاب والملابس الإسلامية، وقدّرت الأمم المتحدة في تقريرها لعام 2007: أن 1.5 مليون مسيحي آشوري كانوا يعيشون في العراق قبل عام 2003، وأن نصفهم فّر من البلاد في السنوات الأخيرة، وتؤكد التقارير أن أكثر من مائة الف منهم نزحوا الى سوريا، وحوالى ستة آلاف الى لبنان. المسيحيون العراقيون الذين نشدوا الحرية والمساواة كغيرهم من أبناء العراق، وجدوا أنفسهم في حلقة ضعيفة وسط الانهيار الأمني، والطائفية والتجاذبات القومية، ولا أحد يحميهم من الإرهاب الأصولي مع فقدانهم لمرجعية موّحدة كنسية وسياسية، واتهام الإرهابيين لهم بأنهم يعملون لمصلحة الأميركيين. إن استمرار المشهد الطائفي الدموي وتحول أرض العراق الى ساحة صراع بين قوى إقليمية متعاونة ومتعاطفة مع القاعدة وأيتام نظام صدام، لأجل القضاء على التجربة العراقية الديمقراطية والحرّة، باتت تهدد بإفراغ العراق من أبنائه وخاصة الشعب المسيحي بتنوعاته، في ظل أفكار التطرف الأصولي والعنف والإرهاب، وباتوا على شفا خطر حقيقي وانقراض قومي وشيك، وتشتت جغرافي وعقائدي. لهذا فإن مسألة المحافظة عليهم وحمايتهم تقع على عاتق المجتمع الدولي، بما فيها الدول الإقليمية، في سبيل ديمومة المثل الإنسانية السامية والسلوك الحضاري والفكري، والحفاظ على تعايش الشعوب المشترك، تحت لواء ثقافة الإنسان.
|