الجمعة 3 أيلول 2010

ص13ص12ص11ص10ص9
ص16ص15ص14

علمانيتنا التي فتحنا لها أضيق الأبواب


أطياف ماركس تعود


عن بدايات اختراع المواطن



عن بدايات
اختراع المواطن

المستقبل - الاحد 26 تشرين الأول 2008 - العدد 3117 - نوافذ - صفحة 14


يوسف بزي

على نحو ما هي الخطط المرسومة، تتولى دار النشر "دراسات عراقية"، التي يديرها الباحث فالح عبدالجبار، إصدار سلسلة من الكتب التي بتراكمها تُشكل مكتبة لما قد يكون مرجعاً في الثقافة الديموقراطية وتراثها. وهذه الثقافة، بأفكارها ومفكريها وبأعلامها وتواريخها ووثائقها، تبدو منذ ما بعد 11 أيلول 2001 وكأنها تقوم بـ"غزو" ممنهج للنشر العربي، فارضة نفسها للقراءة العربية، تماماً كما كان حال الفكر القومي في الأربعينات والخمسينات، والفكر اليساري في الستينات والسبعينات، والفكر الإسلامي في الثمانينات والتسعينات.
آخر ما أصدرته "دراسات عراقية" (مقرها في بيروت) كان إصدار نسخة عربية (بترجمة سليمان الرياشي) لكتاب "إنتصار المواطن" (بيار روزانفلان)، الذي يروي ويوثق للمسار التاريخي والفلسفي لولادة كائن جديد في التاريخ البشري: المواطن. وهي الولادة التي تلازمت مع "اختراع" أكثر غرابة ألا وهو "الاقتراع العام". تلك الممارسة التي نتجت عن تطبيقات المبدأ الأكثر ثورية، أي "المساواة السياسية".
ما كنا نفترضه كبديهة، أي أن يتاح للأفراد جميعاً تأليف شرعية سياسية عبر ممارسة الاقتراع والانتخاب هو، بحسب روزانفالان، مسألة حديثة جداً، لكنه بات راسخاً جداً في العالم. فحتى الأنظمة التوتاليتارية والديكتاتوريات لا تجرؤ على رفضه بصورة مفضوحة، بل تفضل التلاعب به على منعه. فكيف كان لهذه الفكرة هذا الانتصار؟
في النصف الأول من القرن التاسع عشر كان حق الاقتراع أبعد ما يكون عن اعتباره بديهياً. فالنخب الليبرالية اعتبرته تفخيخاً للسياسة من خلال انفعالات الكثرة. المحافظون انتابتهم الخشية من أن يقود الى الفوضى الاجتماعية. الاشتراكيون إرتابوا بالأهلية الاستقلالية للجماهير التي كانوا يرونها مرهقة بالعمل ومستلبة من خلال الدين، والجمهوريون كانوا يقاربون الموضوع بإيمان ساذج. وهكذا استمرت لعقود طويلة التساؤلات حول الملاءمة السياسية والصوابية الفلسفية لتعميم حق الاقتراع على الأفراد.
هذه التساؤلات هي التي مهّدت، على ما يبدو، لصوغ الديموقراطية الحديثة وأشكالها ومؤسساتها، طالما أنها (أي التساؤلات) طاولت الصلة بين الحقوق المدنية والحقوق السياسية، الشرعية والسلطة، الحرية والمشاركة، المساواة والأهلية.
كتاب روزانفالان هو رحلة استكشاف لمسارات متعرجة ومتشابكة لتلك النقاشات الدفينة ولحوافز تلك المطالب الثورية وعنف الاستيهامات ومجموع الارتباكات التاريخية. لكن المهم أيضاً في الكتاب هو ذاك الانتباه البارع للفارق النوعي الذي ستتميز به فيما بعد الديموقراطية الغربية، أي تلك القطيعة الفكرية الهائلة التي أدخلتها "المساواة السياسية" في التمثيلات الاجتماعية.
فليس حق الاقتراع مجرد حرية شكلية في مقابل (أو تعارض مع) الفهم الاقتصادي والاجتماعي لمبدأ المساواة. فعلى ما يبدو أن النزاع والسجال كان حول "ترجمة" المساواة. فإذا كانت المساواة المدنية والمساواة الاقتصادية تصدران عن الإدراك نفسه لمعادل الكرامة ومعادل الحاجة لحماية المجتمع، فإن فكرة المساواة السياسية "تندرج خارج قاعدة الحقوق" هذه. وربما هذا ما لم تقدره حق التقدير الأفكار الاشتراكية.
بمعنى آخر أفضت المساواة السياسية الى ولادة عالم الأفراد. إذ صاغت نموذجاً للتكافؤ النوعي بين الناس. وهي تقرّب وتلغي ما هو مختلف بين الناس (المعرفة والسلطة). وعلى هذا فالاقتراع العام وضع المتخيل الاجتماعي في أفق جديد هو أفق التكافؤ الجذري وغير المادي بين الناس.
يلفت بيار روزانفالان نظرنا الى أن "مؤسسة الاقتراع العام " تشغل حيزاً وسطاً، وحتى ثانوياً، في تاريخ المؤسسات الليبرالية والديموقراطية، الذي شهد ثلاث محطات حاسمة: تأكيد الحقوق المدنية في القرن الثامن عشر (بناء الدولة الليبرالية) واكتساب الحقوق السياسية في القرن التاسع عشر (قبول الاقتراع العام) وتنظيم الحقوق الاجتماعية في القرن العشرين (تشييد دولة الرعاية).
مع ذلك، ورغم "ثانوية" فكرة الاقتراع العام، إلا أنها أدخلت في الحداثة قطيعة عميقة أكثر بكثير مما فعلته فكرة الاشتراكية. فطوبى المجتمع الاشتراكي المساواتي اقتصادياً تتخيل "أشركة" الملكية وتعديل الفروق في الثروة، من غير أن تتخيل لحظة واحدة أنه يمكن للناس أن يمتلكوا الوزن ذاته في القرار السياسي.
أما تاريخ "الاقتراع العام" فينسج خيوطه مع تبلور الفرد وتحقيق المساواة وهو لهذا السبب يقع في قلب عملية خلق المجتمعات الحديثة. إذ أنه، على الضد من المساواتية المسيحية أو الاشتراكية، أمّن العبور من "سيادة الشعب" غير الفاعلة الى الفرد الناخب الحديث، وهو عبور من الشعب ـ الكتلة الى الفرد المستقل. وهذا بالضبط المسار المؤدي الى العلمنة وتكوّن الذات ـ المواطن.
يستعرض الكتاب، وبالتفاصيل الدقيقة "ثورة المواطنة" والفرد المستقل، التي رسمت الحدود بين الطبيعة والمجتمع، البيت والمدينة، الاستقلال والتبعية. ثم يتحرى المؤلف الظروف التي جرى فيها التعبير عن التناقض الصعب وادارته بين فكرة المشاركة السياسية العامة وفكرة النخبوية (الارث العقلاني لعصر الأنوار) التي كانت ترى السياسة فارغة من المعنى اذا لم تتأسس على العقل.
يفرد روزانفالان فصلاً مؤثراً لـ "تأسيس المدينة" حيث السوسيولوجي والانتروبولوجي والابستمولوجي تختلط وتتقاطع في رسم "صورة المواطن"، حين يتراكب فلك السياسة مع فلك المجتمع المدني، وبالتالي فالحقوق السياسية لا تصدر فقط عن عقيدة التمثيل، بل عن فكرة المشاركة في السيادة (كيان الأمة).
يسند كل هذا مفهوم انقلابي في القانون الذي بات حسب تعبير بودان "يمثل استقلالية الكائن البشري، والقدرة الملازمة لطبيعته في الا يكون تابعاً سوى لنفسه في اعمال فكره وادارة عمله"، وهكذا وجدت استقلالية الارادة. وحسب الفلاسفة الجمهوريين سيرتفع العنوان الجديد "الانسان هو فرد، اي ارادة حرة".
يستنجد روزانفالان لشرح تأريخه بالفيلسوف كانط، الذي اقترح النظرية الأكثر اكتمالاً للفردانية السياسية والقانونية، وأظهر بأوضح ما يمكن شروط تحققها. فحسب كانط "ان اقامة شراكة مدنية، دولة، هي مسألة غير ممكنة الا اذا كان الرجال الذين يشكلونها افراداً حقيقيين قادرين على الالتزام تجاه بعضهم البعض، لأنهم مستغلون". فجوهر المواطنة وفق الفيلسوف الألماني "تكمن في ألا يدين الفرد ـ المواطن في وجوده وبقائه الا لحقوقه الخاصة هو وقواه هو، كعضو في الجمهورية، وليس لارادة احد آخر، وبالتالي يجب الا يمثله احد سواه في مسائل الحق".
يمكن القول ان كتاب "انتصار المواطن" هو مجلد من ثلاثة كتب: "ثورة المساواة"، "التاريخ الكامل: لتجارب الاقتراع والانتخاب والتمثيل والجمهوريات، و"التربية على الديموقراطية".
والمحصلة ان "الاقتراع العام" الذي شكل ذاك الرهان الاجتماعي التاريخي يمكن وصفه بالباب الذي اقضى الى النموذج الانتصاري الغربي، انتصار المواطن.
الترجمة العربية لهذا الكتاب، ربما تساهم على نحو مؤثر في قلب السجالات المندلعة الآن في العالم العربي حول مفهوم بناء الدولة الحديثة والديموقراطية والمواطنة والحريات وعلاقة الدين والقانون ومعنى السيادة.. الخ. سجالات ما زالت سمتها البارزة سيطرة الانفعالات وقلة المعرفة.

"انتصار المواطن".
بيار روزانفالان
ترجمة سليمان الرياشي
معهد "دراسات عراقية" ـ بيروت 2008

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | المستقبل الإقتصادي | نوافذ | شؤون عربية و دولية | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005