|
الكتاب: المجتمع العراقي: تراث التسامح والتكاره. الكاتب: رشيد الخيون. الناشر: معهد الدراسات الاستراتيجية بغداد/بيروت 2008.
لم يعرف العراق، على امتداد تاريخه الثري، لوناً واحداً من الانتظام المجتمعي، فهو، خلافاً لمياه الخليج، يمور بالأحداث والمفاجآت، فاللوحة الدينية والعرقية البالغة التنوع لم تظهر متناغمة كما ينبغي لها أن تكون، وإنما عرضت عليها نوبات من الصفاء على أعقاب موجات من الاضطراب، فكانت السياسة في كلتا الحالتين الضابط للايقاع والمنظم لدورتي التسامح والتكاره. التقط المؤلف نبض التوترات في الاجتماع العراقي فاغترف من التاريخ كماً من الأحداث التي تدل على الشيء وضده ليؤكد بالوقائع دور السياسة في تحريك كوامن العصبيات وفي إبقائها متحفزة بالنفوس. إلا أن الملاحظة المهمة التي لفت اليها الكاتب تشير الى أن التاريخ العراقي لم يشهد مواجهات شاملة بين الديانات والمذاهب والقوميات، و"مع كل الإلحاح على مواجهة الجموع بالجموع" في أكثر من محطة تاريخية ومنها الأحداث الأخيرة، فإن شيئاً من ذلك لم يحدث، ويسوّغ الخيّون ذلك بتحسس العراقيين للمضار الوجودية، وبالتالي تقدير الخسارة في حال اندلاع حرب جماعات شاملة. غير أن هذا الناتج التاريخي لمسار التجربة لا يدعو الى الاطمئنان وبالتالي الى الثقة "بتلك الكوابح" والاستكانة الى ما سماه بـ"إشاعة التسامح"، لأن الأرضية قابلة ومفتوحة على كل الاتجاهات. والكابح الداخلي قد يكون عرضة للمزيد من الضغوط الخارجية، فمصالح القوى الكبرى لا تلقي بالاً للمخاوف الداخلية، فكثيراً ما تحرص على "أجندتها" بمنأى عن التوجهات العامة، الأمر الذي يزيد من محاذير "التكاره". ويروي الكاتب، في هذا الإطار، ما وثّقته كنائس الموصل من أن الانكليز عندما دخلوا الموصول بعد الحرب العالمية الأولى اتصلوا بمطران الطائفة الكلدانية و"أبلغوه نيتهم في إقامة دولة مسيحية بشمال العراق". وليس من باب المصادفة أن يكثر الكلام عن التقسيم أو إقامة فدراليات بعد غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق وكأن الوتر الخارجي لا يني يضرب على المواجع. والخطر الذي يحيق بالعراق لا يتأتى فقط من وجود قوميات عديدة: العرب، الكورد، التركمان، الكلدان، الآشوريون والآراميون، فهذا الوجود قد يماثله وجودات موازية في غير دولة من العالم، إلا أن الذي يعطي فكرة الفدرلة أو التقسيم حظاً راجحاً في التركيبة العراقية هو وجود غالبيات يعتد بها في كل منطقة، فثمة "غالبية ساحقة شيعية في الجنوب والوسط"، و"غالبية ساحقة سنيّة في الغرب" و"غالبية كورية مسلمة شافعية في الشمال"، ومجرد وجود خصوصيات لمدن كالموصل وكركوك وديالي لا يعني ارتفاع خطر المناداة بالتقسيم أو الفدرلة وإن كانت المصالح الاقليمية لدول الجوار تلعب دوراً ايجابياً في هذا المجال. أكثر المؤلف من ذكر وقائع حدثت في التاريخ كانت سمتها العامة التسامح كفتوى الإمام ابي حنيفة النعمان بجواز دخول أهل الذمة الى المساجد والجوامع، بل حتى الى الكعبة، وكالمبادرة التي قام بها الإمام علي بتكليف يهودي ليكون رسوله الى الخوارج بالنهروان، وكذلك استضافة النبي محمد لمسيحيي نجران بالمسجد الحرام، وفي العهد البويهي أفتى أبو الحسن الماوردي بجواز إسناد وزارة التنفيذ لأهل الذمة. لكنه، في المقابل، سرد وقائع عديدة غلب عليها الإقصاء والنبذ، كالرواية التي تنقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في شأن توظيف الكتابيين "ليس المسلمون محتاجين إليهم..." أو ما يورده فقهاء الحسبة بأن عمر بن عبد العزيز عنّف أحد عماله لأنه اتخذ مسيحياً كاتباً... غير أن الكاتب يضع موقف إبن تيمية في إطاره التاريخي حين عاش في عصري الانهيار والاجتياح المغولي. هذا التباين في المواقف الذي يعكس مرة حالة التسامح والانفتاح ويرتكس أخرى الى التكاره والانغلاق، يتحول، أي التباين، الى مادة يفيد البعض في مراحل التأزم فيغترف من التاريخ ما يعضد الموقف المتشدد، ويفيد البعض الآخر في مراحل الانفتاح فيستشهد بمآثر السلف في التسامح. والواقع المعاصر، الذي يضج بمشاهد الغزو والاحتلال والهيمنة، ساعد الفقهاء والقوميين من الأطراف كافة في إظهار التشدد، وهو تعبير ظرفي ـ تاريخي يستدعي التطرف والمواقف البعيدة عن التسامح. وقد يتعذر على المشتغلين بالفقه والاستنباط التجرد في المواقف، وبالتالي القفز فوق المؤثر الآتي، بالرغم من كون ذلك كله ليس سوى استثناء من القاعدة المفترضة في الأديان التي تحض على المحبة والإيثار والتسامح. فالخلل المنهجي في التعامل مع النص الديني يكمن في انتفاء المواقف الاستثنائية وتعميمها على المشهد التاريخي برمته، مع أن الموضوعية تقتضي تقديم الرؤية الكلية ـ فوق التاريخية ـ كأساس صلب للعلاقة بين المكونات الدينية والعرقية، وترك المواقف التاريخية كتعبيرات لحظوية غير قابلة للتأبيد. هذه الفجوة المنهجية هي التي تسلل منها السياسي لينتقي من التاريخ ما يسعفه في موقفه وحركته ويتجاوز عن كل ما يعيق مصالحه، لكن المؤثر السياسي ليس قدراً محتوماً، فربما نجد ممارسات كثيرة تتصف بالتلقائية والعفوية توهن عزيمة السياسي وتجبره على تعديل موقفه أو تلجئه الى تصويب خططه واستراتيجياته لمصالح الوئام العام. والأديان في العراق لم تستو على ساقٍ واحد في الخصومة والانفتاح، ففي لحظات التأزم الاسلامي كانت العلاقات مع بقية الأديان تستقر على وئام والعكس صحيح. والذي خلص إليه المؤلف بعد تلك المعالجة الغنية من أن ارض العراق أرض متعددة ومتنوعة منذ القدم وقابلة للتعايش أمام دورات العنف وتكريس الكراهية، لكنها في الوقت عينه مادة خصبة للسياسة، وقد عضد رأيه هذا بكلام لأبي العلاء المعري الذي كشف عن خصوبة التعددية وقابليتها للتوظيف بقوله: إنما هذه المذاهب أسباب لجذب الدنيا الى الرؤساء مراجعة حسن جابر
|