الاربعاء 10 شباط 2010

ص13ص12ص11ص10ص9
ص16ص15ص14

أمير نادري: ذوبان الثلج في أفلامي هو معنى حياتي


البحث عن نيرمانا بأصابع من ذهب


شريف الشافعي: الأعمال الكاملة لإنسان آلي: البحث عن نيرمانا بأصابع من ذهب: 200 محاولة عنكبوتية لاقتناص كائن منقرض. القاهرة. 2008


ديوان للشَّاعر الكردي خمكين رمّو : خليط من الأحزان واليأس والعشق والعصيان والنقمة



البحث عن نيرمانا بأصابع من ذهب

المستقبل - الاحد 21 كانون الأول 2008 - العدد 3170 - نوافذ - صفحة 14


عبد المنعم الشنتوف
يعد الاقتراب من تجربة الشاعر المصري شريف فؤاد الشافعي قريناً للسفر بأفقه الشعري المفتوح على موضوعة المغامرة وما تستتبعه من احتفاء بسمات الاحتمال والكشف والدهشة. ولأن الشعر في أحد تعريفاته الجميلة إبداع باللغة والخيال لعوالم ممكنة تتسم بتعاليها عن الواقع اليومي بإكراهاته وتمثيلاته السائدة، فإن الرهان الأساس لهذا التحقق النصي الأخير يتمثل في التعاطي الشعري مع اليومي بتفاصيله ومعجمه الخاص بما يستلزمه ذلك من خلق مسافة بينه وبين الذات. على امتداد قصائد هذا الديوان، يلفي القارئ نفسه أمام حالة اغتراب عميق تفسح المجال أمام تضاد شبه مطلق بين الواقع اليومي الذي يرمز إليه بشكل باذخ الإنسان الآلي وعالم ممكن حرص الشاعر على تأثيث فضاءاته بشهوة شعرية حارقة وجعل من نيرمانا أيقونة له.
يعتبر الشاعر شريف فؤاد الشافعي أحد الأصوات الشعرية المهمة في المشهد الشعري المصري المعاصر. ويعتبر الجزء الأول من مشروعه "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" والموسوم: "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" التحقق الرابع في منجزه الشعري بعد "بينهما يصدأ الوقت" الصادر عام 1994 في إطار سلسلة إيقاعات الإبداعي، و"وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء" الصادر عام 1996 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة و"الألوان ترتعد بشراهة" الصادر عام 1999 عن مركز الحضارة العربية في صيغته الكاملة (1035ص) وعن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة في شكل مختارات في السنة ذاتها.
هل يمكن النظر إلى إيثار الشاعر إهداء نصوصه إلى الهواء الفاسد الذي أجبره على فتح النافذة بمثابة عتبة للقراءة والفهم أو قرينة نصية يمكنها أن تتضافر مع قرائن أخرى لاستشراف تأويل ينسجم باتساقه وتناغمه؟ تفصح ثنائية الانغلاق والانفتاح عن حضورها من حيث هي توطئة لتقديم الإنسان الآلي ونيرمانا إلى القراء المفترضين. ذلك أن الأول يتحرك ويتنفس ويمارس طقوس عيشه اليومي الموسوم بالرتابة والتكلس داخل فضاءات مغلقة تخضع لسطوة الكوابح والحدود والمتاريس المادية والرمزية، فيما تحطم الثانية كل الأسوار وتهزأ بالمتعاليات وتشرع جسدها لريح الحرية العاتية. وإذا كان الإنسان الآلي تجسيدا للثبات والجمود والممارسات الفاقدة للحياة، فإن نيرمانا رمز للحركة والتحول المطرد والزوغان والانفلات من أي حصر أو تحديد:
أمام إصرارِ نيرميتا الشديدِ
على لعبِ مباراة بنغ بونغ بالكرة الأرضيّةِ
اضطررْتُ إلى الموافقةِ
كان سهلاً عليها جدًّا
أن تُمَرِّرَ الكرةَ بالمضربِ من فوق الشبكةِ
من ملعبِها إلى ملعبها
لأنها لا تؤمنُ إطلاقًا بالحدودِ
بين نصفِ الطاولةِ الكونيّةِ، ونصفِها الآخَرِ
ولأنها قصدتْ باللعبِ .. مجرّد اللعب
بالنسبةِ لي
رغم أنني قصدتُ باللعب .. مجرّد اللعب،
كنتُ أجدُ صعوبةً في تمرير الكرةِ من فوق الشبكة
خشيةَ اتهامي بمعاداةِ الحدودِ السياسيّةِ بين الدول
ومناصرة النزعاتِ الكونيّةِ
ذات الثمارِ الملوّنةِ والأوراقِ الخضراءِ
والظّلالِ السوداءِ المخيفة
يبدو واضحا في هذا السياق أن هذا النص يقدم نيرمانا أو نيرميتا باعتبارها تجليا للحرية في تمثيلاتها القصوى. وليس أدل على ذلك من هذه الصورة الشعرية المدهشة المتمثلة في لعب البنغ بونغ بالكرة الأرضية؛ إذ أنها تدفع بالرغبة في خلخلة نسق القيم والأعراف والرؤى إلى التخوم القصوى. ولأن هذه الحرية المنشودة تشبه ريحا عاتية تعلو على الفضاءات المغلقة ونواميسها الجاهزة، فإنها تصبح والحالة هاته عصية على أي تحديد. وبهذا الصنيع، يلاحظ القارئ تعدد أسماء هذه الأيقونة؛ فهي نيرمانا كما يشي بذلك العنوان الملتبس والخادع للديوان، لكنها في الآن نفسه نيرميتا ونيرما ونيتا وميتا وتيتا ونيرمالا ونيرفانا ونيرفا ونورينا ونوريتا وناريمانا ونيرمينا ونون ونونا. تبدو الأيقونة باعتبارها كائنا افتراضيا وأثيريا يحيل إلى الحلم وما يستلزمه من فوضى وصخب ومغامرة ورغبات وصبوات مكبوتة:
يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفة
تفصح نيرمانا أو نيرفانا عن حضورها على امتداد قصائد الديوان باعتبارها مطهرا يلوذ به الشاعر لكي يتخلص من أغلال اليومي بعاداته المستقرة وإفرازاته وروائحه الفاسدة. ولأنها كذلك؛ فإنها تعلو على ما هو فيزيقي لتعانق طهرانية ملائكية. يبدو الشاعر حريصا على القبض على سمات الغرابة التي يستشعرها حيال الواقع اليومي ووطأته الكاتمة للأنفاس. وهو إذ يأتي بهذا الصنيع، فلكي يخلص إلى مغايرة جذرية تسعفه بد ورها في استشراف حضور مختلف و مفرط في وسمه الافتراضي. ولأن الشاعر يمعن بضراوة في لهاثه خلف نيرمانا المنفلتة وأقنعتها المتعددة، فإن الكشوفات تتوالى بكثافة دالة. يتعمق وعي الشاعر حينها بقبح الواقع اليومي وأعطابه القاتلة وتتضاعف جرعات الجسارة في النقد والفضح. تتقدم السخرية الجارحة باعتبارها سبيلا إلى القطيعة مع اليومي والتوحد بنيرمانا وأقنعتها. تأسيسا على ذلك، يكون الوعي الساخر بقبح العالم ورتابة وجاهزية اليومي سبيلا رئيسا للتعالي عنه. ولعل في هذه الصورة ذات المفارقة الساخرة الحادة التي يؤثر فيها الشاعر تأجيل قلي السمك إلى المساء كي لا يحرق الزيت المتطاير فراشة هائمة في قفصه الصدري ما يمثل ذلك. غير أن ذروة هذا الوعي الساخر تتمثل في هذه الأبيات التي يكشف فيها الشاعر عبثية وجوده الآلي:
أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطن.
يخوض الشاعر على امتداد قصائد الديوان حوارا جريئا وحميما مع نيرمانا وأقنعتها المتعددة. وفي هذا السياق، يتلقى منها فيضا من الوصايا أو الإشراقات تعمق من حالة الاغتراب حيال الواقع واليومي وتضاعف من جرعات الطهرانية. تزداد قوة وكثافة التوق إلى العيش داخل العالم الممكن بما يستلزمه ذلك من حرص على شعرنة الوجود. سوف يكتشف القارئ مع اطراد إنصاته العميق للنصوص أن نيرمانا ووجوهها المتعددة ليست تمثيلا للمرأة/ الأنثى كما سعى الشاعر إلى الإيهام بذلك بذكاء شعري لافت، وإنما تعبيرا عن القصيدة باعتبارها عالما ممكنا و حلما لذيذا ينتهي بكابوس العودة المكرهة إلى الواقع اليومي. ولأن اعتياد الظلام ينتهي كما يبوح الشاعر بقليل من الرؤية فيما الألفة بأشعة نورينا تستشرف النهاية المؤكدة والمتمثلة في عدم القدرة على الإبصار، فإن السعي المحموم إلى مصاحبة القصيدة ينتهي بحكم العادة بعجز مزمن عن النظر إلى الواقع اليومي وتفاصيله. في هذا السياق،إذن، تنوب الأصابع الذكية بوساطة النقر على لوحة المفاتيح أو الكتابة بالحبر عن العين في الإمساك اللحظي والعابر بنيرمانا وأخواتها . ويمكننا أن نرى في ذلك إشارة شعرية قوية إلى أن الحلم بالإقامة الدائمة داخل كون القصيدة أو نيرمانا ينتهي دائما بالفشل الذريع. ذلك أن قوة الافتراض تبقى موسومة بالهشاشة والانتهاء أمام سطوة الواقع اليومي وإكراهاته:
الجلبابُ الأخيرُ
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العارية
لقد احتفى شريف الشافعي في مغامرته الإبداعية بشعرية الاحتمال بما يستلزمه ذلك من تجذير لسمات الانفتاح والالتباس والتعدد. وحيث أن هذا الرهان الشعري كان موصولا بمطلق أو كائن في طور الانقراض هو نيرمانا تعددت صور الارتقاء إليه، فإن القيمة الجمالية التي سعى إلى إضافتها لا تعدو كونها قدرة القصيدة على أن تجلو الصدأ عن وجودنا اليومي. لم يكن من قبيل الصدفة والحالة هذه أن نتلمس الحضور الكثيف على امتداد النصوص لنيرفانا باعتبارها قناعا آخر لنيرمانا ومطهرا تلوذ به الذات الإنسانية حين تضيق ذرعا بوطأة اليومي وتفاهاته.
الحاجة إلى أن يتنفس الإنسان الشعر في زمن الإنسان الآلي هو لعمري الدرس البليغ لنيرمانا والأصابع الذكية..

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال
 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | المستقبل الإقتصادي | نوافذ | شؤون عربية و دولية | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005