الجمعة 3 أيلول 2010

ص19ص18

مقاربة التراث العربي بأدوات "علم الدلالة"


أزمة الديمقراطية البرلمانية


مجلة "فكر": ملفان عن "التفكير والتكفير" وعصام محفوظ في ذكرى غيابه الثالثة


في وداع الشاعر "بي بهار" أحد أبرز الشعراء الكرد السوريين



أزمة الديمقراطية البرلمانية

المستقبل - الثلاثاء 27 كانون الثاني 2009 - العدد 3202 - ثقافة و فنون - صفحة 18


نظام مارديني

منذ طرح فلاسفة القرن التاسع عشر(هيغل) من الناحية النظرية، سؤالهم عما إذا كانت البرلمانات تشكل تعبيراً عن الديمقراطية أم عامل تعطيل لها؟ فإن هذا السؤال الذي عايشه وجربه المفكرون الألمان في القرن العشرين، وجدوا الإجابة عليه عملياً معتبرين أن البرلمانات فقدت قاعدتها الأخلاقية والفكرية، وعجزت عن أداء دورها بسبب صراعها مع الديمقراطية.
هذا الكتاب "أزمة البرلمانات" للباحث الألماني كارل شميت، عمل على تشريح هذه الحالة في أربعة فصول وعد من الملاحق،وهو يشير إلى تميز ألمانيا بتراثها المديد من الآراء والتيارات التعاونية الميالة إلى نقد النظام البرلماني الحديث. ولكن ثمة كتابات أخرى سلطت الضوء على نواقص المشريع البرلمانية وأخطائها وعبثيتها وابتذالها، بسبب هيمنة الأحزاب وسياساتها غير المحترفة، بالاضافة إلى الأزمات الحكومية المستمرة.
ومنذ القرن التاسع عشر، بدا أن ما من دولة في عالم الثقافة الأوروبية الغربية صمدت أمام انتشار الأفكار والمؤسسات الديمقراطية. حتى حيثما كانت هناك قوى اجتماعية قوية تدافع عن نفسها، كما حصل في الإمبراطورية البروسية، فما من قوة فكرية حاولت إلحاق الهزيمة بالمعتقدات الديمقراطية استطاعت تجاوز دائرتها الضيقة من الموالين. وعمل المناخ الفكري على المساواة بين التقدم وإشاعة الديمقراطية، وجعل المقاومة المعادية للديمقراطية دفاعاً، وصراعاً بين القديم والجديد. لكلمرحلة من المراحل الفكر الخاص بالسياسة والدولة تصورات تبدو جلية بمعنى محدد، وتكون، حتى بوجود أنماط كثيرة من سوء الفهم والخرافات، معقولة تماماً بالنسبة إلى قطاعات جماهيرية واسعة. وكان هذا النوع من الوضوح والدلالة، بالتأكيد، في صف الديمقراطية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد وصف رانكه فكرة سيادة الشعب بأنها أقوى تصورات العصر، كما وصف صراعها مع النظام الملكي في الحكم بتيار المهمين.
ومنذ ذلك الوقت توّج الصراع بانتصار الديمقراطية التي بدت متمتعة ببرهان ذاتي على أنها قوة متقدمة ومتوسعة.
وطوال فترة بقاء الديمقراطية فكرة سجالية من حيث الجوهر (أي فكرة النفي للنظام الملكي القائم ذلك الوقت)، أمكن للقناعات الديمقراطية أن تقترب بتطلعات سياسية أخرى مختلفة وتتوافق معها. وما إن تحققت هذه الديمقراطية، حتى راحت تتقاسم أقدار سائر المفاهيم السجالية. بداية ظهرت الديمقراطية في تحالف كليّ الوضوح والتطابق، مع الليبرالية والحرية. ثم ما لبثت أن التحقت بالاشتراكية في إطار الحركة الديمقراطية الاشتراكية. لكن نجاح نابليون الثالث ونتائج الاستفتاءات السويسرية أظهرا أن من شأن الديمقراطية أن تكون محافظة ورجعية فعلاً، تماماً كما تنبأ برودون، مما يثبت أنها تخلو من أي مضمون سياسي، وأنها ليست سوى شكل تنظيمي. أما السعي إلى إعطاء الديمقراطية محتوى عبر نقلها من الميدان السياسي إلى الميدان الاقتصادي فلم يقدم أي حل للمشكلة. بل أشار إلى تغيّر جوهري في مفهوم الديمقراطية خصوصاص وأن أية وجهة نظر سياسية لا يمكن نقلها إلى العلاقات الاقتصادية، طالما أن حرية التعاقد والقانون المدني يهيمنان في الاقتصاد.
إزاء العديد من الأبحاث الحقوقية، يستطيع المرء أن ينطلق من المبادئ الأساسية الديمقراطية دون التعرف لخطر سوء فهم التسليم بجميع التعريفات التي تشكل الواقع السياسي الديمقراطي. نظرياً، بل وعملياً في الأوقات العصية، تقف الديمقراطية عاجزة أمام الخطاب اليعقوبي، أي حين تتواجه مع قيام أقلية متسلطة بادعاء التطابق مع الشعب، ومع الانتقال الحاسم للمفهوم مما هو كمي، عددي، إلى ما هو كيفي، نوعي. عندئذ يتوجه الاهتمام نحو خلق الإرادة الشعبية وتشكيلها، والإيمان بأن السلطة كلها نابعة من الشعب يكتسب معنى شبيهاً بالإيمان بأن السلطة الدكتاتورية كلها مستمدة من الرب. والمبدآن كلاهما يجيزان صيغ حكم مختلفة ونتائج حقوقية في الواقع السياسي. وأية دراسة علمية للديمقراطية يتعين عليها أن تنطلق من محطة معينة تم اطلاق اسم اللاهوت السياسي.
ونظراً لأن النظام البرلماني والديمقراطية كان على هذا المستوى من الترابط والتحالف الوثيقين في ما بينهما، على امتداد القرن التاسع عشر، حتى أمكن التسليم بأنهما مترادفان. غير أن النظام البرلماني، رغم كل تطابقه مع الأفكار الديمقراطية، ليس ديمقراطياً أكثر من كونه متحققاً من منطلق المنفعة العملي.
وتبعاً للتوصيف الناجح لرودولف سمند، يكمن تناسب البرلمان في الحركة ـ الجدل، أي في عملية تجابه الاختلافات والآراء التي تتمخض عنها الإرادة السياسية الفعلية، وهذا كله من دون أخذ الديمقراطية في الحسبان. ولكن من أجل فهم المركز الفكري للمظام البرلماني الحديث، لابد من أخذ جملة من الأفكار المختلفة كالانفتاح الذي تجلى بالتعرف على نظرية أسرار الدولة الطاغية على أدبيات القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهذه النظرية بدأت مع الكتابة عن علة الدولة، وجوهرها المكانة النسبية للدولة، أما بدايتها الأدبية فتتمثل بماكيافيلي، وذروتها مع باولوساربي.
أما في تقسيم السلطات فقد برزت فكرة المنافسة، التي ستخرج الحقيقة من رحمها. فأن يكون البرلمان مضطلعاً بدور المشرع في نطاق مبدأ تقسيم السلطات، ومحصوراً بذلك الدور، يجعل العقلانية التي هي لب نظرية توازن السلطات ذات طابع نسبي تقريباً، ويؤدي إلى تمييز هذا النظام عن عقلانية التنوير المطلقة.
ويتبع ذلك رؤية إن حجر الزاوية في الفكر الدستوري أو المطلق هو مفهوم القانون الذي هو مبدأ معين، ذو مواصفات منطقية معينة. غير أن السؤال هو عما إذا كان القانون مبدأ عقلانياً عاماً أم هو مقياس، أو مرسوم ملموس. وبهذا المعنى فإن القانون يتميز عن السلطة المجردة واعتبره زيتلمان ضرورة لازمة تحوي على لحظة فردية قابلة للنقل. وفكرة القانون هذه ظلت باستمرار تفهم على أنها مسألة فكرية، خلافاً للإجرائي أو التنفيذي الذي هو مسألة نشاط وفعل أساساً. إن التشريع تأمل، والتنفيذ إنجاز. وهذا التعارض تاريخ يبدأ مع أرسطو.
إن الانفتاح والنقاش هما المبدآن اللذان يعتمد عليهم الفكر الدستوري والنظام البرلماني في أي نظام منطقي وشامل. وبقي هذان المبدآن جوهريين لا غنى عنهما بالنسبة إلى معنى العدالة في حقبة تاريخية كاملة. فما توجب تأمينه عبر التوازن المضمون بالانفتاح والنقاش لم يكن أقل من الحقيقة والعدالة نفسيهما. وقد ساد اعتقاد بأن القوة السافرة، الفظة، "طريق الوحوش" حسب تعبير لوك، في قاموس نمط التفكير الليبرالي الداعي إلى دولة الحق، يمكن التغلب عليها عبر الانفتاح والنقاش تحديداً، وصولاً إلى انتصار الحق على القوة. وثمة تعبير نموذجي في هذا النمط من التفكير: المناقشة بدلاً من القوة.
إن مدرسة النقاش والتوازن والدخول في مفاوضات مبدئية، وقفت بين خصمين يعارضانها، الديمقراطية والديكتاتورية من جهة، والليبرالية البرجوازية من جهة أخرى. وفي خضم هذا النقاش بدت امكانية قيام ديكتاتورية عقلانية واردة دائماً بصيغة تاريخية ـ فلسفية، وبقيت حية كفكرة سياسية. كانت الاشتراكية الماركسية التي اهتدت إلى حجتها الميتافيزيقية القاطعة والنهائية في منطق هيغل التاريخي، حاملة لواء هذه الديكتاتورية.

[ الكتاب: أزمة البرلمانات
[ الكاتب: كارل شميت
[ المترجم: فاضل جتكر
[ الناشر: دراسات عراقية ـ 2009

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | أهْوَاء | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005