|
نوال بري الرجل باللباس الأسود يقف على منصّة مرتفعة. يباعد بين قدميه قليلاً، كأنه يتأهب للقفز.. أو الطيران ربما. يرفع ذراعيه ببطء ثم يترك لكفيه أن يرقصا على وقع موسيقى من ألحانه تؤديها الفرقة من خلفه. في مواجهة المنصة، مساحة غصت بالحاضرين. المساحة الأولى هي للمقاعد البلاستيكية. وأعلى منها، مدرجات ترتفع إلى فوق. إلى قرب أسطح المباني المحيطة بأسواق بيروت التجارية، حيث يقام الحفل. لكن المقاعد والمدرجات لن تكفي لهذه الليلة. "سيخترع" القادمون أماكن خاصة للجلوس إلى جانبيها. وبعضهم سيقف خلف المسرح، بعد أن ضاقت المساحة أمامه، يتابع على شاشة كبيرة هذا الفنان الذي أحبه جمهوره ولحق به أينما ذهب وغنى. أحمد قعبور في وسط بيروت. كان لا بد لهذا الإعلان أن يثير التساؤل: أي جمهور سيتابعه هناك؟ الإضاءة التي سبقت صعوده على المسرح كشفت وجوه الحاضرين وأعمارهم. كبار وصغار، رجال ونساء، وقبلهم شبان وشابات خصصوا هذه الأمسية لمتابعة أغاني حفظوا معظمها منذ كانوا صغارا، ولا يزالون. هي أمسية رمضانية، لكنها تختلف عما يمكن أن يتبادر للذهن عند تسميتها. ليست سهرة خيمة، ولا هي حفلة صالة في مطعم أو فندق مع فناني عصر الفيديو الكليب والموسيقى الصاخبة. هي أمسية للموسيقى الراقية التي تدخل القلب، والكلمات التي تسكن العقل والروح. هكذا كانت أيضا حفلات أخرى أقيمت لمناسبة شهر رمضان. أمسيات لاقت جميعها حضوراً لافتاً من مختلف الأعمار. فتانيا قسيس مثلا غنت ألواناً شرقية، ومي فاروق أتت من مصر للمشاركة، وعيسى غندور وغيره من الفنانين والفرق الفنية عزفت وغنّت أجمل الأغاني والتواشيح. والحضور لم يخيب الظن، بل أثبت أن الشباب بخياراته الفنية لا يطبق تلك المقولة الخادعة: "الجمهور عايز كده". الجمهور أراد أن يستمع إلى ألحان وكلمات كتلك التي غناها أحمد قعبور. ما لبث أن صعد إلى المسرح حتى وقف الجميع يصفق له بحرارة رسمت على وجهه بسمة محبة وشكر لهذه المشاعر الصادقة. بحسب قوله، كان يخشى عدم حضور أحد بسبب "الإشكال الفردي" الذي كان قد حصل قبل يومين من الحفل في منطقة برج أبي حيدر. لكنه خشيته لم تدم طويلاً، فهو يعرف أن "صوت الرق أجمل من صوت الرصاص، وصوت القانون أنعم من صوت "الآر.ب.جي". استهلت الأمسية بتشويش قوي أثار الاستغراب لوهلة. لحظات ويصدر صوت كأنه قادم من بعيد. هو صوت الفنان القدير الراحل عمر الزعني، أحد أول مؤسسي الأغنية اللبنانية وأول الطامحين للجمهورية اللبنانية، وبحسب قعبور أول ضحايا الجمهورية. الأمسية كانت مهداة له، وكان حاضراً فيها من خلال حوار "وهمي" بينه وبين قعبور الذي تمنى لو أن الزعني كان الآن معه يحدثه حقاً. لكن غياب الزعني عوضته أغنيات للراحل استعادها قعبور من "التاريخ"، تتحدث عن الحياة بين الماضي والحاضر، فأنصت لها الجمهور وصفق. ساعة ونصف كانت كفيلة باختصار حياتنا اليومية ومشاكل العالم المستعصية من حولنا. للحب غنى، وللأرض، وللـ"ناس بيقتلها الجوع". وبين حزن يغمر صوته حينا، وأمل يلمع في عينه، غنى للفرح المختبئ في ذكريات الطفولة والعيد: علّوا البيارق علّوها وغنّوا للعيد.. وبين أغنية وأخرى كان يخاطب جمهوره، يحكي له عن الأغنية التالية وعن "خبريات" لم تخلو من روح الفكاهة حينا ومن الذكريات الحزينة أحياناً. هكذا أخبر الحاضرين عن والده عازف الكمنجا الذي عزف لفريد الأطرش وعبد الوهاب، ثم جلس في غرفته في العام 1967 وأغلق الكمنجا وقرر ألاّ يعزف شيئا أو يسمع شيئاً. فكان أحمد يغني له "احلف بسماها وترابها احلف بدروبها وأبوابها...". قال ذلك ثم غنى مقطعا من الأغنية على وقع أصوات الجمهور، قبل أن يسحره بالانتقال سريعا إلى "عروبة" أخرى، وجدها في أغنية "الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية..". ولفلسطين كما كانت دائما مكانة خاصة في مسيرة قعبور. يخبر عن حبه بأغنية، ثم يحكي عن حزنه لما آلت إليه "القضية"، متذكرا مع الجمهور "لينا التي كانت طفلة تصنع غدها.. لينا سقطت لكن دمها كان يغني.. للضفة". وكما كان صوته الغاضب في هذه الأغنية، تحدث بكلمات غاضبة عن الثورة وعن الناس والأطفال الذين يريدون اللعب بسلام، عن المخيمات التي ترك الجميع سكانها اللاجئين الفلسطينيين الباحثين عن حق العودة فقط.. وليس التوطين. وبحسب اختلاف الأغنيات كان تفاعل الجمهور يختلف. يعلو تصفيق فرح طوال أغنية، ويسود صمت حزين في أخرى. وفي ثالثة، تقوم سيدة مسنّة بفستانها الأحمر، لتتهادى في رقصة بطيئة وساحرة، على وقع موسيقى الفرقة وكلمات قعبور. وهدوء "كبار" الجمهور الذي طبع بداية الحفلة، سرعان ما بدأ يتراجع شيئا فشيئا مع كل أغنية جديدة يتلقفها الجمهور الشاب الذي حضر بكثافة. هكذا غنت أصوات تشتاق إلى بيارق الطفولة والعيد، وهكذا صفقت طويلاً أكف كثيرة للينا الفلسطينية، وهكذا علت صرخات غنت مع قعبور "أناديكم.. أشد على أياديكم"، معلنين بنبضات قبضاتهم المرتفعة في الهواء انتهاء الحفل.
|