نصير الأسعد
في مجال استكمال متابعة ما هو مقلق وخطير في خطاب وأداء "حزب الله" والثنائية الشيعية السياسية لا بدّ من التوقّف ملياً أمام معاني ودلالات ذلك الإنكفاء إلى القواعد الشعبية الشيعية والمناطق ذات الطابع الشيعي الغالب، والذي يتجلّى في ما يسمّيه طرفا الثنائية تحركاً ضدّ الحكومة تحت عنوان التعويضات عن أضرار الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006 وإعادة إعمار ما دمّره العدوان.
الاتهامات الباطلة للحكومة بالكيدية ليست هي موضوع النقاش، وقد تولّى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الردّ عليها كاشفاً ما تضمّنته من افتراءات "سياسية".
الإنكفاء في امتداد فشل المشروع السياسي
موضوع هذا النقاش هو بالتحديد "موقع" التحرّك الجديد من المسار السياسي لحزب الله والثنائية معاً.
فعلى ما يبدو بالنسبة إلى كثيرين، أجبرت التطوّرات، لا سيما النتائج السلبية للتحرك "المعارض" المستمرّ منذ بضعة شهور، الطرفين الشيعيين و"حزب الله" تحديداً على "التفتيش" عن ميدان آخر للعمل، فأتى التركيز على "مسألة شيعية" جمهوراً ومناطقَ، بالرغم من كون الموضوع المطروح موضوعاً لبنانياً عاماً. و"التحويل" من موضوع لبناني عام إلى موضوع شيعي خاص تمّ في الخطاب الذي اعتمده طرفا الثنائية والذي اتّهم الحكومة بممارسة التهميش بحق الطائفة الشيعية وبإلحاق الغبن بها.
بهذا المعنى، فإن التحرك المطلبي ـ السياسي الذي شرع تحالف "حزب الله" و"أمل" به وقد حُوّل الموضوع إلى شيعي، انما يستهدف تكتيكياً صرف النظر عن الفشل في تحقيق المشروع السياسي "العام" الذي حمله الطرفان ومعهما "المعارضة" في الفترة السابقة، لكنه في الدلالة "الاستراتيجية" يعني انتقالاً من "العام" إلى "الخاص"، أي إنكفاء إلى الطائفة بشكل صرف استنفاراً لها. لكأن الطرفين يخشيان أن ينعكس الفشل "العام" على العلاقة "الخاصة" بينهما وبين الطائفة، فقرّرا استنفارها بعناوين تمسّها مباشرة.
الإنكفاء إلى الطائفة هنا يتزامن مع الفشل السياسي، لا بل هو مرادفٌ له فعلاً، حتى لو استمرّ طرفا الثنائية الشيعية في خطابهما "المعارض" على المستوى اللبناني العام.. أي انّ الإنكفاء مؤشر إلى مسار إنحداري وليس إلى مسار تصاعدي.
من تغيير توازن القوى العام إلى "التقوقع"
ولقياس "فداحة" هذا التطور، يكفي التذكير في هذا السياق بأن خطة "حزب الله" التي "استدرجت" حركة "أمل" إليها بعد حرب تموز وبدأ تنفيذها العملي في الخريف الماضي، كانت تقضي بتغيير المعادلات السياسية والوطنية وبتغيير السلطة بهدف الإمساك بمقاليدها.. فإذا بالخطة تقضي اليوم بإعلاء أولوية "المسألة الشيعية". وأكثر من ذلك، لا مبالغة في القول انّ هذه الخطة تقعُ بين حدّين: الاستيلاء على السلطة (الحكم) للهيمنة على الدولة كحدّ أقصى، وذلك بواسطة مقوّمات أهمها إمتلاك "حزب الله" لما صار متعارفاً على انه "دولة" وإمتلاكه مع "أمل" حصرية التمثيل السياسي للشيعة، الأمر الذي يُستخدم بمثابة فيتو، والحدّ الأدنى هو "التقوقع" داخل الطائفة ومناطقها والإستعصاء على الدولة وممارسة الفيتو أيضاً.
الخطّ البياني لطرفَي الثنائية
في هذا الإطار، من المفيد على الأرجح التذكير بـ"الخطّ البياني" لكل من الطرفين الشيعيين السياسيين.
فحركة "أمل" في بداياتها مع الإمام موسى الصدر "ذهبت" إلى لبنان، ثم في مرحلة لاحقة مع الرئيس نبيه بري "غادرت" لبنان باتجاه الطائفة، ثم "عادت" إلى لبنان بعد اتفاق الطائف، وهي اليوم، وإن كان رئيسها يطلق بين فترة واخرى مؤشرات إلى الرغبة في البقاء في "مكان لبناني"، إلا انها ومن ضمن المعادلات وميزان القوى والضغوط "تتوحّد" مع "حزب الله" في "الموقع".
"حزب الله" من ناحيته وقد بقي "شيعياً" على الدوام، بدأ بالمقاومة شيعياً، وأعطته المقاومة فرصة التوجّه إلى لبنان ككل، وهي الفرصة التي تعزّزت بإنجاز التحرير عام 2000، لكنه "عاد" من هذه الفرصة إلى المربّع الشيعي، وهو حاول التوجّه مجدّداً إلى لبنان خلال السنتين الماضيتين ولو بمشروع سياسي ينسف اتفاق الطائف مستظلاً تحالفات محلية شكّلت له ديكوراً طائفياً، لكنه يعود الآن إلى الإنكفاء شيعياً.
انّ المقصود قوله هنا بالتحديد هو الآتي: في الإنكفاء الحالي ثمة تراجع "سياسي" ولو كان التراجُع مغطّى بـ"النار" أي بالخطب النارية، لكن ثمة في الظرف الراهن عودة شيعية سياسية إلى "الكانتون". وهذا في تقدير الكثيرين ليس فقط المعنى "الاستراتيجي" للوضع الشيعي السياسي حالياً، بل هو الخطر الفعلي الذي يقتضي الانتباه إليه جيداً.
ذلك انّ "الكانتون" في هذه الحالة هو "دولة" لها جيشها واقتصادها وبُناها وثقافتها. وهذه "الدولة" تملك إمكانية توريط الدولة اللبنانية لا سيما في مجال ما بات يسمّى قرار الحرب والسلم.
تجربة "الكتائب" و"القوات"
ليس ما يقوم به "حزب الله" والثنائية الشيعية الآن جديداً بـ"المطلق" على "التجربة اللبنانية". وإذا كان صحيحاً انّ المقارنات التاريخية ليست دائماً علميّة، على اعتبار انّ الظروف لا تتشابه بين حالةٍ وأخرى في التاريخ، فبالإذن من "القوات اللبنانية"، يمكنُ القول انّ "حزب الله" يكرّر ـ مع إختلاف الظروف ـ مساراً مشابهاً.
تراوح المشروع السياسي لـ"القوات" و"الكتائب" و"الجبهة اللبنانية" في مرحلة السبعينات حتى نهاية الثمانينات، بين حدّين هو الآخر: الأقصى هو إستلام الحكم على مساحة الـ10452 كلم2 وقد وصل من هذه البيئة قياديّان إلى رئاسة الجمهورية هما الرئيس الراحل بشير الجميل والرئيس أمين الجميل، والحدّ الأدنى تجلّى بعد ذلك في الإنكفاء بين كفرشيما والمدفون المظلّل بعنوان "أمن المجتمع المسيحي فوق كلّ إعتبار"، مع "شبه دولة" في مناطق نفوذ هذه الجهة. لكن أحداً في "القوات" و"الكتائب" لا ينكر ولا يستطيع أن يُنكر اليوم خاصة انّ إنكفاء المشروع السياسي إلى الطائفة ومناطقها آنذاك كان بداية العدّ العكسي لهذا المشروع ودخوله في مسار إنحداري متتابع.. حتى النهاية.
إسألوا الجميل وجعجع
بلا شكّ انّ في وسع "حزب الله" مباشرة أو بالواسطة ان يسأل الرئيس الجميل والدكتور سمير جعجع عن صحة هذا الاستنتاج. وبالتأكيد سيؤكدان انه صحيح، أي انّ الإنكفاء إلى "الكانتون" كان المرحلة النهائية في وقته. حتماً، للجميل وجعجع قراءة أو قراءتان لظروف تلك المرحلة و"ملابساتها"، غير انهما راجعا التجربة ليتوصّلا إلى قناعة باتفاق الطائف.
إن الإنكفاء إلى الطائفة الشيعية جمهوراً ومناطق أي إلى "الكانتون الشيعي" هو المرحلة النهائية إذاً؟
من المبكّر إعطاء أجوبة "حاسمة" عن هذا السؤال، خاصة إذا كان السؤال عن "النهاية" ومتى تكون. بيد انّ ما لا شكّ فيه انّ الإنكفاء على الذات بداية مسار إنحداري.
الطوائف "عادت" والشيعة خرجوا؟
وهنا، وقبل "التوغّل" في بعض الاحتمالات، لا بأس من استعادة كلامٍ يتكرّر أكثر من مرة في بعض مجالس "الفكر السياسي".
يقول الكلام الفكري السياسي انّ لبنان في المرحلة التاريخية الفاصلة بين اتفاق الطائف والخروج السوري من لبنان وسقوط نظام الوصاية الأمنية عليه، شهد تطوّرات على مستوى الطوائف، هي التطوّرات التي سمحت بإنجاز الاستقلال الثاني والتي لم تسمح بـ"استكماله" في آن.
ويقول انّ المسيحيين ـ والموارنة منهم خاصة ـ أكدوا انتماءهم إلى لبنان بعد فشل تجربتهم في الحرب، أي "أتوا" إلى لبنان مجدداً، وهذا معنى ما رمى إليه المجمع البطريركي في قوله انّ الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة. ويضيفُ انّ المسلمين ـ السنّة خصوصاً ـ "عادوا" من عروبتهم إلى لبنان ولبنانيتهم، أي أعادوا الاعتبار للبنانيتهم أولاً ولإنتمائهم العربي ثانياً، وقد تأكد هذا التحوّل الإسلامي السنّي بدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ويلفت إلى انّ الدروز عادوا إلى لبنان أيضاً من "رحلة" طويلة بين المدى العربي من ناحية والإنقسام في الجبل في المقابل من ناحية ثانية. أمّا الشيعة بحسب هذا الكلام في الفكر السياسي، فتبيّن خصوصاً في العامين الماضيين انّهم الطائفة الوحيدة التي تخرجها الشيعية السياسية من لبنان في مشروعها المتراوح بين حدّي السيطرة والإلتحاق بالمحور السوري ـ الإيراني من جهة و"الكانتون" الضاغط على البلد ككل من جهة أخرى.
من المؤسف القول انّ هذا الاستنتاج في مجال الفكر السياسي، صحيح. ذلك انّ الشيعة، وهم الطائفة الكيانية أصلاً، والذين "وزّعوا" على كل الاحزاب والتيارات والتجارب، وحققوا إنجازاً كبيراً بتحرير العام 2000 من الاحتلال الإسرائيلي بمساهمة كبرى من "حزب الله" اعترف له بها الجميع، جرى وضعهم من جانب الثنائية السياسية الشيعية خارج "اللحظة التاريخية" الكبرى المتمثلة بالاستقلال الذي هو تلاقٍ بين رافدَين: التحرير من الاحتلال الإسرائيلي والتحرّر من الوصاية السورية، كما جرى وضعهم خارج مشروع الدولة بمرجعية اتفاق الطائف.
محاذير القطع والتطرّف
والآن، بعد هذه التمهيدات جميعها، لا مفرّ من القول إنّ الإنكفاء إلى "الكانتون الشيعي" بقدر ما هو مؤشر إلى تراجع، ينطوي أيضاً في المدى المباشر على مخاطر جدية.
في مقدّم هذه المخاطر انّ الإنكفاء على "الذات" يكون مصحوباً بخطاب "قطع" مع الآخر، أي بخطاب متطرّف هدفه إستنفار الطائفة داخلياً والاستنفار ضدّ الآخر في الوقت نفسه، ممّا يكون له أثر فتنوي في غير موضع.
كذلك، فإن الإنكفاء إلى الكانتون يعني تعقيد وتصعيب أي مشروع تسووي متوازن في أفق منظور.
وبالإضافة إلى ما يعنيه الإنكفاء من "قبضة حديدية" في "الداخل الشيعي"، فإنّه يُطلق تحدّياً تخريبياً من جانب "دولة الكانتون" ضدّ الدولة اللبنانية، ولا يخفى انّ الثنائية السياسية الشيعية ستُطالب في فترة لاحقة غير منظورة بـ"أثمان" للعودة من "الفصل" إلى "الوصل" عندما تعود. والله أعلم!