ماجد عزام
نزعت "حماس" القفازات في مواجهة الحركة السلفية الجهادية في غزة وشنت ضدها حملة اعتقالات هي الأقسى والأوسع انتقلت من شارع الى شارع حسب تصريح أحد قادة السلفيين حركة المقاومة الإسلامية تدفع الآن وفي سعيها نحو مستقبل أفضل لها ثمن أخطائها وسياساتها التحريضية الضيقة الأفق وقصيرة النظر خلال العقد الماضي والتي كانت السلفية الجهادية إحدى تجلياتها وثمارها المسمومة.
تتصرف حماس الآن باعتبارها السلطة الشرعية المنتخبة والتي من حقها اتخاذ ما تراه مناسباً من سياسات ورؤى بما في ذلك طبعاً التهدئة مع إسرائيل الحركة السلفية الجهادية من ناحيتها تعتقد أن لا شرعية فوق شرعية المقاومة وأنه يجب عدم السكوت في مواجهة الممارسات الإسرائيلية في الضفة وغزة من تهويد واستيطان قتل وحصار من دون الاجتهاد والتفكير بأساليب غير عسكرية بالضرورة وهذا في الحقيقة تكرار عكسي لما كان زمن السلطة الفلسطينية الأولى حيث تبدو الحركة السلفية الجهادية وكأنها تستنسخ خطاب ومقاربة حماس آنذاك نفسه تجاه السلطة الحكومة - القيادة وفكرة التهدئة مع إسرائيل أياً كانت الأسباب والتي لم تحترم أو تقدر جيداً لا الشرعية ولا الانتخابات ولا الوسائل السلمية لإجبار الحكومة على تبني سياسات مختلفة وها هي الآن تدفع الثمن.
التهدئة هي إحدى العجائب الفلسطينية الغزاوية والإعلام يتحدث عن تهدئة غير معلنة رغم أن المولود حي يركل ويرفس ولا أحد مستعد لنقاش جدي صريح شفاف ومنفتح حول التهدئة خلفياتها - أسبابها وكيف وصلنا الى وضع أصبحت فيه مصلحة للشعب الخاضع للاحتلال والتصعيد مصلحة لهذا الأخير. وطبعاً لا حوار حول مجانية التهدئة العلنية الحاصلة حالياً والتي سمحت للاحتلال بمواصلة الحصار الجزئي لغزة وفرض ما يشبه حزام أمني داخل القطاع ومنع الصيادين من البحث عن أرزاقهم ولا أحد يسأل أيضاً عن أسباب إنهاء التهدئة الأولى التي تم التوصل اليها بوساطة رسمية مصرية معلنة وكانت أفضل من مثيلتها الحالية وإنهائها المتعجل والارتجالي أدى الى اندلاع الحرب الزائدة التي دمرت غزة وبناها التحتية المتواضعة أصلاً.
حالة الغموض والتكتم المتعمدة تحول دون قراءة تشخيص الواقع بشكل صحيح ودقيق من أجل استخلاص العبر المناسبة منه، ومنذ تنفيذ خطة فك الارتباط عن غزة لم يعد بإمكان المقاومة الاشتباك مع إسرائيل أو خوض معركة استنزاف عسكرية يومية معها وباتت الضفة ساحة المقاومة الرئيسية التي تطرح التحدي الأساس على الفصائل علماً أن وجود السلطة لا يترك مجالاً لأبعد من مقاومة شعبية جماهيرية أقرب الى نموذج الانتفاضة الأولى والسلطة نفسها تمثل أحد أسباب التهدئة في غزة التي لا تريد ولا تحبذ حماس نقاشها أو الخوض فيها بشكل جدي ومسؤول.
ليس بعيداً عن السياق السابق عدم القدرة على تجاهل حقيقة أن الحركة السلفية الجهادية نتاج لحالة العسكرة التي فرضتها حماس على غزة في السنوات الخمس الأخيرة والتي لا تعبر بالضرورة عن المقاومة كخيار يتضمن أساليب وأشكالاً متعددة للعسكرة، أقفلت الآفاق الاقتصادية والاجتماعية والحياتية وأوجدت السلاح بكثرة في أيدي الناس من دون هيبة أو سلطة لأحد من دون امتلاك الشجاعة للقول إن المقاومة لا يمكن أن تكون مبرراً للفوضى والانقسام أو أن يدير أي فصيل بل أي شخص الصراع على هواه وكيفما شاء.
أكثر من ذلك فقد ساهمت حماس نفسها من دون أن تقصد ولكن ضمن سيبرورة السذاجة والغطرسة في وضع النواة الأولى للمجموعات السلفية فقد أسست بنفسها مجموعة جيش الإسلام للسيد ممتاز دغمش الذي قام بتصفية الجنرال موسى عرفات على طريقة المافيا وضمن الصراع الفتحاوي الداخلي الذي لم تتورع أطرافه عن استخدام القتلة والمأجورين لتحقيق مصالحهم الشخصية حماس بدلاً من أن تنبذه أو تحاسبه قامت بمكافأته بعدما طرده الشهيد جمال ابو سمهدانة من لجان المقاومة الشعبية، وأشركته في عملية أسر جلعاد شاليط ومن هناك وبعد التهدئة والبطالة كانت الطريق قصيرة جداً كي يتحول الى الشيخ ابو محمد المقدسي وأحد قادة الحركة السلفية الجهادية في غزة.
عملية أو جريمة رفح البشعة منتصف رمضان الماضي كانت ترجمة أو نتاجاً للمعطيات السابقة وتحويلاً لفائض المقاومة من غزة الى سيناء التي طالتها العسكرة الحمقاء والمتغطرسة معطوفة على السياسات البائسة للنظام المصري السابق غير أنها جاءت في وقت اعتقدت فيه حماس أنها في طريقها لتحقيق هدفها الأول والرئيس الاحتفاظ بالسلطة الاحادية في غزة مع رفع الحصار وفتح معبر رفح من دون الاضطرار الى تنفيذ اتفاق المصالحة وتقديم التنازلات والتخلي عن المكاسب السلطوية الأمنية والاقتصادية التي حققتها خلال السنوات الخمس الأخيرة ووجدت الحركة الإسلامية نفسها أمام الخيار الصعب بالانضمام الى الرئيس محمد مرسي والمؤسسة الأمنية والعسكرية المصرية في حربها ضد مجموعات السلفية الجهادية في سيناء وحلفائهم الغزيين أو رفض ذلك ومواجهة العزلة وحتى تشديد الحصار زإغلاق المعبر وحتى الأنفاق التي مثلت شريان الحياة لسلطتها ولم تتردد الحركة لحظة واحدة في الاختيار والاصطفاف الى جانب الرئيس مرسي ضد من لا يقرأون أو يفهمون التاريخ وحتى الجغرافيا السياسية المتعلقة بسيناء وغزة أو حتى فلسطين ومصر بشكل.
اذاً، الحرب جدية هذه المرة ضد السلفيين من قبل حماس التي تسعى الى الانطواء ضمن مناخات الربيع العربي الساعية الى إصلاح ما دمره العسكر خلال عقود وتأسيس الدولة العربية المدنية الديموقراطية الحديثة ولا مجال بالتالي لتصعيد عنيف ضد إسرائيل وإنما لإدارة هادئة بوتيرة منخفضة للصراع وعلى السلفيين في غزة الاختيار بين العودة الى الجانب الدعوي أو الخضوع للخطوط الحمر وقواعد اللعب التي فرضتها حماس وقبلت بها كل فصائل المقاومة مع تذاكي وتلاعب بالكلمات لا يحجبان حقيقة القبول بكل ما تريده السلطة الحاكمة.