Gift
 
  الأحد 19 أيار 2013


share On Facebook
AlmustaqbalPDFA4 PDF  |  FULL PDF

المستقبل - الجمعة 21 أيلول 2012 - العدد 4466 - رأي و فكر - صفحة 20



"كونكوردات" ألماني ـ إسلامي


د. عصام حداد()

"الاسلام هو أحد مكونات المجمّع الألماني" كلمة للرئيس الألماني السابق "كريستيان فولف" (CHRISTIAN WOLFF) أثارت معارضة واسعة ضده آنذاك ولدوافع عديدة "دينية" أو سياسية.
"المسلمون الذين يعيشون بيننا هم جزء من ألمانيا..." كان الجواب (اللاحق) على لسان الرئيس الألماني الراحل "يواخيم غاوك J.GAUCK" الكاهن البروتستانتي القادم من جمهورية ألمانيا الديمقراطية (DDR). وكلا الرئيسين ينتمي سياسياً "للحزب المسيحي الديمقراطي (CDU)".
ولاية هامبورغ بوابة ألمانيا البحرية الرئيسية الى العالم في الشمال الألماني "أنجزت نصاً لعقد رسمي على مستوى الولاية مع المسلمين والعلويين، وينص هذا الاتفاق الـ(CONCORDAT) على حقوق وواجبات المسلمين والعلويين معترفاً لهم بموقعهم وسط المجتمع...". بهذه الكلمات قدّم رئيس حكومة الولاية السيد "أولاف شولتز (OLAF SCHOLZ)" إلى الرأي العام في 14 آب/أغسطس 2012 مشروع حكومته والذي يحظى بتأييد كافة الكتل النيابية في برلمان الولاية حيث ينتظر إقراره في خريف العام الجاري.
ينظم هذا الاتفاق مسألة تعليم الدين في المدارس ويعترف رسمياً بثلاثة أعياد دينية إسلامية وما يترتب على ذلك من عطل رسمية كما يوفر القواعد لتنظيم بناء الجوامع والمؤسسات الدينية والرعاية الدينية للمرضى في المستشفيات وللمساجين في المعتقلات وليس آخراً تنظيم المرجعيات في إدارة الحضانات للأطفال من أبناء العائلات المسلمة... وكافة هذه الحقوق التي يتضمنها الاتفاق المذكور هي حقوق يكفلها الدستور الألماني لكافة مواطني ألمانيا على اختلاف معتقداتهم كما ينص بالمقابل على الالتزام المطلق بالنظام الديمقراطي للمجتمع الألماني. "إن أهم ما أردنا التأكيد عليه في هذا الاتفاق هو الاحترام لمواطنينا المسلمين والتزامهم باحترام دولة القانون"، هكذا لخّص السيد "شولتز" حاكم الولاية جوهر ما تضمنه هذا العقد الذي أتى في 11 صفحة وبعد مفاوضات استغرقت أكثر من خمس سنوات تغيرت خلالها حكومة ولاية هامبورغ ثلاث مرات أي منذ عام 2006 وحيث كان يحكم الولاية المسيحي الديمقراطي (الليبرالي) السيد (OLE VON BEUST)/
وتتوقع أوساط عديدة أن تحذو ولايات ألمانية أخرى حذو ولاية هامبورغ، ترددت تعليقات تؤكد هذا التوجه في أوساط رسمية لولايات: "بريمن (BREMEN)" و"شليزفيغ هولشتاين" (SHLESWIG HOLSTEIN)" و"بادن فورتنبيرغ (BADEN FURTENBERG).
وهكذا يجري على هذا الطريق التمهيد لعقد مركزي بين الدولة المركزية الألمانية و"ممثلين" للأربعة ملايين مسلم الذين يعيشون في حاضنتها الاجتماعية أتوا في أغلبيتهم العظمى من أكثر من 35 دولة وعلى امتداد نصف قرن مضى..
وهكذا تبلغ خاتمتها الحسنى تلك الرحلة التي امتدت لقرن من الزمن لتنظيم العلاقة بين الدولة الألمانية المدنية والعلمانية وبين الأديان والطوائف الدينية التي تشكل جزءاً مهماً من نسيجها الاجتماعي.
فمع إقرار دستور جمهورية فايمار (WEIMAR) في عام 1919 إثر نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط النظام الملكي سقط معه ذاك التداخل ما بين العرش وبين المقام الكنسي.
ومنذ ذاك التاريخ والتجاذب يدور لقوننة علاقة "الكنيسة الحرة في الدولة الحرة" أي كيفية ترجمة هذه المعادلة التي أطلقها آنذاك النائب الليبرالي التاريخي "فريدريك ناومان (FRIDRICH NAUMANN)". وكان الهدف الرئيسي لهذه المعادلة: أن تُنهى امتيازات الكنيسة وبالتالي واجبات الدولة (العرش سابقاً) في تأمين المستلزمات المادية لنشاطات الكنيسة من جهة وأن تفوز الكنيسة وقيادتها بالانعتاق من رقابة الدولة المركزية عليها. واعتبرت هذه الترجمة الحية لحرية ممارسة المعتقدات الدينية والدنيوية.
ومن جهتها سعت الكنيسة الألمانية الكاثوليكية ومنذ بداية هذا التطور الى تأمين سلطانها ومواقعها وسط رعيتها بأن لجأت الى عقد "(CONCORDAT)" مع حكام عدة مقاطعات آنذاك بدءاًمن: بافارايا (BAYERN) وبرويسن (PREUSSEN) وبادن (BADEN) وصولاً لعقد شامل مع الرايخ الألماني مع استلام النازيين للسلطة (1933)... وبعد الحرب العالمية الثانية وقّعت عقداً جديداً مع حكومة المستشار كونراد أديناور وبعد سقوط جمهورية ألمانيا الديمقراطية (1990) وقّعت عقود مماثلة مع الولايات الشرقية الجديدة...
وكان جوهر هذه العقود وما زال: الحفاظ على الامتيازات المجتمعية وحق المساهمة في صياغة نظام التعليم والتربية المدنية وكذلك ضمان التقديمات المادية من قبل الدولة المدنية الى الكنيسة ومؤسساتها الاجتماعية.. وتبع هذه العقود ما يوازيها مع الكنيسة البروتستانتية من موقع المعاملة بالمثل وكذلك مع الجاليات والطوائف اليهودية في كافة أنحاء وولايات ألمانيا الاتحادية...
الاسلام والمسلمون في الحاضنة الألمانية
يأتي هذا العقد بين ولاية هامبورغ والطائفة الاسلامية فيها بكافة مذاهبها (130 ألف مسلم من سنّة وشيعة وعلويين الخ..) ليرسّخ مفهوم الاسلام مكوناً من مكونات المجتمع الألماني ويتعامل مع أتباعه ومنظماتهم بالمثل كما مع الكاثوليك والبروتستانت واليهود.... ويلزمهم أيضاً احترام الدستور الألماني وأحكامه بما فيها ما يمتّ بصلة للمساواة بين الجنسين بمعنى آخر التزام العائلات التي تدين بالاسلام بالسماح لبناتهن في الاشتراك في دروس السباحة والثقافة الجنسية كما ينص عليها برنامج التعليم المدرسي المقر من الدولة.. وإن نص هذا العقد أيضاً على المساواة في سوق العمل والتوظيف بين المسلمين وأترابهم من الديانات الأخرى فإن هذا مجرد سلاح مهم في النظال من أجل فرض المساواة في الواقع المعاش وفي مواجهة "الاسلاموفوبيا" في الحياة اليومية الاقتصادية الاجتماعية... وبكلمات أخرى في هذا العقد ما يعزز من دور المنظمات الاسلامية ويزيد من اعتبارها الاجتماعي والسياسي ويصبح معه ممكناً بناء الجوامع ودُور العبادة والحضانات الخ.. بأقل تعقيدات سادت حتى اليوم إلا أن التكافؤ في فرص العمل أي إحباط شعار: "أفضل كارل على محمد!". فهي من مهام الدولة في وظائف القطاع العام وكذلك نتاج للنضال الاجتماعي المشترك مع منظمات المجتمع المدني لمواجهة العنصرية في تفاصيل الحياة اليومية والتي لن يمحيها مجرد مصادقة برلمان ولاية هامبورغ على هذا "العقد التاريخي" المهم في الحياة الألمانية خصوصاً والأوروبية عامة.
إن الحرمان من المعاملة بالمثل ساعد حتى الآن المسلمين المتزّمتين والمتشّددين في دعواهم للانغلاق ورفض الانفتاح على المجتمع وقوانينه. إلا أن الوضع الاقتصادي المأسوي لأكثر من 80% من المسلمين في ألمانيا يساعد على الالتحاق بدعاوى المتشددين في حين يخدم التقدم في تعليم وتدريب وتأهيل الأغلبية المعدمة من اتباع الاسلام في ألمانيا في تسهيل اندماجهم في سوق العمل وبالتالي من فك الحصار الذي يعيشون ضمنه في مجتمع غني مادياً ومعنوياً... ان بطالة بنسبة 14% مقابل 6% (ألمان) تشكل عنواناً للتحديات الجدية المطروحة.
فلا اعتراض على بناء الجوامع ودور العبادة وفي مواقع أكثر "حضارية" إلا أن ما يحذر منه كافة الحريصين على اندماج الغالبية المفقرة من أتباع الاسلام هو عدم الاهتمام بتطوير الأوضاع التي تؤهلهم للاندماج الحقيقي واليومي: أي وسط العمل والانتاج بين أترابهم من كافة مواطني المجتمع الألماني الليبرالي... ولا طريق أخرى سوى هذا مهما علا الغبار وتكثّف في معارك منتظرة حول نص هنا ونص هناك في هذا "العقد الجديد" لحياة المسلمين في هذا المجتمع الصناعي المتقدم. وهذا ما يُجمع عليه كل الحريصين في منظمات المجتمع المدني الألماني في ملاحظاتهم ومقارباتهم لهذا "الكونكوردات" الخاتمة في تنظيم حياة الطوائف الكبرى في المجتمع الألماني.
() كاتب لبناني مقيم في برلين
الهوامش
1- من الحزب الديمقراطي الاجتماعي = (SPD)
2- يشكلون 5% (خسمة بالمائة) من تعداد سكان ألمانيا راهناً.



            



ص20

"كونكوردات" ألماني ـ إسلامي

♦  ♦  ♦  ♦  ♦

لبنان الوطن ـ الرسالة لا أحادية ولا تعددية ثقافية بل تنوع ثقافي في إطار الوحدة

♦  ♦  ♦  ♦  ♦

تحوّلات في خطاب الإسلام السياسي من الديموقراطية

♦  ♦  ♦  ♦  ♦

هل بدأت خطوات الإبراهيمي متعثرة؟


الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة