كشفت المعطيات عن أمر عمليات إيراني تجلّى في ثلاثة محاور: انخراط "حزب الله" الفاقع في معارك القصير، والسعي الى تمديد ولاية مجلس النواب اللبناني، إضافة الى منع الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويشي هذا التشدد بارتباك النظام الإيراني خشية تمدّد الإصلاحيين داخله وخشية فقدانه حليفه الأسد وهو ركيزة مطالبته بدور إقليمي بارز.
ويرى مسؤول لبناني متابع بدقة لتطلّعات نظام ولاية الفقيه، أن إيران المنهكة من تأثير العقوبات الدولية ومن تصاعد النقمة الشعبية في وجه مسؤوليها لا تريد المخاطرة باحتمال فوز رفسنجاني، المعروف بانفتاحه النسبي، في الانتخابات المقررة بعد نحو ثلاثة أسابيع. لذا قرر مجلس صيانة الدستور منعه. ويرى في تمسكها بصمود حليفها الأسد أولوية ولو على حساب الخسائر التي يراكمها ربيبها "حزب الله" من جراء اندفاعته العسكرية في القصير.
فتلبية للمشيئة الإيرانية انخرط "حزب الله" بقوة في معارك القصير وشكّل رأس حربة للهجوم الذي يشنه نظام الأسد لاستعادة المنطقة الحدودية، بما سيضطره الى البقاء فيها لاحقاً سواء استردها النظام أم بقيت موضع كرّ وفرّ. بالتالي فإن استمرار تواجده فيها سيجعل منه قوة احتلال ضد إرادة أهل المنطقة بما سيحولها الى ما يشبه الشريط العازل الذي سبق أن أقامته إسرائيل في جنوب لبنان، والذي كان مسرحاً لعمليات مقاومته.
وتحوّل "حزب الله" من مقاوم لاحتلال إسرائيل الى محتل لمنطقة القصير يمرّ بمحطات مشابهة لما درجت على استخدامه الدولة العبرية عبر الحصار فالتجويع فالقصف وصولاً الى الاقتحام. لكن هذا التحول ليس الخسارة الوحيدة. فقد بدأت الخسائر تتراكم منذ انكشاف تورطه العسكري الى جانب الأسد بذريعة حماية اللبنانيين الشيعة المقيمين في هذه المنطقة الى حماية المقامات المقدّسة في دمشق وصولاً الى اعترافه بالمشاركة في الهجوم على القصير بعد أن توالى وصول قتلاه الى قراهم.
أولى الخسائر تجسدت في فقدانه حكومته، حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي بات عاجزاً عن تغطية الحزب بعد انكشاف دوره في ضرب الثورة السورية فيما قاعدة ميقاتي الشعبية تتعاطف مع الثوار. وكانت مشاركة "حزب الله" في الحكومة وهيمنته على قراراتها قد أمنت له على مدى عامين حماية من إلصاق تهم الإرهاب، أقله بجناحه العسكري، كما سيطرح في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع وزراء خارجية دوله آخر الشهر الجاري، خصوصاً لتورطه في سوريا بعد بورغاس إضافة الى اتهام دولي لأربعة من مسؤوليه باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. وقد لاقى هذا التورط استنكاراً غربياً وعربياً إضافة الى استنكار داخلي ومن الائتلاف السوري المعارض.
وتجلت الخسارة الثانية في اضطراره الى المشاركة في تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل الحكومة. وقد تلطى وراء هذه المشاركة لعدم توفر الإمكانات لتقديم بديل يؤّمن له الفوز بسبب انشغاله في مكان آخر، إضافة الى اعتقاده بأن هذه التسمية قد تؤدي الى تنفيس بعض الاحتقان السني - الشيعي الناجم عن تورطه في سوريا. لكن مشاركته في التكليف لم تؤذن بتسهيل التشكيل خصوصاً مع رفض داخلي من قبل مراجع رسمية و"قوى 14 آذار" لإدراج معادلته الذهبية "شعب جيش مقاومة" في أي بيان وزاري مجدداً والتمسك بإعلان بعبدا الذي ينص على عدم التورط في محاور المنطقة.
اما ثالث خسائره فمصدرها نقمة جمهوره المتصاعدة بسبب سقوط أبنائهم على الأراضي السورية، هم الذين ارتضوا سابقاً سقوطهم شهداء في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. يضاف الى ذلك خشية البيئة الشيعية من خسائر مادية وبشرية مقبلة قد تسبب بها إسرائيل بسبب استقدام الحزب سلاحاً كاسراً للتوازن أو بسبب مشاركته في عمليات على هضبة الجولان المحتلة كما أعلن أمينه العام السيد حسن نصر الله بلسانه رغم معرفته بأن هذه الجبهة بقيت هادئة ولم تشهد طلقاً نارياً واحداً منذ احتلالها قبل عقود. ومن المتوقع أن يرتفع عدد قتلاه خصوصاً أن في القصير "جهاديين" يعتمدون منطقه في استدراج الموت طلباً للجنّة خلافاً لما درج عليه في مواجهاته مع الإسرائيليين أو خلال هجماته الداخلية على المدنيين العزل كما في 7 أيار.
وبسبب انشغال "حزب الله" في سوريا، ارتأت إيران تمديد ولاية مجلس النواب. وهو ما يسعى ضمنياً الى تحقيقه "حزب الله" رغم ما قد يؤدي الى انعكاسات على متانة علاقته بحليفه المسيحي النائب ميشال عون الذي لا يريد للمجلس الحالي انتخاب رئيس جديد للجمهورية لأنه يقضي على حلمه الأبدي بالجلوس على كرسي الرئاسة الأولى.
لكن سلاح "حزب الله" الفاعل في سوريا لم يتخل عن فعله عبر أدواته في لبنان. فكان التوتير الأمني خصوصاً في طرابلس للحؤول أولاً دون مواصلة التعاطف مع الثورة السورية وليكون، الى جانب عرقلة التوصل الى قانون انتخابي، سبباً إضافياً لعدم إجراء الاستحقاق الدستوري. وهذا ما كشفه بوضوح حليفه الوزير فيصل كرامي عندما رأى أن الوضع الأمني في مسقط رأسه الشمالي يحول دون إجراء مباراة في كرة القدم فكيف بإجراء انتخابات؟.
ربى كبّارة