يحدث الان
   17:02   
باكستان تبدأ البحث عن أرجنتيني وإسباني مفقودين على تاسع أعلى قمة في العالم   تتمة
   16:54   
"التحكم المروري": حركة المرور كثيفة من الرويال الضبية باتجاه نهر الكلب وصولا الى جونية دون عوائق
   16:53   
الرئيس عون يتلقّى برقية تهنئة من ترامب يهنئه فيها والشعب اللبناني بحلول عيد الفطر المبارك
   16:52   
توقيف 50 سوريا في دده الكورة لدخولهم خلسة الى لبنان   تتمة
   16:51   
قائد الجيش استقبل عميد السلك القنصلي ووفودا   تتمة
   المزيد   




الثلاثاء 16 أيار 2017 - العدد 6066 - صفحة 13
كتاب «فتحية أحمد مطربة القطرين» ملكة المواويل
سحر طه


يهدينا الكاتب محب جميل إصداراً شاملاً وافياً ممتعاً، عن إحدى العلامات البارزة في الطرب العربي، ألا وهي فتحية أحمد «مطربة القطرين». الكتاب صدر قبل أيام عن «دار الجديد» في بيروت، ضم بين طياته بحثاً علمياً في فصول عديدة، ونحن نعلم أنه بحق جهد كبير، أن يحاول باحث جمع شتات المعلومات، والوثائق «النادرة»، التي تحتوي آراء ومحطات كثيرة وأعمال غزيرة في مسيرة فنان، فكيف إذا كانت فنانة مثل فتحية أحمد، موضوع البحث، التي قلما ما ظهرت في أحاديث أو لقاءات، حسب المؤلف، وبدأ نتاجها مع بدايات القرن العشرين واستمر حتى أوائل السبعينات، مع وجود معلومات متضاربة بعضها يفتقر الى الدقة، حسب قوله، لكن شغفه، وبما تركه صوتها وموهبتها من أثر في نفس الباحث كانا الدافع نحو هذا العمل الشاق، الذي أنتج منجزاً توثيقياً يكاد يكون مكتملاً ومرجعاً علمياً للأجيال.

لطالما سمعنا بعبارة «مطربة القطرين»، البعض يعرف لمن أطلقت العبارة ومن اطلقها، وكثيرون لا يعرفون. نعلم أن الشاعر الكبير خليل مطران هو من أطلق اللقب على فتحية أحمد. وفي ذلك يذكر المؤلف أن الشاعر تعرف عليها في مدينة زحلة، وطلب من أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب أن يطلقا عليها لقب مطربة القطرين رسمياً بين الأوساط الفنية والأدبية.

وبعضنا سمع القليل من أغنياتها، إما بالصدفة أو باقتراح من أحد المتعمقين في الطرب، ولعل أشهر ما سمعناه بصوتها أغنية «ياحلاوة الدنيا» التي لحنها لها المبدع الراحل زكريا أحمد، وغناها فيما بعد العديد من الفنانين الكبار، لكن برأينا المتواضع، لم يصل أحدهم في أداء الأغنية، لما وصلته فتحية أحمد من تطريب وارتجال وتصرف يثير الدهشة والعجب والتساؤلات حول أسباب انكفاء مطربة قديرة، وانعزالها، وابتعادها عن الفن طوال أكثر من ثلاثين عاماً قبل أن ترحل عن عالمنا في السنة ذاتها التي رحلت فيها أم كلثوم 1975.

يبدأ المؤلف محب كتابه بالبحث حول تاريخ ولادتها، وهذا من الإشكالات الدائمة في مواليد كل المشاهير في عالمنا العربي. يقول المؤلف: «...أبرز ما يتعلق بتضارب المعلومات هما تاريخا الميلاد والوفاة، والنشأة الأولى، والدخول إلى عالم المسرح...حيث من الواضح أنها كانت شخصية قليلة الأحاديث في الصحف والمجلات الفنية وكذلك الإذاعية...».

وبعد دراسة مستفيضة يرجح الكاتب تاريخ ولادة فتحية أحمد ما بين 1905 و 1908. وأن مكان ولادتها في حي الخرنفش بالقاهرة. ورغم الصعوبات، تمكن الباحث من الحصول على عدد كبير من الصور التي تجمعها بشخصيات فنية وأدبية، ضمها إلى الكتاب...

لماذا فتحية أحمد؟

بعد موجز افتتاحي عن الفنانة، يحدثنا محب عن سبب اختياره لوضع بحث عن فتحية أحمد، يقول: «لقد مثل لي صوت فتحية أحمد محطة أساسية في حياتي لا يمكن أن أتجاوزها، فمنذ أن سمعتها للمرة الأولى شعرت أن هناك شيئاً مميزاً في تلك النبرة يجعلها متفردة عن باقي الأصوات النسائية مع بدايات القرن العشرين.». شارحاً المعوقات التي واجهته خلال البحث عنها.

خلال ستة فصول وأربعة ملاحق، يتصدى الكتاب لحياة فتحية أحمد الفنية (بما لها وما عليها)، لتسليط الضوء على حياتها الفنية التي امتدت إلى ما يقرب من خمسين عاماً... معتمداً «...على نحو أساسي في تدوين سطور حياتها الأولى على الحوارات الصحفية... والرجوع إلى جرد كل ما أتيح من تسجيلات تجارية (ميشيان – أوديون – كولومبيا) والتسجيلات الإذاعية...وأعمال مسجلة استخرجها من قوائم فنية وفهارس خاصة بشعراء الأغاني والملحنين.

في الفصل الأول، نقرأ عن نشأتها الاولى في أسرة تعشق الفن. الشيخ أحمد الحمزاوي والد دولت (اسمها الحقيقي) كان منشداً ومبتهلاً والشيخ زكريا احمد كان من بطانته، وخالتها العالمة الشهيرة بمبة كشر، التي باعت مجوهراتها وأنفقت ثروتها لتمويل أول فيلم مصري بعنوان«ليلى» عام 1927، واختاها، الكبرى رتيبة والصغرى مفيدة مطربتان مجيدتان وإن لم تنالا شهرة فتحية. ونقرأ تفاصيل ممتعة عن بشائر تلك الموهبة اثناء الطفولة البريئة.

ثم يتناول الكاتب مرحلة دخولها مسرح الريحاني بواسطة شقيقتها رتيبة، وخضوعها للتمارين المكثفة على يديه، واخلاصها له رغم المغريات. وكيف تصاعدت نجومية فتحية ونجاحاتها في المسرح، وفي هذا الصدد، يقتطف الكاتب من مذكرات الريحاني عن فتحية أحمد، يقول:«...في ذلك الحين – يعني في عز النغنغة والنجاح – كانت مطربة القطرين السيدة فتحية أحمد ضمن أعضاء الفرقة، وكانت إذ ذاك طفلة صغيرة تنال من إعجاب الجمهور واستحسانه قدراً وافراً، لأنها فضلاً عن كونها مطربة جلية الصوت، ساحرة الغناء، كانت خفيفة الظل رشيقة الحركة دائمة الابتسام على المسرح. وكثيراً ما كنا نعدّ لها قطعاً تلحينية في صلب الرواية كانت تقوم بها على خير الوجوه».

تحدث عن المراحل اللاحقة من عملها في المسرح، وعدد المسرحيات وعناوينها وغنائها فيها، ثم نهاية عهد فتحية أحمد في التمثيل المسرحي واقتصارها على الغناء مع تختها في الصالات وما بين الفصول. كما نستكشف مع الكاتب اسرار رحلات الفنانة إلى سوريا ولبنان وبقائها هناك لفترات طويلة. ثم عودتها النهائية إلى مصر.

افرد الكاتب فصلاً واسعاً عن ملحني فتحية أحمد وخصائص كل منهم وكيف اندمج اسلوب فتحية الخاص في الغناء مع اسلوب كل منهم لينتجوا كنوزاً من الألحان والتسجيلات، منها ما بقي ومنها ما اندثر. بدءاً بالشيخ ابو العلا محمد، مروراً بأحمد صبري النجريدي، وداود حسني ومحمد القصبجي وصفر علي ورياض السنباطي وزكريا احمد وآخرين. كما لقبت بـ«ملكة المواويل» حيث شهد لها كبار الملحنين والنقاد على هذه الملكة التي تفردت بها عن مجايلاتها. وتفضيل بعض النقاد لها على أم كلثوم في هذا المجال.

يصل الكاتب في الفصل السادس والاخير إلى تحليل اسباب فشلها الاجتماعي وأثره على مسيرتها الفنية، وعدم استقرارها العائلي حيث تزوجت ثلاث مرات: الأولى من اسماعيل سعيد الاسكندراني، أنجبت منه ثلاثة فتيان وفتاة واحدة، وهو الذي غادرت معه الى بلاد الشام ونجحت هناك ولقبت«مطربة القطرين». وتزوجت للمرة الثانية من محمد رشدي علي سعد، ثم اخيراً تزوجت من عازف الكمان السكندري أحمد فؤاد علام، وعاشت معه حتى رحيلها في كانون الأول عام 1975.

اربعة ملاحق، في آخر الكتاب، خصص الأول منها حول«فتحية أحمد في صحافة عصرها»، والثاني«فتحية احمد وأم كلثوم ومنيرة المهدية»،والثالث«أشهر أغنيات فتحية أحمد»، والاخير«الاغنيات السينمائية»، وبالطبع أورد قائمة طويلة من المراجع التي أفادت بحثه ولم ينس شكر كل من كان له بيضاء في العمل.