يحدث الان
   23:30   
‏CNN: مقتل 4 عسكريين نتيجة كمين في نيجيريا
   23:29   
‏مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة: رئيس جنوب السودان يتجاهل معاناة شعبه
   23:14   
الجيش: ختم مداخل العقار رقم 1264 بالشمع الأحمر حتى الحصول على أحكام قضائية مبرمة
   23:14   
توقيف مواطن في حورتعلا بحقه مذكرة توقيف بجرم مخدرات
   23:03   
البرتغالي كريستيانو رونالدو أفضل لاعب في العالم لعام 2017 حسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)
   المزيد   




الأحد 18 حزيران 2017 - العدد 6098 - صفحة 3
«في العالم العربي شيء قديم مات ولم ينشأ نظام جديد بعد» حنفي لـ«المستقبل»: صراع الهويات ينتج عن ضعف الدولة القومية والوطنية
حاوره يقظان التقي

يرى الدكتور ساري حنفي، رئيس قسم علم الاجتماع والانثروبولوجيا والدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، والباحث المتخصص في سوسيولوجيا الهجرة واللاجئين والعدالة الاجتماعية، أن الرهان العالمي اليوم هو على التعددية وعلى تطور فلسفة الديموقراطية من أغلبية تحكم الأقلية الى أغلبية تكون حاضنة للأقليات والخصوصيات الإثنية، معتبراً أن صراع الهويات هو نتيجة ضعف الدولة القومية أو الوطنية، التي لا تستخدم وسائل قانونية، منتقداً السوسيولوجيين في المدن والعواصم الذين أهملوا دراسة الطبقات الدنيا، والتي أخذت ثأرها التاريخي في الانتخابات الأميركية والأوروبية.

ويتحدث حنفي في حواره مع «المستقبل» عن حاجة العالم العربي اليوم الى ثلاث مقاربات: ماركسية في ما خص العدالة الاجتماعية، وهوياتية في ما يتعلق بمسألة الخصوصيات الاجتماعية، محذراً من نكوص التعددية في لبنان، وثالثة تشير إلى دور العلوم الاجتماعية في الإصلاح الديني، معتبراً أن «في العالم العربي شيء قديم مات فعلياً، ولكن لم ينشأ نظام جديد بعد، ونحن أمام فوضى لا مناص منها، يمكن أن تقود الى دولة مستقبلية عربية مدنية وديموقراطية».

ويُشير الى ثقافة جديدة انتجتها الميديا الجديدة فوق الدولة الوطنية أو القومية، ومن الصعب كشف ما تحمله من قيم، وهي خارج السيطرة وتفتح رهانات جديدة، ويُسجل استياءه من ظاهرة المجتمع المدني «لأن فيه كل شيء من كل شيء» ويحتاج الى دراسات معمقة. داعياً الى إيجاد فضاءات الحوار السياسي بين النخب، والذهاب من الاقتصادي الى السياسي، وتطوير السلطات التربوية والسياسية.

ويبدي الدكتور حنفي رأيه السوسيولوجي في نتائج الانتخابات الأميركية والأوروبية الأخيرة فيقول: «الانتخابات سواء الرئاسية في أميركا وفرنسا، أو البرلمانية في فرنسا وبريطانيا لا تُقرأ فقط على أنها تجييش شعبوي جديد أدى الى وصول ترامب الى الرئاسة الأميركية، وكاد يصل باليمين المتشدد الى فرنسا، وأدى الى نزعة البريكست في بريطانيا. هذه حركية جزئية، والقراءة الثابتة، أن هناك إشكالية حقيقية خلفتها العولمة الاقتصادية بوجود طبقات ما تحت متوسطة، لم تُدرس مطالبها جيداً من قبل شرائح أكاديمية وبحثية، منحازة موضوعياً إلى الطبقة الوسطى. وكأن المنتخبين حتى من البيض والعمال، والهامشيين الآخرين، كانوا غير مرئيين كشريحة لسوسيولوجيات ما في المدينة والعواصم، وأغفلت طويلاً قضايا الريف وطبقاته، نتيجة فوضى الحركة الرأسمالية والمؤسسات الاقتصادية، أغفلت من العلماء السوسيولوجيين في المدن الكبيرة وفي العواصم، وهؤلاء يمثلون طبقة وسطى وأساتذة جامعات، فعلياً أهملوا دراسة الطبقات الدنيا التي أخذت ثأرها من التاريخ، وانتخبت شخصيات من خارج الطبقة السياسية، وإن كان لبعض منها الانحياز نفسه الى شرائح النخبة» ويضيف: «أمامنا قضايا خطيرة نواجهها في عالم اليوم تدعونا الى التفكير بإعادة الموضوع الاقتصادي إلى الطاولة، بالإضافة الى قضايا أخرى، وأقصد الذهاب من الاقتصادي الى السياسي والناس تريد أن تحاكيها بلغة طبيعية تشبه لغتها وبطريقة مباشرة. الديموقراطية ليست فقط نظاماً سياسياً، بل توصيف ومنهجية وإجراءات وتمكين لفلسفة الديموقراطية القائمة على الحريات الفردية وعلى التعددية والانفتاح على الآخر. للأسف، كثير من الشرائح الشعبية العربية تفهم أن الديموقراطية هي أن الأكثرية تسحق الأقلية، بدل التعايش معها بطريقة وأخرى».

] عدنا الى نظرية «التراصف الطبقي»، ولكن ماذا عن المقاربة بالانتقال إلى العالم العربي؟

- «العالم العربي بحاجة الى ثلاث مقاربات متعاقدة ومتشابكة:

1 - المقاربة الماركسية التي تُعيد الاعتبار لموضوعة اسميها التركيب الطبقي، أجمل من ترجمة التراصف الطبقي ما يُحقق العدالة الاجتماعية، والتكافؤ في توزيع الثروة.

2 - مقاربة هوياتية، تأخذ في الاعتبار الحريات الفردية وأهمية التعددية في مجتمعاتنا وتشكل هويات فرعية كانت مقموعة تاريخياً، وبدأ يظهر على السطح نموذج سنة الأكراد والأمازيغ والايزيديين.. وأيضاً تأخذ في الاعتبار مواضيع الحريات الفردية وحريات الرأي، والحريات الأكاديمية وقضايا أخرى. كل حذلقة الباحث الاجتماعي كيف يصنع مونتاجاً هو الأقرب الى الواقع، وهذا المونتاج يختلف عن مونتاج آخر ينظر فيه. النظام السوري مثالاً، إن هناك توجهاً تكفيرياً في سوريا وحرباً طائفية، كأن الصراع يقول إن الإشكال الهوياتي هو الإشكال الرئيسي. كلا، القراءة الرئيسية في سوريا هي قراءة ماركسية لها علاقة بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات وانهيار النخب الفاسدة مالياً، بالإضافة الى سجن نخب تاريخية كونها تتبنى أفكاراً مختلفة. هذا أدى الى غياب فضاء سياسي للحوار وهو الذي يؤدي بشخص مثل محمد علوش أن يخرج مباشرة من السجن إلى المعركة. النظام السوري خنق النخب وخنق كل مساحة للحوار.

بالانتقال الى مكان آخر لا أرى مثلاً أن الحل في فرنسا هو في إقفال المساجد إلا بعد مسح لما تنشره من أفكار تسيء الى التسامح والعيش المشترك، وإلا نكون في الوضع الأسوأ، انتقال الجماعات من الفضاء العام الى تحت الأرض. منع أهم معارض للجماعات المتشددة الفيلسوف المغربي طارق رمضان من الدخول الى فرنسا، لا يُساعد في حل مشكلة الهويات المتباعدة ولا في تشكيل فضاءات للحوار، أنت تحتاح الى رمضان وغيره لأنهم يعرفون لغة مشتركة مع الناس الذين يتهمون بالتشدد، لغة أنت لا تعرفها لتدفعهم الى حالة قبول العيش المشترك.

أهم دراسة قرأتها أخيراً تشير الى أن 2500 من الذين ذهبوا للقتال في العراق وسوريا، لم يتم تنظيمهم من قبل المساجد السلفية سواء في فرنسا أو بلجيكا أو لندن. لا توجد أدلة على ذلك بيد السلطات الأمنية، والأبحاث الاجتماعية تُركز على خطورة الإقصاء الاجتماعي لشرائح من الجيلين الثاني والثالث هي في أغلب الأحيان عاطلة عن العمل وأصبحت لديها توجهات مرضية من مثل قتل المدنيين للضغط على حكوماتها، وهذا تعريف جديد للإرهاب خطير جداً.

3 - المقاربة الثالثة في العالم العربي هي المقاربة القيمية، ويمكن الإشارة الى أهمية الدين، والتدين، وأهمية إعادة قراءة الظاهرة الدينية، في سياقات مواكبة ومعاصرة، هذه المقاربة مهمة جداً، على نحو مقاربة الأزهر لها في وثيقته وفي مؤتمره الأخير. هذه المقاربة مهمة لي وأعمل بحثياً على موضوعة «القطيعة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الدينية»، فهي ليست قطيعة ابستيمولوجية. هي قطيعة بين نخب لا تتكلم مع بعضها البعض ودخلت في حرب أهلية في أكثر من بلد عربي.. والمشروع هو إعادة الاعتبار الى الدين بطريقة مختلفة عما تم تطبيقه وبطريقة فجة على نحو إما أن تكون علمانياً، أو أن تكون مع دور للإسلام، ما خلق تعبيرات مبهمة، مثل تعبير الإسلام السياسي، وهو تعبير مطاطي وضعنا كل الذين لا نحبهم في هذا الوعاء، وأحياناً يُستخدم هذا المصطلح من قبل مجموعات محافظة، ومن قبل نخبة تظن تبسيطاً أنه يمكن إحالة الدين إلى مجموعة طقوس من الفضائل الخاصة. لم يعد هناك معنى أن نطلب من المتدينين أن لا يكون لهم آراء حركية ذات بعد سياسي، وعلينا التمييز بين ما هو دعوي وما هو سياسي، ليس بمعنى الفصل الصارم، ونستطيع أن نجد أرضيات مشتركة للحوار، يجري التحاور عليها بين اليساريين والعلمانيين وبين النخب الإسلامية مثل قضايا العدالة والمساوة والمواطنة والتسامح والعيش المشترك، ونستطيع محاكمة التيارات الإسلامية أخلاقياً على أساس تلك التوجهات، ولا يوجد دين بدون روح وسلوك موجه للسلوك الإنساني، والسؤال الأخلاقي في صلب الموضوع الاجتماعي، لم يعد باستطاعتنا أن نفكر مثل ماكس فيبر الذي تكلم عن الحيادية المفاهيمية العلمية، وهو أكد على ذلك لأنه عاش في بداية الزمن النازي، وكان يخشى أن تدخل النازية إلى الجامعات. الآن يجب أن نعترف أن لدى الإنسان أفكاراً مسبقة تتنفس وذات طبيعة أخلاقية عندها نبدأ بمعالجاتنا المنهجية للعلوم الاجتماعية، وأنا أدعو النخب الفكرية الى التواضع، وأن تبدأ بالسماح بأخلاقيات موجهة دينية، إذا كانت متسامحة وإنسانية».

القبيلة والنزعة القبلية

] نحن في زمن الصراع على الهويات، والطوائف، والمذاهب، والعائلات، والقبيلة، والعشائر، البيئة اللبنانية التي تُدرّس فيها، واحدة منها؟

- «هناك باحث انثروبولوجي عراقي مهم هو هشام داوود ميّز بين القبيلة كبنية وبين النزعة القبلية التي تطورت بغياب الدولة. ولكن لم يعد هناك حقيقة تلك البنية القبلية. ثمة من يستخدمون النزعة القبلية في اللحظة التي تغيب فيها الدولة القانونية، وتغيب الثقة بعمل مؤسسات الدولة الوطنية. الهيكلية القبلية ما عادت موجودة، لن يتزوج الشخص اليوم عنوة من ابنة عمه، لا تحدث الأمور على طريقة عصبية ابن خلدون، نحن أمام عصبيات مختلفة وهويات نشأت من تقابل طبقات مختلفة ومن عناصر مختلفة، البنية القبلية هشة جداً. لكن الشيء الصلب، هو النزوع الى القبيلة طلباً للحماية، وهو ما يُفسر أهمية الطائفة في لبنان. في لبنان وفي غياب دولة الرفاه، والدولة التي تقدم الأشياء البسيطة من حق التعليم والصحة والكهرباء والمياه، وتُعالج مسألة النفايات، في غياب هذه الأشياء تزدهر النزعة الطائفية. السوسيولوجية ريما ماجد أو الدكتور فواز طرابلسي يقرآن أبعد من البنية الطائفية في الطبقة الاجتماعية باعتبارها أعقد من البنية الطائفية، بمعنى أن الصراعات في لبنان تاريخياً طبقية أكثر منها طائفية، والدور الطائفي فيها ضعيف جداً، هذا لا يدفعنا بتطرف الى القول أن ليس في لبنان بنية طائفية، لكن يمكن الكلام عن دور تفسره التحالفات السياسية والطبقية، أكثر مما تفسره الصراعات الطائفية».

الصراع الهوياتي

] أتقول إنه لا يوجد صراع هوياتي في لبنان نتيجة ضعف الدولة؟

- «رأيي مختلف بعض الشيء، كلا لا صراع هوياتي في لبنان، أهمية ذلك أقل من تلك التي توجهنا الى المقاربة الماركسية، أي صراع طبقات لها مصالح مختلفة. طبقة مهيمنة، تبني مصادر الرزق، حولها وتعطي الطبقات الأخرى، الأمر يحتاج الى مقاربة قيمية في لبنان أكثر، هنا تكمن الإشكالية الأصعب».

] ماذا تعني بالأصعب؟

- «مثل إشكالية حزب الله في لبنان وموضوع العلاقة بولاية الفقيه، وما يؤسس لثقافة وثقة مطلقة بشخص ما مثل ولاية الفقيه. ليس لدي مشكلة شخصية مع حزب الله، ولا مشكلة أن يكون هناك ثقة بشخص ما موجود خارج البلاد الوطنية، كأن أقول أنا، إن أستاذي المطلق هو ماكس فيبر، أو القول بالولاء للعالم العربي أو الولاء لابن خلدون، ولا مشكلة بولاء شخص أو جماعة للسيستاني في العراق، أو الخميني في قم، أو الخامنئي من خارج الدولة الوطنية. الإشكالية ليست هنا، الإشكالية، هي قيمية، هي الأخلاقية القيمية التي يتبناها هذا الاسم أو ذاك، والتي تصبح إشكالية عندما يتم البناء عليها بشكل مطلق، وإلى الأقصى.

في الفكر الإسلامي هناك الولاء المطلق لله، ولاية الفقيه مرت بمراحل ثلاث: لم تكن مطلقة مع الخميني في المنفى خارج البلاد، ومثلها مفهوم الدولة الإسلامية، أصبحت مسألة الولاية الفقهية قبل سنتين من وفاته ولاية مطلقة، والسؤال الذي أطرحه في التحليل كأستاذ علم اجتماع: من قال إن هذا الفقيه هو من يُجسد روح وأخلاقيات الدين، من قال لنا ذلك ليكون ولاؤنا المطلق له، يمكن أن يكون الولاء لفكرة، لأفكار، ولاء للوظيفة. عندي فعلاً مشكلة سوسيولوجية في مسألة الولاء المطلق للأشخاص، وليس للأفكار حتى من خارج الحدود، نحن الى الآن نعلن الولاء لأفكار الثورة الفرنسية ولأفكار أخرى تأتينا من خارج الحدود، ولكن ليس كأفكار إيديولوجية مطلقة.

إشكالية قيمية أخرى في لبنان تتعلق باستخدام تعبيرات تكفيرية وتخوينية قاسية ومتطرفة باتجاه الآخر، أو طائفة أخرى، وازدهار تلك الثقافة، ما يخلق إشكاليات عدة، ولبنان بحاجة إلى إيجاد مساحات وفضاءات للحوار، والأخطر أن تنتقل تلك الثقافة الى نخب لا تتكلم مع بعضها، وتحارب بعضها مباشرة أو بالوكالة. هذا يقودنا الى أهمية تطور السلطات التربوية والسياسية في المجتمع اللبناني، تطور القيمية الإنسانية، هذه حالة تطبيقية نجدها في مسألة استقبال اللبنانيين للنازحين السوريين، وهو امتحان لإنسانيتنا جميعاً. نحن لسنا في موضع نختبر فيه إنسانيتنا أو عنصريتنا، الناس مش هيك، جاك دريدا يقول «لا يوجد استقبال أو ضيافة لا يُشكل نوعاً من مشاعر عداوة ما». الشعب اللبناني مضياف، الموضوع هو في تشكيل البنية الفوقية التربوية والسياسية، والتي لا تساعد على اختبار أوسع للقيمية الإنسانية عند اللبنانيين في هذا الموضوع أو غيره. هذا هو الرهان».

حق الاختلاف السياسي

] بالعودة الى التعددية ما هو الحل، أو الإطار لتمكينها في لبنان وفي العالم؟

- «المشكلة في لبنان هي ازدياد منسوب التطييف، الصراع والسجال حول قانون الانتخاب له هذا المعنى، نخشى من حالة رهيبة من النكوص بالنموذج التعددي يشهدها لبنان. في علم الاجتماع الحديث لا تفهم أن يصوّت المسيحي فقط للمسيحي، أو أن يصوّت المسلم للمسلم، هذه حالة رهيبة في الاجتماع المدني المعاصر. التعددية لم تعد تميز بين مجتمع محلي وبين مجتمع دولي، لا تخوم ولا حدود على الأفكار، التعددية هو فهمنا لحق الاختلاف. هناك آية قرآنية جميلة تتحدث عن خلاف حصل بين النبي يونس والنبي صالح، ومعناها أن الاختلاف يحدث بين الأنبياء، وحق الاختلاف أساسي في التعددية.

النقطة الثانية هي في تطور فلسفة الديموقراطية من الأغلبية التي تحكم الأقلية، الى الأغلبية الحاضنة للأقلية، ومن هنا جاء تعبير التعددية الثقافية Multiculture، وهو الاعتراف بتشكل الأقليات والهويات المختلفة، والاعتراف بخصوصيات كل أقلية إثنية وإعطاؤها الحد الأدنى من الحقوق على أساس المواطنية، لا بل يمكن أن يكون لها حقوق إضافية. التعددية طورت فلسفة الديموقراطية من شكل عددي حسابي الى شكل أكبر، الحذلقة السوسيولوجية اليوم تأخذ في الاعتبار الخصوصيات التي تفرضها الأقليات الهوياتية. هذا لا يعني أن النظام السياسي الديموقراطي والتعددي لن يشهد أزمات، فإذا كانت كندا تسمح للشرطي «السيخي» بلباس «الطربان»، فهل يجب باسم الخصوصية ذاتها الاعتراف لرجل بتعنيف زوجته تحت اسم الخصوصية الثقافية أو الاجتماعية؟ بالتأكيد كلا، يجب أن نعترف أن النظام التعددي يدخلنا ببعض الأزمات. لكن باراديم التعدد أثبت نجاح العيش المشترك، وأفضل من الباراديم الجمهوري على الطريقة الفرنسية التي لم تسمح للأقليات أن يكون لها بعض الخصوصيات، ومن هنا عدم تفهم الفرنسيين لقضية الحجاب الإسلامي، ولا أتحدث هنا عن النقاب، بعض النساء المسلمات يعتبرن الحجاب، جزءاً من دينهن، ما المشكلة ؟ لماذا نفرض عليهن مفاهيم فلسفية، مثل القول إن الحجاب يحجب المرأة عن الواقع. هذه وجهة نظر أتت من علاقة الكنيسة بالدولة في أوروبا، ويجب عدم فرضها على الدولة وعلى مجتمعات تعددية مثل المجتمعات الأوروبية، وتاريخياً كانت التعددية تنسحب أكثر على مجتمعات أستراليا وأميركا وكندا، وهي مجتمعات مبنية على الهجرة.

بالخلاصة التعددية أصبحت النموذج الأكثر أهمية في كل المجتمعات الحديثة، ومنها مجتمعاتنا العربية، وما قصدته أن فرنسا التعددية يمكن أن تكون متسامحة أكثر، إذ ما هي تلك القضية العظيمة التي اسمها الحجاب، مجرد طقس ديني وجزئية، الأمر نفسه يجب أن يُسمح للقبطي في مصر أن يبني كنيسته، متى وكيف وأين، ومن دون خضوع الأمر الى موافقة الأكثرية، وليس الأمر مسألة تعددية عددية. باراديم التعددية يعترف بخصوصيات دينية بأن تُمارس بعض طقوسها».

فلسفة الديموقراطية

] هذا يعني أن فلسفة الديموقراطية في أزمة؟

- «بعض اليساريين يغمزون من هذه القناة ويشككون بالديموقراطية، كون الديموقراطية جاءت بترامب، وأنتجت تاريخياً ظاهرة الفاشية والنازية أيام هتلر، أنا لا اتفق معهم، وأعتقد أن الإشكالية هي في فلسفة الديموقراطية. وأسارع الى القول ليست الديموقراطية مجرد فلسفة، أو نظاماً، أو إجراء قانونياً. الأزمة هي في عدم تطبيق هذه الفلسفة، وهذا له علاقة بأشياء أخرى، أعتقد أن ما أتى بترامب ليست أزمة قوانين الانتخاب الأميركية، إنما الأزمة الفعلية هي بانتشار جشع نيوليبرالي، جعل الهوة بين الطبقات الاجتماعية كبيرة جداً، لدرجة أن يأتي شخص من خارج المؤسسة السياسية ويتم انتخابه، حتى ولو كان شعبوياً، حتى ولو كان معادياً لتعددية إثنية أو فكرية أو دينية. لا أعتقد أن الديموقراطية في ازمة، هناك أزمة في التطبيق في المجتمعات الديموقراطية، وبالتأكيد موجودة في المجتمعات غير الديموقراطية، في غياب مفاهيم التعددية والتسامح والعيش المشترك. الديموقراطية ليست فقط نظاماً، كما قلت هي توصيف ومنهجية وإجراءات تطبيقية، والأزمة التي نشهدها راهناً ناتجة من عدم تطبيق الديموقراطية وليست أزمة في روح فلسفة الديموقراطية».

] ماذا عن انعكاس شبكات التواصل الاجتماعي وفنون الاتصال على النظام الديموقراطي؟

- «كنت في شنغهاي في الفترة الأخيرة واستخدمت المترو في تنقلاتي ولم أجد حولي مطلقاً أي شخص لا يحمل الموبايل، ولأني لا أقرأ الصينية وبحشرية الباحث لاحظت أن الجميع على الشبكة، على شاشة واتس اب، باعتبار الفيسبوك محظوراً في الصين، والبعض يشاهد مسلسلات وأفلاماً، والبعض الآخر يتصفح مقالات على شبكات التواصل الاجتماعي.

القيم الجديدة

نحن أمام ثقافة جديدة لا تُسيطر عليها الدولة القومية أو الوطنية، وهي أدوات مرئية، ربما تلجأ دولة ما الى اعتقال شخص ما أو إقامة دعوات بسبب تويتر أو الفيسبوك، وليس بسبب المقالات التي نشرها، هذا لعب خارج حدود الدولة وهو شيء مخيف. نحن أمام رهانات واسعة جداً والدراسات عنها قليلة للأسف، عن هذا المجهول التقني في الثورة المعلوماتية الحديثة، ما هي القيم التي ستنشرها القنوات أو الأدوات الجديدة باتجاه المواطنة، العيش المشترك، العولمة، أم العكس باتجاه العزلات، والكل يعود الى جزيرته، باتجاه التطرف الديني، المحافظة الدينية؟ في الحقيقة وضعت هذه الوسائل الباحث الاجتماعي أمام مهمة صعبة وهي كشف مضمون القيم الجديدة التي تأتي بها التكنولوجيا الجديدة، وأنا لست مع إصدار حكم قيمي متسرع لا باتجاه تطبيقي ولا بشكل أخلاقي، من نوع أن هذه الوسائط تنشر قيماً مغايرة، انا في موقع حيادي الآن إزاء ذلك. التقويم الاجتماعي الذي اختبرناه، أن هذه الوسائط استطاعت كسر حاجز الخوف أثناء قيام الانتفاضات العربية، وكسرت تابوات من الاستبداد المقيم طويلاً في المنطقة من قبل دول الاستبداد العربي، ولهذا حاولت تلك الدول السيطرة على تويتر والفيسبوك والوسائط الأخرى. في سنوات الثورة الأولى في سوريا، كان النظام السوري يعتقل الناس وأول ما يطلب من المعتقل أن يفتح الفيسبوك خاصته، والبعض تعرض لتعذيب هائل جراء ذلك، وهذا يُظهر الى أي درجة أخافت الوسائط التي استخدمتها التنسيقات في بدايات الثورة السلمية النظام السوري».

] كيف يتغير المجتمع، وما هو نوع هذا التغيير، وماذا عن بروز المجتمع المدني منذ سنوات وما يعكس ذلك: أزمة في السياسة، أم أزمة في النظام؟

- «المجتمع المدني غاية في الأهمية، طبعاً أهميته تتراوح من دولة الى أخرى، بعض الدول تعمد الى زيادة أعمال القمع خوفاً من هذا المجتمع المدني، عدد من الدول تستفيد من هذا المتغير المستقل، ولكن بالعموم هناك خوف مقيم من المجتمع المدني ومن الأدوات التي يتحرك من خلالها وتحديداً الشاشات ووسائل التواصل الحديثة. ولكن المجتمع المدني يواجه أزمات وأنا لدي ملاحظات على الحراك المدني في لبنان، والدراسة البحثية نفسها يمكن أن نجريها على هذا المجتمع، أي لأي درجة يبشر بقيم التسامح والعيش المشترك والمواطنة والديموقراطية. لا يوجد مجتمع أهلي يحمل كله القيم الإيجابية، والمجتمع المدني فيه من كل شيء، فيه إيجابيات وسلبيات، وهو ابن بيئته الاجتماعية، مثل العائلة أحياناً يكون المرء بطريركياً ضد المرأة والطفل وبالوقت نفسه يتكلم بهواجس إنسانية كبرى على صعيد المجتمع!. المجتمع المدني يحتاج الى دراسات معمقة ودائمة استبيانية مثلاً لحالة تصرف المجتمع المدني مع الانقلابات العسكرية، أو كيف يتعامل مع أشخاص مختلفين عنه قيمياً، هناك أشخاص مجتمع مدني علمانيون أو يدعون العلمانية ويمارسون لعبة إقصاء الآخر، ويشاركون في خلق حرب أهلية. المجتمع المدني موضوع هام وخطير والتقويم معه لا يكون حاسماً، لا نملك أجوبة جاهزة تجاهه، نطرح أسئلة أكثر، هو ليس خيراً بحد ذاته، وهو ليس شراً بحد ذاته».

] انت لا تفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الاهلي؟

- «لست مع التمييز بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، هذا يعطي قيمة فوقية لمنظمات حقوق الإنسان والمواطنة في مجالات غالباً ما تتخذ طابعاً تنموياً أو انتخابياً. أنا لست مع التقسيمات والتصنيف من نوع المجتمع الأهلي مصادره داخلية والمجتمع المدني مصادره خارجية، هناك منظمات أهلية تأخذ مساعدات من الخارج من رجال أعمال للتسويق لبضاعتهم ومن منظمات غير حكومية، تحت عنوان تنمية المجتمع الأهلي والمواطنة. مرة أخرى الأمور تتعلق بحكم قيمي عن منظمة أهلية أو جماعات من المجتمع المدني».

الجامعات العربية

] .. وماذا عن دور الجامعات العربية في سؤال التنمية وهو سؤال الديموقراطية أيضاً؟

- «الجامعات العربية في أزمة ومنقسمة الى قسمين: قسم احترف سلعنة الشهادة والعلم لدرجة جرى اختزال دور التعليم العالي الى مدى توافقه مع سوق العمل وإهمال التفكير النقدي والدراسات الحرة ودور التعليم العالي في زيادة وعي الإنسان. هذا النوع موجود وبكثرة، وهناك جامعات غالباً وطنية تبنت الباراديم الأفقي الجماهيري، وهذا إيجابي بشكل عام، مثل الجامعات الوطنية الفرنسية والألمانية و90% من الطلاب يتخرجون من جامعات وطنية شبه مجانية وأنا معها. لكن للأسف حتى هذه الجامعات تحولت الى أماكن للتعليم وطمست الكثير من البحث العلمي وهمشت النزعة النقدية، ونقد المجتمع للسلطات، وطورت فقط النزعة الوظيفية أو خدمة المشروع التحديثي التقني، وأحياناً تحاول سبر أغوارالرأي العام أكثر مما تحاول أن تفهمه. والجامعات عندنا لا يجري ربطها لا بالمجتمع ولا بالصناعة ولا بالاقتصاد وهذا موضوع كتابي «البحث العربي والمجتمع المعرفي»، في نظرة نقدية في الدور الغائب للجامعات، وبينت كيف انكسرت الحلقة الترابطية بين البحث العلمي المنتج، وبين الجامعة والمجتمع، وتشاركت في بحثي هذا مع الباحث ايفاس ارفانيتس».

] في نظام طائفي مثل لبنان، هل يمكن للمجتمع المدني أن يُشكل حيثية راسخة ومهمة؟

- «الجواب مركب، لأن المجتمع المدني هو البنى الوسيطة بين الفرد والدولة، من الممكن بلحظة ما أن تكون الطائفة جزءاً من المجتمع المدني، وممكن أن تكون الكنيسة جزءاً من المجتمع المدني وكذلك الجامع، لا أجد مشكلة في ذلك. هذه نصف الحقيقة، النصف الثاني والأهم، هو أن تدرس القيم التي تنشرها الطائفة أو الكنيسة أو الجامع، وهنا نقول إذا ما كانت تساهم أو لا في مسألة الحريات العامة أو العدالة الاجتماعية أو العيش المشترك والتعددية. البوصلة التي توجهنا للرد على هذا السؤال هو الشيء الأخلاقي في تقويم كل شيء من دون أحكام نهائية».

] كيف تقوّم ازدهار ظاهرة العلوم الاجتماعية في السنوات الأخيرة؟

- «الخبر الجيد أن العالم العربي بدأ يُنتج علوماً اجتماعية هامة وجادة لا سيما في المغرب العربي. أما الخبر السيئ فهو أن هذه المعرفة لا تُستخدم إلا في النذر القليل، ونحن بحاجة الى ربط المعرفة الاجتماعية بصناع القرار وبتوعية الجماهير، والسبب في ضعف استخدام العلوم الاجتماعية في الخمسين سنة الماضية، هو أنه تم نزع الشرعية عنها من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية وبتواطؤ من بعض النخب الدينية والثقافية، من هنا أهمية إعادة خلق فضاءات تفاعل جديدة بين النخب الاجتماعية والنخب الدينية، ولا يوجد فقه واقع بدون علوم النص وبدون العلوم التراثية وعلوم السياق في الدين الإسلامي. سنبقى في ثنائيات واستقطابات هائلة بين من يحاول تجميد الدين وأن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، وبين من يحاول في إطار علوم السياق تدريس الظاهرة الدينية على أنها ظاهرة سوسيولوجية هامة، ومن إنتاج سوسيولوجي. هذا الى المشكلة في السياسات العامة التي لا تعرف كيف تستفيد من العلوم الاجتماعية في العالم العربي».

الثورات صيرورة طويلة

] من وجهة نظر بحثية اجتماعية، العالم العربي ذاهب الى تسويات سياسية أم الى فترات من اللاستقرار؟

- حنفي: «يجب أن لا نصفع الثورات العربية بأسئلة قصيرة المدى من نوع إن كانت قد أخفقت، أو نجحت. هي صيرورة طويلة. ولا يمكن التعامل معها على طريقة Zero أو One، البوصلة إليها هي البحث التقويمي في ما تحدثه أو تتركه خلفها في مسألة تعزيز الديموقراطية والتعددية، وفي مسألة العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وعلى الرغم من الخسائر الهائلة في الأرواح والدمار في سوريا والعراق وليبيا واليمن، أجد العالم العربي وقد بدأ يطرح فضاءات مهمة حول الدولة المدنية والدولة الليبرالية، ونحن أمام مخاض عسير وما يحصل في الخليج العربي واحد من إرهاصاته من أجل ولادات مستقبلية لشيء ما. العالم العربي مات شيء قديم فيه ولكن لم ينشأ فيه نظام جديد بعد. نحن أقرب الى الفوضى، وربما لا مناص منها للولوج الى مجتمعات أكثر تعددية وديموقراطية».

] .. والمسألة الفلسطينية؟

- «لا أدري إذا كان حل الدولة الواحدة أقرب الى نزعتي الإنسانية. كأن نجد دولة تعيش فيها الطوائف والمشارب كافة. لكن النزعة القومية والفكر الصهيوني والنزعة القومية عند الحركة الوطنية الفلسطينية تجعل من باراديم الدولة الواحد بعيداً وبعيداً جداً، وإلى الآن وعلى الرغم من تأكل الجغرافيا والاحتلال الرقمي الإسرائيلي لفلسطين، لا يزال في المخيال السياسي السائد إسرائيلياً وفلسطينياً وفي المخيال السياسي، باراديم حل الدولتين مطروحاً وليس حل الدولة الواحدة. شخصياً لا أرى أي أمل في تسوية سياسية للمسألة الفلسطينية في زمن ترامب، ونتنياهو، وعباس. حتى الفلسطيني ضعيف جداً، والمشروع الأميركي هو مشروع تمتين إسرائيل أكثر منه مشروع وسيط يقدم أفكاراً جادة لحل الدولتين. يبقى الشعور بالأسى كبيراً إزاء اللاجئين الفلسطينيين الذين يزداد بؤسهم عبر أجيال وأجيال من دون أي رافعة لتحصيل حقوقهم الأساسية والإنسانية، وسيبقون يعيشون في الأسى طويلاً».

  الاكثر قراءة في « شؤون لبنانية »
Almusqtabal/ 13-10-2017 : ريفي يتبنّى حملة الممانعة ضدّ رفيق الحريري و«سوليدير» - خالد موسى
Almusqtabal/ 14-10-2017 : في جدّية ترامب - علي نون
Almusqtabal/ 13-10-2017 : الحرب القريبة.. البعيدة؟ - علي نون
Almusqtabal/ 14-10-2017 : يقال
Almusqtabal/ 12-10-2017 : بهية الحريري لطلاب«LAU»: أنتم أداة التغيير نحو مجتمع أفضل
Almusqtabal/ 13-10-2017 : إعادة إعمار سوريا و«لعبة» شدّ الحبال الروسي ــــ الغربي -  ثريا شاهين
Almusqtabal/ 16-10-2017 : عن إسرائيل المحتارة حيال موقف روسيا في المواجهة الإقليمية القادمة - وسام سعادة
Almusqtabal/ 12-10-2017 : في «الإرهاب».. الشامل! - علي نون
Almusqtabal/ 17-10-2017 : في صدّام المستعاد! - علي نون
Almusqtabal/ 16-10-2017 : في ظريف.. والثقة! - علي نون