يحدث الان
   23:55   
‏ترمب: الدعم الأميركي لأفغانستان ليس "شيكا على بياض"
   23:50   
‏ترمب: لن نصمت بشأن الملاذات الآمنة لطالبان وللإرهابيين في باكستان
   23:48   
‏ترمب: سنعزز قدرات جيشنا لضرب الإرهابيين والشبكات الاجرامية
   23:45   
‏ترمب: هدفنا في أفغانستان وباكستان هو القضاء على الإرهاب الذي يهدد أميركا
   23:43   
‏ترمب: الانسحاب السريع من أفغانستان غير مقبول وينتج عنه فراغ في السلطة
   المزيد   




السبت 5 آب 2017 - العدد 6144 - صفحة 13
الموسيقيون الروس قبل ثورة 1917 وبعدها تياران موسيقيان متضادّان
سحر طه


بعد مرور 100 عام على الثورة الروسية 1917، نتوقف عند نقطة فاصلة في تاريخ روسيا، حيث نستعيد الطابع الذي تميزت به مؤلفات كبار الموسيقيين الروس الذين شكلوا تيارات موسيقية منها ما تأثر بنظام القيصرية الذي كان سائداً قبل الثورة، ومنها ما سار ضمن الواقع الاشتراكي السوفياتي بعد الثورة. ويبرز من خلال هذه المؤلفات تأثير الثورة في حياة بعض هؤلاء وفي نتاجهم الموسيقي.

بالعودة الى تاريخ روسيا، نعلم أن أحداثاً كثيرة مر بها هذا البلد، كان لها التأثير المباشر نفسه على مسار الموسيقى الكلاسيكية، كما على الجوانب الإبداعية الأخرى. فبين شباط وتشرين الأول من عام 1917 ثورتان، أدت الأولى إلى إزالة القيصرية، والثانية إلى بداية نظام البلشفية. سوف تظهر تداعياتها وتأثيرها على المقطوعات التي تم تأليفها في السنوات التالية للثورة، وذلك من خلال نتاجات مؤلفيها الكبار.

يذكر أن الموسيقى الفولكلورية، بأنواعها المختلفة، بقيت منهلاً للمؤلفين الموسيقيين في حقبة الاتحاد السوڤييتي، إلا أن أعمال بعضهم سارت وفق الاتجاهات الواقعية الاشتراكية، ومع ذلك، بقيت مؤلفات الموسيقيين ـ التي كتبت قبل الثورة ـ مثل مؤلفات غلينكا مؤسس المدرسة القومية الروسية في القرن التاسع عشر، وموسورغسكي، وبورودين، وتشايكوفسكي، وريمسكي كورساكوف، مدرسة للموسيقيين السوفييت، إضافة إلى أن بعض الموسيقيين الروس المخضرمين، الذين عاصروا الحقبتين القيصرية والسوڤيتية، مثل غلازونوف، وإيبوليتوف ـ إيفانوف، وغليير وماياكوفسكي وغيرهم، صاروا أساتذة ومربين للشبيبة الموسيقية البلشفية، وبنوا بأعمالهم وأنشطتهم الموسيقية جسراً وصل بين الحقبتين من الموسيقى التقليدية الروسية السابقة والثقافة الموسيقية الاشتراكية الحديثة.

ويعدّ بروكوفييف حلقة وصل بين هاتين المدرستين (الروسية والسوڤييتية)، علماً أنه غادر روسيا في بداية الثورة، لكنه عاد إلى وطنه عام 1933، لينضم إلى مجموعة الموسيقيين السوفييت الطليعيين، مثل شوستاكوفيتش وخاتشادوريان وكاباليفسكي.

تياران موسيقيان متضادان

برز في روسيا تياران موسيقيان متضادان. اهتم ممثلو التيار الأول مثل دافيدنكو وبيلي وكوفال بتطبيق مبادئ الثورة «البروليتارية» الفنية، وقاوموا بعض أشكال الموسيقى الغربية، في حين نادى التيار الثاني مثل شتاينبرغ وأسافييف بتشجيع ممارسة طريقة الموسيقى الأجنبية والأعمال التجريبية فيها. وإضافة إلى شتاينبرغ وأسافييف، هناك إديسون دنيسوف الذي يؤلف وفق أسلوبي «التقانة المسلسلة» و«الاحتمالي»، وإيان رياتس وآرفوبيارت الذي هاجرإلى النمسا، وديمتري سميرنوف.

عام 1860 تشكلت في بطرسبرغ (مجموعة الخمسة الكبار) من الموسيقيين: ميلي بالاكيريف الذي قاد المجموعة وسيزار كوي وموسورغسكي وريمسكي كورساكوف وبورودين، وقد استوحوا من غلينكا، ومن ستاسوف ودارغومشكي، الملهمين الروحيين للجماعة، التركيز على الموسيقى القومية والألحان الفلكلورية الشعبية والنهل منها للتحرر من سيطرة الموسيقى الأوربية.

بيتر تشايكوفسكي (1840-1893) يعد بطل تطور الموسيقى الروسية الحديثة المضاد للتيار الأول، تلقى تعليماً على الأسس الغربية، مما جعله منفصلا عن الحركة القومية المعاصرة التي جسدتها المجموعة المؤثرة من الخمسة مؤلفين الروس الذين ذكرناهم سالفاً.

رحمانينوف (1873 -1943)

أما سيرجي رحمانينوف (1873 -1943)، فهو يعتبر الأخير بين سلسلة من مؤلفي البيانو الأعظم عبر التاريخ، ويعتبر كذلك الأخير بين مؤلفي العصر الرومانسي الروسي والتيار الاول المنادي بالاستفادة من الموسيقى الغربية..

حين اندلعت الثورة الروسية عام 1917، غيّر هذا الحدث الكبير من مفهوم روسيا بالنسبة لسيرجي رحمانينوف، إذ كان واحداً من البرجوازيين الروس، خسر أملاكه وأسلوب حياته ومردود رزقه، لذلك سرعان ما غادر روسيا في ذلك العام مع زوجته وابنتيه نحو هلسنكي، حاملاً معه مسودات لبعض مؤلفاته ومن ضمنها مقطوعتان أوركستراليتان وأوبرا (مونافا) التي لم تكن مكتملة، ثم تلقى ثلاثة عقود أميركية للعمل هناك ولكنه رفضها جميعها.

لاحقاً وجد رحمانينوف أن الولايات المتحدة قد تكون مخرجاً لمشاكله المالية، توجه إلى نيويورك عام 1918 حيث قدم 40 حفلة موسيقية، موقعاً عقداً مع شركة «Victor Talking Machine».

ومن أهم آثار الثورة الروسية على رحمانينوف، تراجع نتاجه التأليفي بشكل كبير، فخلال 25 عاماً بين 1918 ووفاته عام 1943، أكمل فقط 6 مؤلفات، وعدا حاجته لتقديم الحفلات والقيام بالجولات والعزف ليعيل نفسه واسرته، كان حنينه لوطنه كبيرا، فحين غادر روسيا، وكأنه ترك إلهامه هناك.

لكن بالرغم من ذلك إلا أن مؤلفات رحمانينوف حازت شهرة واسعة نظراً للتعقيد الذي تميزت به، سواء تلك التي كتبها للبيانو أو للأوركسترا. وأشهر كتاباته للبيانو «بريلود 24» وخمس قطع للبيانو والأوركسترا (4 كونشرتات للبيانو و رابسودي على ثيمة لباغانيني) وثلاث سمفونيات، وكتب أعمالاً أخرى منها «كابريس بوهيميان» و «رقصة سمفونية» وغيرها. وكتب ثلاثة أعمال للأوبرا، و2 سوناتا للبيانو وكتب عدداً من القطع لآلتي بيانو (4 أيدي) وغيرها.

كتب سمفونيته الأولى التي وضع فيها العديد من مميزاته وأسلوبه، حيث قوة التعبير بشكل غير مسبوق في الموسيقى الروسية آنذاك، إلا أن السمفونية حظيت بانطباع سيئ، دفعته ليميل نحو إيقاعات فخمة وغنائية إضافة إلى ألحانه العاطفية، ربما نتيجة الحنين إلى وطنه.

اعتبر رحمانينوف من أعظم عازفي البيانو في عصره إلى جانب قلة من البارعين، حيث امتلك تقنية نظيفة امتازت ببراعة فائقة وعزفه اتصف بالدقة المدفوعة بالإيقاع واستخدامه لأسلوب النقر وقدرته على المحافظة على نقاء الصوت، رغم تعقيد القطعة.

لقب رحمانينوف باسم «بيغ هاند» لامتلاكه يدين كبيرتين جداً مما ساعده على التحرك بسهولة بين أكثر الكوردات تعقيداً، وتقنية يده اليسرى كانت قوية بشكل عجيب، فقط ليفين وهوفمان شاركاه هذه الموهبة واعتمد الثلاثة على أنطون روبنشتاين كمثل أعلى لهم في العزف.

لم يكن رحمانينوف الوحيد الذي تأثر بالثورة الروسية، وغادر إلى أميركا، بل تبعه بروكوفييف الذي سرعان ما عاد إلى ما سمي آنذاك «الاتحاد السوفييتي» في الثلاثينات. وآخرون أمثال مياكوفسكي وشوستاكوفيتش الذي كان صبياً إبان الثورة، وغيرهم ممن تماشوا مع الوضع الجديد في الاتحاد السوفياتي، وكان نتاجهم مثيراً للاهتمام، امتزج فيه الحاجة لإرضاء السلطات الجديدة، خاصة تحت الحكم القاسي لستالين، وبين الحاجة للاستمرار في تحقيق الابداع.

ديمتري شوستاكوفيتش (1906-1975)

عمل شوستاكوفيتش في الفترة ما بين عامي 1930 و1932 على تأليف اوبرا «ليدي ماكبث من ناحية ميتسينسك» الطليعية التي تم إخراجها عام 1934 في لينينغراد. وحظيت الاوبرا في البداية بنجاح كبير. واعقبت عرضها الأول عروض في موسكو وفي مسارح أوروبا وأميركا. فرحب الجمهور الموسيقي في أوروبا بشوستاكوفيتش كعبقرية موسيقية جديدة. لكن ستالين الذي حضر عرض الاوبرا عام 1936 وصفها بانها قعقعة بدلا من الموسيقى، الامر الذي تسبب في صدور مقالة بنفس العنوان في صحيفة «برافدا» السوفيتية وفرض الحظر على عرض مؤلفات شوستاكوفيتش كلها تقريبا ولم يتم تقديمها الا في الستينات.

كان من المقرر ان يقام عام 1936 العرض الأول لسمفونية شوستاكوفيتش الرابعة التي رمزت أكثر من سابقاتها إلى نضجه الإبداعي. واقترن فيها الحماس الدرامي بالمغالاة والروح العاطفية. لكن شوستاكوفيتش اوقف التحضيرات للعرض خشية ان تعتبرها السلطات نوعا من التحدي في فترة تعاظم الإرهاب السياسي. ولم يتم عرض السمفونية الا عام 1961.

قدم دميتري شوستاكوفيتش في آيار عام 1937 سمفونيته الخامسة، حيث أخفى مضمونها الدرامي المأسوي في صورة سمفونية تقليدية. ووصف النقد الموسيقي الرسمي هذه السمفونية بانها نموذج من الواقعية الاشتراكية في الموسيقى السيمفونية.

وتحسنت علاقة المؤلف الموسيقي مع السلطة التي ما زالت تنظر اليه بشيء من الحذر. وصارت حياة شوستاكوفيتش منذ ذلك الحين تحمل طابعا مزدوجا. وبات الموسيقي يتجنب ابداء رأيه علنيا وركز على الإبداع الفني.

أقام دميتري شوستاكوفيتش في الأشهر الأولى للحرب الوطنية العظمى بمدينة لينينغراد، حيث بدأ العمل على تأليف سمفونيته السابعة التي اطلق عليها تسمية «لينينغراد» والتي تعد أكثر مؤلفاته شهرة. ثم ألف في العام 1943 سمفونيته الثامنة التي تمثل لوحة جدارية مأسوية عما تعرض له الإنسان السوفيتي من ذعر واسى ورياء واهوال الحرب العالمية الثانية أثناء الهجوم النازي على الاتحاد السوفييتي.

انتقل شوستاكوفيتش عام 1943 من كويبيشيف إلى موسكو، حيث بدأ بتدريس الموسيقى في كونسرفتوار موسكو. وفي عام 1945 انتهى من ابداع سمفونيته التاسعة المليئة بالتهكم والسخرية من الحياة المحيطة به. وعاد الموسيقي في هذه السمفونية إلى تناول أحد المواضيع الهامة في ابداعه الفني وهو الكشف عن الابتذال. وظهرت في الصحافة السوفيتية اراء متضاربة للنقاد الذين كانوا يتوقعون ان يؤلف شوستاكوفيتش نشيدا مدويا في تمجيد النصر.

صدر في عام 1948 قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي انهال على كوكبة من خيرة الفنانين السوفيات، بمن فيهم شوستاكوفيتش باتهامات في اتباع الشكلية والانحناء امام الغرب. واتهم شوستاكوفيتش في اطار هذه الحملة المهينة بتدني الكفاءة. فتم طرده من الكونسرفتوار. لم يكشف شوستاكوفيتش عن كونشرتو الكمان الأول الذي ألفه عام 1948 خوفا من العقوبات الصارمة التي قد تفرض عليه. وكما هو معتاد انقذته مقطوعة موسيقية ألفها تمجيدا للسلطة عام 1949 واطلق عليها عنوان كانتاتا «انشودة الغابات». وحظي العرض الأول للكانتاتا بنجاح كبير، مما دفع الحكومة السوفياتية لمنح شوستاكوفيتش جائزة ستالين.

علق الكثير من الفنانين السوفيت بعد وفاة ستالين عام 1953 آمالهم على منحهم الحرية ولو في مجال الإبداع. لذلك اخترقت النغمات المتفائلة غالبية مؤلفات شوستاكوفيتش التي وضعها في اواخر الخمسينات، وبينها الرباعية الوترية السادسة عام 1956 والكونشرتو الثاني للبيانو مع الاوركسترا عام 1957. وفي الوقت ذاته يعيد شوستاكوفيتش نظره إلى أهم المراحل في حياة البلاد، حين يبدع السيمفونية الحادية عشرة عام 1957 ويطلق عليها تسمية «سنة 1905».