يحدث الان
   08:35   
الجسر: نرحب بأي حراك و لقاءات تدفع باتجاه اجراء الانتخابات الرئاسية
   08:34   
"التحكم المروري": حركة المرور كثيفة على اوتوستراد الرئيس لحود باتجاه الكرنتينا بسبب الاشغال المستمرة في المحلة
   08:30   
العريضي لـ"صوت لبنان" (100.5): مع أولوية الانتخابات الرئاسية لأنها المدخل لإعادة تفعيل عمل المؤسسات
   08:26   
قوى الامن: ضبط 606 مخالفة سرعة زائدة بتاريخ 17/09/2014
   08:22   
اقبال كثيف للنازحين السوريين على مركز الامن العام في النبطية لتسوية اوضاعهم
   المزيد   




الإثنين 16 أيار 2005 - العدد 1919 - صفحة 13
تأسيس الغرب الإسلامي
  
عمر كوش
يعيد عنوان هذا الكتاب "تأسيس الغرب الإسلامي" الى الأذهان ما كان متواضاً عليه لدى المؤرخين الأوائل عن مفهوم الغرب الإسلامي الذي يبتدئ من مصر ويحتويها وصولاً الى المملكة المغربية الحالية، وهو مفهوم يقابل مفهوم الشرق الإسلامي الذي يبتدئ من خراسان ويتجه صوب بلاد ما وراء النهر وصولاً الى تخوم الصين. في حين يضم القلب الإسلامي الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، حيث انطلقت الدعوة الإسلامية وتركزت الخلافة الأولى والثانية والثالثة.

غير أن ما يميز هذا الكتاب، هو أن الفترة المدروسة فيه هي فترة مفصلية من تاريخ الفتح الإسلامي، تمتد من القرن الأول الهجري وصولاً الى القرن الثامن للهجرة (650 ـ 800 م). كما أنها تشكل فترة أساسية في تاريخ بلاد المغرب بدءاً من طرابلس الغرب، وصولاً الى الأطلسي، إذ تعد من الحقبات التي تحسب من تاريخ الشعوب، حيث يدين اليها المغرب بهويته الجديدة التي بدأت بالتشكل منذ أربعة عشر قرناً والى يومنا هذا، والمجسدة في كينونته كأرض عربية مسلمة.

وتتجسد حركة الفتح في انطلاقة الإسلام التوسعية، التي قوضت الدولة الساسانية، وجردت بيزنطة، وريثة روما في توجهها الإمبراطوري، من ولاياتها الشرقية. لكن وبالرغم من هذه الخسارة فإن الإمبراطورية البيزنطية نجحت في الحفاظ على وجودها، مع أنها بقيت مهددة ومطوقة، الأمر الذي سيجعلها تتحمل الضغط العربي لقرون طويلة، وجعلها راضخة من غير أن يقضى عليها تماماً.

وقد ظهر أن فتح إفريقية كان النهاية المنطقية لفتح مصر، وأن هذه هيأت لتلك، حيث دخل عمرو بن العاص سنة 642م منتصراً الى الإسكندرية، ثم بعث جيوشه الى برقة وانطابلس، ثم تقدمت جيوشه الى زويلة في الصحراء. ومثلت مصر القاعدة الأساسية لانطلاق الهجمات، فهي توفر الجنود والأموال والقادة الضروريين، فضلاً عن توفير نواة على غاية من الأهمية من البدو المنتمين الى المناطق القريبة من المدينة مثل قبائل جهينة ومزينة وسليم وأسلم، وكذلك الحضور الهائل لعدد من أبناء الصحابة الأكثر شهرة. وتذهب بعض المصادر التاريخية الى القول بأن الخليفة عثمان بن عفان سهر بنفسه على تجهيز الحملة العسكرية الأولى في "الجرف" قرب المدينة، الأمر الذي يبدو معه أن مشروع إفريقية كان عمل عثمان الخاص.

من جهة أخرى، كان لفتح إفريقية معنى خاص، باعتبارها كانت تمثل وحدة إدارية ثابتة، لا سيما في تلك الفترة التي برزت خلالها حركة استقلالية ساندتها الأرثوذوكسية المعادية بعمق للسياسة الدينية التوحيدية للإمبراطورية البيزنطية، وستتجسد هذه الحركة سنة 646م بانفصال والي قرطاج غريغوار (جرجير)، الذي ذهب الى حد أخذ لقب الإمبراطور. وهنا يبرز التساؤل عما إذا أول العرب هذه التمزقات الداخلية على أساس أنها علامة ضعف، وأنهم كانوا محددين في اختيار هذا الوقت.

ويؤكد هشام جعيط أن الحضور العربي أخترق أكثر بكثير من الحضور الروماني الأرض المغربية. وبالمعنى المؤسساتي، كان المغرب كله والأندلس خاضعاً لسلطة والي قيروان، حيث باتت هذه المدينة العربية الجديدة عاصمة مجال واسع جداً لفترة معينة على الأقل. من هنا جاءت أهمية الولاية بالنسبة الى سلطان الخليفة على الرغم من بعدها. وكانت أفريقيا داخل هذا المجال بجناحيها، طرابلس والزاب، في قلب الحكم الإسلامي والحضور العربي، وهو ما يفسر الانشطار داخل الإسلام، وبروز سلجماسة والأدارسة والأمويين، وفي نفس الوقت بقاء أفريقية وفية للخلافة حتى في دائرة استقلالها مع الأغالبة، حيث كانت لها إمكانات حضرية واقتصادية ولها تاريخ، وهيأت في هذه الفترة لتكوين الإمارة الأغلبية، وأصبحت أفريقيا قاعدة لتكون دولاً في المستقبل، وذلك لأنها كانت أرض السلطة دون منازع.

الفتح

إذاً، وضعت لحظة الفتح وتنظيمها الذي تلاه الأسس الكفيلة في إبقاء الوجود الإسلامي، وشكلت لحظة انتقال حساسة في مصير بلاد المغرب، حيث انخرط المغرب في الحضارة العربية الإسلامية والثقافة العربية الإسلامية، بما يعني نمط حياة، ودينامية تاريخية، ونظما سياسية واجتماعية، وثقافات شعبوية ونخبوية.

ودخل العرب بلاد المغرب بعملية فتح، أي بغزو عسكرية ضد الروم، ثم ضد الأهالي البربر. وكان الغزو قاسياً، كما كانت السيطرة العربية في أولى خطاها، ولمدة طالت بسبب مطامع الخلفاء، قاسية ومدمرة للبشر. مع أن مغرب الأعماق الذي زلزله واخترقه الغزاة العرب من لدن عقبة، قام بردة فعل عنيفة ومتعنتة، سواء في زمن الفتح أم فيما بعد زمن الولاة الأمويين فالعباسيين، لأنه دخل في دوامة التاريخ، ولأن الأسلمة السريعة الفريدة في هذه الفترة الإسلامية أحجبت مشاعر المساواة وإرادة الاحتجاج. وإن كانت الدولة القادمة، دولة الفاتحين الغزاة، مهددة على الدوام طوال قرن من طرف القوى الاجتماعية، البربر الخوارج بالأساس ثم ثورات الجند، فإنها لم تنحل أبداً، وبقيت صامدة الى أن أوجدت توازناً جديداً مع إبراهيم بن الأغلب.

السيطرة

وكانت أفريقية البوقنصلية وبلاد مزاق ونوميديا قد أخضعت لسيطرة العرب المسلمين بعد أكثر من نصف قرن من المقاومة الشرسة، حيث تسللت بعد خروج حسان بن النعمان (84 هجري) بعض حركات المقاومة في البروقنصلية، لكن طاقة موسى بن نصير العنيف، وهو الذي سمي والياً في هذا التاريخ، قضت عليها بسرعة. وإن كان الفتح العربية لإفريقية هو عمل حسان بن النعمان، بالرغم من إخفاقاته الأولى، وكانت قيادة مشروعه الأكثر جديدة والأكثر قطعية، إلا أن هذا المشروع لم يكن سوى عمل مدمج في مشروع عسكري وبشري ومالي طويل الأمد وعنيد، حيث شعرت البلاد وكأن الفتح محنة تركتها تنزف لأنها لم تنج لا من الرعب ولا من التدمير المادي والنهب. وقد دفعت إفريقية ثمن مقاومتها غالياً بعد أن استسلمت لغالبها. وسيعود حسان الى المشرق العربي محملاً بكميات من الذهب والأحجار الكريمة والخيول والعبيد، الأمر الذي أثار طمع ابن النصير وجشع المروانيين الذين سيفرغون أكثر إفريقية من ثرواتها. ومع ذلك يعتبر هشام جعيط أن ما لحق إفريقية هو أقل مما لحق بقية بلاد المغرب التي ستفرض عليها شروط في غاية القسوة، لكن عالماً ما لا يموت دون ألم ولا قبل أن يعطي الحياة لتنظيم آخر للحياة البشرية، إذ سينمحي سريعاً طابع النفي والمأساوية لهذا التوسع أمام وعوده وإنجازاته التي كان من أهمها: ولادة بلاد المغرب في التاريخ والحضارة عن طريق الإسلام.

إذاً، تركز مقالات هذا الكتاب ـ وهي تعود الى مرحلة الشباب من عمر المؤلف ـ على فترة مفصلية، تتناول أسلمة المغرب وإقحامه نهائياً في مجرى التاريخ الإسلامي، واعتمد فيها المؤلف على منهج صارم، وعلى إطلاع دقيق على المصادر التاريخية التي تناولت الموضوع. ويجد ذلك سنده في تناول التنظيمات والمؤسسات الإسلامية في البلاد التي شملها الفتح، وكذلك البنى الاقتصادية والاجتماعية والمعتقدات الدينية، من غير إهمال الحراك السياسي أو الوقوع في فخ التجريد النظري.

الكتاب: تأسيس الغرب الإسلامي المؤلف: هشام جعيط الناشر: دار الطليعة، بيروت، لبنان 2004