يحدث الان
   22:30   
منظمة الصحة العالمية: محاربة فيروس إيبولا ستستغرق عدة أشهر
   22:26   
"تنسيقيات الثورة": نزوح كامل لاهالي مدينة حلفايا في حماة واعلان المدينة منطقة عسكرية يمنع الاقتراب منها
   22:21   
كتائب الثوار تتصدى لمحاولة اقتحام قوات الأسد حي جوبر في دمشق وتقتل عددا منها
   21:57   
غارة جوية على منزل بمدينة غزة توقع اكثر من اربعين جريحا
   21:51   
البيت الأبيض: قتل الصحفي جيمس فولي هو هجوم إرهابي على الولايات المتحدة
   المزيد   




الأربعاء 12 نيسان 2006 - العدد 2236 - صفحة 20
الشيخ الفقيه المجتهد يتساءل:
"أطوطميون أنتم أم فقهاء؟" حول الزواج المختلط
  
وجيه كوثراني*
ذاع صيت الشيخ عبدالله العلايلي في مجال فقه اللغة أكثر مما ذاع في فقه الشريعة. والحقيقة أن الأدبيات السائدة التي تحدثت عن الشيخ أبرزت أكثر ما أبرزت إسهامه في التجديد اللغوي. على أن إسهام الشيخ عبدالله العلايلي في مسار التحديث والإصلاح لم يكن مقتصراً على مجال اللغة والأدب وحدهما. بل إن مجالاً آخر أيضاً كان موضع اهتمام الشيخ، وهو مجال الإصلاح الديني. فالشيخ، الى جانب كونه عالماً لغوياً مجتهداً، كان أيضاً فقيهاً مجتهداً. فإلى جانب جهده لإيجاد مرادفات عربية مناسبة للتعبير عن المصطلحات والمفاهيم التي انبثقت عن ضرورات تطور العلوم في الغرب الحديث، كان الشيخ يعتقد أن لا بد أن يقوم التحديث على تطور في البنى الاجتماعية والثقافية في المجتمعات الإسلامية. ومدخل هذه الأخيرة أو أحد أهم شروطها هو التجديد في مناهج الشريعة الإسلامية التي كان يسميها "الشريعة العملية".

ومن هنا شغل الاجتهاد في الفقه الإسلامي حيزاً مهماً من تفكيره ومن كتاباته.

من كتاباته في هذا المجال: كتاب "أين الخطأ"؟ الذي صدر في طبعته الأولى في العام 1978، ثم صدر في طبعته الثانية في العام 1992. وفي الحالين والمرحلتين يبدو لي أن آراء الشيخ التجديدية في مجال الفقه الإسلامي لم تحظ بالاهتمام الكافي ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية. وربما كان لهذا التعتيم على فقه الشيخ أسباب متعددة ومن مواقع مختلفة:

ـ من موقع التقليديين والمحافظين والجامدين الذين سخطوا على الشيخ وحاصروا فكره الفقهي وحاربوه.

ـ وربما من موقع الحداثيين الذين لم ينتبهوا في غضون الستينات والسبعينات، الى أن الحداثة الأوروبية في مسارها التاريخي، بدأت بإصلاح ديني وتطوير في العقليات والذهنيات والمناهج. فغاب عنهم هذا الهم الأخير وأغفلوا من حاول التجديد في مجال الفقه واهتموا بمجالاتهم واختصاصاتهم الخاصة وحسبوا أن "الرجعية الدينية" تتراجع وحدها "بتقدمهم" وحدهم.

الشيخ العلايلي الذي خدم الحداثة العربية في مجال اللغة، حاول أن يخدم الحداثة الإسلامية أيضاً في مجال الشريعة الإسلامية. يقول في تقديم مباحثه في كتاب "أين الخطأ؟": "يجمعها (أي المباحث) سلك دقيق هو كيف يجدر بنا أن نعالج الشريعة العملية من جديد توصلاً الى حصيلة يمكن أن تكون أساساً لتقديم الشريعة، تقديم "الفكروية: الإيديولوجية(1) الحادية لعناصر الخلاص في المضمار الاجتماعي العام".

اجتهادات الشيخ العلايلي تشمل الكثير من الآراء التي تحاول أن تواكب التحديات المعاصرة في كثير من الميادين العملية والمفاهيم النظرية: في مفهوم الثروة، وفي تحريم الاكتناز، والتكافلية التعاونية والصحة الاجتماعية والاندماج الوطني بين جماعات دينية متنوعة.. إلخ.. في هذه العجالة نختار بعضاً من اجتهاداته الفقهية المهمة:

* في موضوع استغلال الأضاحي في موسم الحج عن طريق تعليبها لكي لا تهدر: وهذا الاقتراح، سبق أن قدّمه الشيخ العلايلي في تقرير موسّع الى الملك عبدالعزيز آل سعود سنة 1936، ولكن جوبه آنذاك، كما يقول "بمجابهة حادة من بعض المنتمين الى الشريعة". لكن هذا الاقتراح ما لبث أن تبنته المملكة العربية السعودية في العام 1984. ويكتب العلايلي في ذيل مقالته التي أعيد نشرها في العام 1992: "أذاعت القاهرة بأن المملكة طبقت هذا الاجتهاد والذي دعوت إليه، في 11 أيلول 1984. والغريب أنها نسبته الى علمائها دون صاحبه الحقيقي". الذي هو الشيخ عبدالله العلايلي.

* في موضوع التعامل المصرفي: يكمل الشيخ، هنا، ما كان فقهاء النهضة قد بدأوه في إباحة الفائدة مع دخول المصارف الحديثة الى العالم الإسلامي. وإذ هو يشير الى اجتهاد كل من الشيخ محمد عبده والشيخ عبدالعزيز جاويش القائم على مبدأ "أن الضرورات تبيح المحظورات"، يفضل اللجوء الى باب "القراض" لشرعنة العمل المصرفي الحديث وإباحة الفائدة. ومن المعروف أن "القراض" باب تعاطاه النبي للسيدة خديجة قبل الرسالة. وحين سئل عنه، بعدها، وأجاب بما معناه: لو عرض عليّ اليوم لما أمسكت عنه. ويضيف العلايلي: "إن ابن رشد صرّح بجوازه. وللأمانة العلمية يعترف العلايلي بفضل من سبقه من الفقهاء المعاصرين الى هذا الاجتهاد، فيستعيد رأي الشيخ محمد المهدي الذي يعتبر العمل المصرفي وجهاً من وجوه "القراض": "تمكين مال لمن يعمل به على جزء من ربحه". هذا وكان طلعت حرب قد صدّر المنشور التأسيسي لبنك مصر، بهذه الفتوى.

* في موضوع القصاص وإقامة الحد: الرأي عنده أن الحدود في الشريعة العملية ليست مقصودة بأعيانها بل بغاياتها. وهو يجزم، ومن خلال العودة الى القرآن الكريم "أن أكثر التجاوزات ضد المجتمع والتعديات الجزائية ناشئة عن حالات مرضية، مصدرها في الغالب البيئة، مما يكمن فيها من عوامل تسوق قسراً الى الاضطراب السلوكي أو الجموح العملي، أي الى "الجناحية" حيث يستخدم العلايلي هذه المفردة للتعبير عن الحالة المرضية التي يسميها علم النفس .psychopathy`H لذلك فالعلاج ليس بالقصاص باعتباره غاية، بل بعلاج منشأ المرض واقتلاع أسبابه.

* في رؤية الهلال: بعنوان مستثير للمعرفة "أهلال أم طلمس الباب المرصود"؟ يحمل الشيخ على الفقهاء المعاصرين الذين لا زالوا يختلفون على رؤية الهلال (هل رئي أم لا؟). ويعجب أشد العجب أننا في عصر العولمة الكونية لا نزال نختلف بأمر رؤية القمر. والقمر، كما يقول "أبجدية فلكية(...) وقد بات حسبانه مع التقدم العلمي الهائل أبسط من حرف في "ألفباء". وما ظنك بمن غداً يحسب في يسر حساب الجزء من مليون جزء من الثانية، ونظل مع ذلك عند عتبة البحث البدائي: هل رئي أم لا؟ هل ثبتت بداية الشهر أم لم تثبت؟"(2).

في إباحة الزواج المختلط(3): على أن أهم قضية اجتهد الشيخ في موضوعها هي قضية "الزواج المختلط". ذلك أنه كلما طرحت هذه القضية، كلما تفاقم النزاع فيها كما يقول وأدى الى الاتهام "بالمروق والكفر والخروج من الملة". ومن الملاحظ أن طرح هذه القضية لم يكن من قبيل الترف الفكري، بل كان في كل مرة بمثابة البحث عن أجوبة على مسائل معيشية ومشكلات قانونية واجتماعية ونفسية تتعلق بأفراد وعائلات.

وكان آخر زوبعة من هذه الزوابع التي عشناها منذ سنوات هي تلك الزوبعة التي أثيرت عندما طرح مشروع قانون الزواج المدني الاختياري الذي اقترحه الرئيس السابق للجمهورية الياس الهراوي في العام 1998.

كتبتُ حينها مقالات مدافعة عن المشروع (السفير 4 و11/4/1998) من زاوية حاجة مجتمعنا اللبناني إليه كمدخل لا بد منه للتوازن النفسي والثقافي بين أفراده، ولاندماج وطني بين مواطنيه محقق لمبدأ المساواة في حقوق الإنسان والمواطن، واستعدت من زاوية التبرير الفقهي ما كتبه الشيخ عبدالله العلايلي في قضية "الزواج المختلط" تحت عنوان: "أطوطميون أنتم أم فقهاء؟".

ولا بأس في هذه العجالة من استعادة أهم آراء العلايلي في هذا الموضوع الذي دخل عند معظم رجال الدين في حيز "التابو" أي "حرمة المس" على غرار ما يكرسه الكهنة في القبائل البدائية بصيغة ما يسمى "طوطماً" على حد تعبير العلايلي.

يرى العلايلي أن مجتمعاتنا عادت الى "المرحلة الطوطمية" في النشوء الاجتماعي". وشرح ذلك بقوله: "إن الباحثين في فرع علم الاجتماع الديني قطعوا بمبدأ أن لكل قبيلة "طوطماً" مؤلّهاً يستتبعه ما يسمى "التابو" أي حرمة المس. فأباحوا للمسلمة الزواج الداخلي الذي أضع له "الانزواج: Endogamie" من حامل مثل طوطمها، وحرّموا عليها الزواج الخارجي الذي أضع له "الاستزواج Exogamie".

هذا الوصف لواقع الحال في المجتمع المسلم يدفع الشيخ لاستيضاح الأمر من خلال النص القرآني، وليس من خلال ما درج الفقهاء المتأخرون على قوله وتكراره. يقول: درج الفقهاء، بشكل إجماع، على القول بعدم حلية الزواج بين كتابي ومسلمة. والإجماع وإن يكن حجة عند من يقول به منهم. فهو في هذه المسألة بالذات، من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض حجة إلا إذا استند الى دليل قطعي. ولذا ـ يُتابع ـ لم يأخذ أبو حنيفة بإجماع التابعين بقولته الشهيرة: "هم رجال ونحن رجال".

ومرجعية الشيخ في إباحة زواج المسلمة من كتابي الآية 5 من سورة المائدة. ونصها: "اليوم أحل لكم الطيّبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، وطعامكم حلّ لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".

رأي الشيخ في تفسير الآية أن حلية الطعام بتبادل تستتبع حلية الزوجية بتبادل، بدليل واو العطف. فلا فصل بين المنطوق به (الطعام) والمسكوت عنه "الزواج".

يقول: "وأما الاحتجاج بأن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، فليس بوارد مع العاطف. وقياس المسكوت عنه، من النكاح، على المنطوق به، من الأكل أولى. وهذه كلية قرّرها ابن رشد في بداية المجتهد، في غير هذا المطلب، ولكن يُمكن تطبيقها عليه".

* * *

تلك هي بعض الأمثلة من أفكار الشيخ عبدالله العلايلي في مجال الفقه الاجتماعي. وهي أمثلة، تحمل، كما نلاحظ، جرأة في التصدّي لمشكلات اجتماعية واقتصادية مكبلة ومعيقة لتقدم المجتمعات الإسلامية، وكان حلّها قد أضحى يشكل مخرجاً مساعداً لخلاص هذه المجتمعات من حال تقوقعها وانعزالها خلف أسوار "خصوصياتها الدينية" والتي أمست بدورها ذرائع لإعادة إنتاج شتى أشكال الاستبداد والنكوص، فكيف اليوم وقد تقاطعت مع فتاوى التكفير من غير أي وازع.

مبدأان منهجيان يؤكدهما الشيخ العلايلي لرسم طريق الخلاص:

ـ إحياء لاجتهاد مبتكر.

ـ ومفهوم جديد للوحي.

بالنسبة للمبدأ الأول: إن عنصر الزمن بمتبدلاته، يتدخّل ويعمل عمله في أسلوب الإدراك فتحل القضية نفسها بنفسها، وعلى نحو عفوي ولا سيما في مجال هذه الشريعة التي شعارها: "وما جعل عليكم في الدين من حرج"، مقروناً بشعار آخر من الحديث "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح". والعلايلي يعني في ذلك "شريعة ترى الإنسان مصدر التشريع في ما هي مصالحه وضروراته".

ـ أما بالنسبة للمبدأ الثاني: (مفهوم جديد للوحي)، يقول: "أصل هذه الشريعة ـ الوحي ـ ولكنه وحي جعل الإنسان نفسه في صحيحه، ليتحوّل الإنسان نفسه مصدر وحي إلهامي" في التفصيل والتفريع، بحسب المقتضيات التي لا تنقطع ولا تتوقّف حوافزها".

(*) مؤرخ ـ أستاذ جامعي

هوامش

1 ـ يرى الشيخ العلايلي أن تعبير "الفكروية" يرادف في المعنى تعبير "الإيديولوجية".

2 ـ تجدر الإشارة الى أن السيد محمد حسين فضل الله أخذ منذ سنوات بمبدأ الحساب في تعيين بداية شهر رمضان ونهايته.

3 ـ في سياق إعداد هذه المقالة، كنت استمعت الى الكلمات التي ألقيت في جلسة التكريم التي أقامتها الحركة الثقافية انطلياس للدكتورة إلهام كلاّب البساط (8 آذار 2006). الكلمة الرئيسة عن المكرّمة كانت لسيادة المطران بولس مطر الذي عرض لمحطات بارزة من سيرتها. من هذه المحطات المفصلية في حياتها، زواجها، وهي المارونية من مسلم. على أن موقف المطران من هذا الزواج هو الذي استوقفني أيضاً وأنا في حال الكتابة عن الشيخ عبدالله العلايلي في الزواج المختلط. أذكر أن المطران استعاد من دفتر الذاكرة سؤال إلهام بعد رجوعها من فرنسا حول رأيه بين أمرين: زواجها من ماروني لا تحبه، أو زواجها من مسلم تحبه؟ كان جواب المطران: "إلحقي هواك".

في اللحظة ذاتها، تخيّلت فتاة مسلمة تسأل الشيخ عبدالله العلايلي السؤال نفسه: زواج من مسلم لا تحبه أو زواج من مسيحي تحبه؟ افترضت أن الشيخ كان سيجيبها الإجابة نفسها: "إلحقي هواك".

نشرت كلمة سيادة المطران مطر في النهار 9 آذار 2006.

  الاكثر قراءة في « ثقافة و فنون »
Almusqtabal/ 17-08-2014 : قناة «كردستان 24» الجديدة في أربيل - فاروق البرازي
Almusqtabal/ 20-08-2014 : دعوى «ظلامية» ضد مسلسل «سجن النساء» - القاهرة ـ «المستقبل»
Almusqtabal/ 14-08-2014 : «اليونسكو» تدعو إلى حماية التنوع الثقافي للعراق
Almusqtabal/ 15-08-2014 : لطالما عرفتُ أنكٍ كنتٍ تخسرين لكي أربح! - ترجمة بول شاوول
Almusqtabal/ 17-08-2014 : كتاب مهرجانات بعلبك الدولية .. لبنان الجنوب والجمال بفصول العودة
Almusqtabal/ 15-08-2014 : موسى طيبا فنان التجريب المفتوح - يقظان التقي
Almusqtabal/ 14-08-2014 : البيئات الحاضنة للإرهاب في تونس - توفيق المديني
Almusqtabal/ 15-08-2014 : إصدارات
Almusqtabal/ 22-08-2014 : فلسطين ودعت ابنها الشاعر الكبير سميح القاسم - الرامة ـ حسن مواسي
Almusqtabal/ 19-08-2014 : أي مستقبل للمسرح المستقل؟ - بول شاوول