يحدث الان
   00:55   
‏إدخال رجل إلى المستشفى في فنلندا يُشتبه بإصابته بمرض "إيبولا"
   00:47   
‏سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة تدافع عن إرشادات التعامل مع الإيبولا
   00:43   
‏إيران ترفض الإدانة الغربية لسجل حقوق الإنسان فيها
   00:37   
السنيورة لـ «الراي» الكويتية: عون و«حزب الله» يعطّلان الانتخابات الرئاسية في لبنان
   00:31   
‏"بوكو حرام" تنفي اي اتفاق لوقف اطلاق النار مع السلطات النيجيرية
   المزيد   




الأحد 2 تشرين الثاني 2008 - العدد 3124 - صفحة 14
نصّان لجبران في وليم كاتسفليس
تلك الخطب التي لم يدوّنها الداعون اليها
  
جان داية
كانت الخطابة موضة العصر الذي عاش جبران فيه حياته الأدبية الممتدة من 1905، حيث نشر بواكيره في جريدة »المهاجر« النيويوركية، الى العام 1931 لحظة توقف قلبه عن الخفقان. ورغم تمرد جبران على التقليد والتقاليد التي تشمل تلك الموضة، فقد اعتلى منبر الخطابة عشرات المرات، خصوصاً في نيويورك. واذا كانت الخطابة علماً وموهبة وممارسة، فخطيبنا قد درس اصولها في مدرسة »الحكمة« البيروتية، ومارسها في الحفلات الخطابية السياسية والاجتماعية والثقافية التي دعت اليها الجمعيات المهجرية بصورة كثيفة ودورية.

وكان ناجحاً في خطبه بدليل مضمون الخطب القليلة التي نشرت الصحف نصوصها الكاملة ومنها خطبته في حفل تكريم رفيقه في الرابطة القلمية. وبالمناسبة، فان ارتجال جبران لمعظم خطبه، واكتفاء مندوب »السائح« او »مرآة الغرب« او »الهدى« بنشر عبارة واحدة من خطابه، او التنويه بأنه »اجاد وأفاد»، قد ساهما بضياع ثروة ادبية جبرانية لا تقل قيمة عن اي لون ادبي آخر خاض فيه ونشر معظمه في كتبه.

خذ، مثلاً، خطابه في الاسلام الذي القاه في »ماديسون افنيو« في نيويورك بدعوة من »جمعية الأديان الاميركية« في ربيع 1916، وافتتحه بهذه العبارة: »لا اله الا الله، محمد رسول الله.. منذ ثلاثة عشر جيلا تصاعد صوت من قلب العربية قائلاً هذه العبارة. وهذا الصوت يردده اليوم (1916) ثلاث مئة مليون نسمة. وسوف تردده هذه الملايين حتى تصير الأرض غباراً منثوراً. وباستثناء عبارتين اخريين، نشرتهما »السائح« في 25 ايار 1916، فان الخطاب فُقد منذ اللحظة التي غادر فيها الخطيب منبر الخطابة. ويعود ذلك الى ان الجمعية لم تدون الخطاب، خلال القائه، بالخط المختصر، خصوصاً وان التسجيل لم يكن مخترعاً بعد، ناهيك بأن مندوب السائح اكتفى بالقول ان »خطيبنا كان كثيراً ما يقاطع بالتصفيق والتهليل«، بدلاً من نشر الخطاب الذي هلّل له الحضور وصفقوا.

طبعاً لم يكن الزميل في »السائح« مبالغاً في التنويه بنجاح الخطيب. وذلك ان الزميل في »مرآة الغرب« قد نوه ايضا بأن خطاب جبران في مهرجان جمعية »الحلقات الذهبية« الذي القي في اواخر العام 1910، قوطع بالتصفيق والهتاف. ولكن التنويه تكرر في نهاية كل مقطع من الخطاب الطويل المنشور بحرفيته في المرآة بتاريخ 3 آذار 1911. ومن المقاطع التي استثارت التهليل والتصفيق، قول جبران فيه: »علينا ان ننمو كأفراد لكي نقوى كجماعة، علينا ان نسير منفردين مستوحدين نحو قمة الجبل. ومن لا يسير رافعاً رأسه ويظل عبداً لنفسه، لن يسير حراً. فالحرية شعاع ينبعث في داخل الانسان، ولا ينسكب من الخارج«.

ان خطاب جبران في تكريم وليم كاتسفليس الطرابلسي ذي الأصل اليوناني، وقد القاه قبل عام واحد من رحيله استثار ليس فقط تصفيق الحضور، بل ابتساماتهم ايضا. وعلى سبيل المثال، يقول الخطيب في كلمته: »أظن ان هذه اول حفلة من نوعها لم يكن وليم كاتسفليس عريفاً فيها يقدم كل خطيب بخطاب جميل وكل شاعر بقصيدة نثرية. نعم هذه أول ليلة يجلس فيها وليم هادئاً ساعتين كاملتين يسمع ولا يستطيع الكلام حتى النهاية. ترى، اليس في ذلك شكل من اخذ الثأر«.

ولنقلب الصفحة، لم تكن هي المرة الوحيدة التي يكتب فيها جبران عن كاتسفليس. فقد سبق وبعث له رسالة قبل عشر سنوات نشرتها السائح في 10 ايار 1920 وتحت عنوان »جواب مفتوح على كتاب مفتوح« ذلك ان وليم كان نشر في الجريدة نفسها بتاريخ6 ايار 1920، كتابه المفتوح قال فيه: »منذ ظهرت مواكبك كالكواكب في سماء الأدب وأنا احاول ان اقول كلمتي فيها وفيك. ولكني كما تعلم قد اصبحت من كهنة عمون او بعال او ملوخ او كائن من كان اله الذهب عند الأقدمين، وخدام هذا الاله لا يجدون فراغاً من اوقاتهم لصرفه في سبيل الأدب، وهم غالباً تتحجر عقولهم وتجمد قرائحهم«. اضاف »عرفتك منذ نيف وعشرين سنة، فكنت دائماً في اقوالك وأعمالك بشير التوليد والابتكار... يقولون اننا اصحاب بدعة واننا نحاول تشويه محاسن لغة سيبويه. واننا خياليون. صدقوا والله« وختم منوهاً بفرسان الرابطة القلمية الذين »البسوا الآداب العربية حلة جميلة. فالريحاني بحر من الأفكار زاخر وقلم ساحر. وابو ماضي (ايليا) شعلة تلتهب وشعر يسيل. وأيوب (رشيد) كمنجة في كل وتر من اوتارها حنان وعاطفة. وعريضة (نسيب) عريض المعارف. مبدع في الأسلوب ونعيمه مبتكر ومفكر عميق وشاعر رقيق«.

وجاء جواب جبران مختصراً، قياساً لكتاب وليم، وعابقا بالتواضع، وقد كرر فيه ما سبق وضمنه احدى رسائله الى ابن عمه نخلة، حيث قال: »أما قول الناس اننا اصحاب بدعة، فحقيقة لا نكتفي بالسكوت عنها، بل نفاخر بها«.

وفي ما يلي نص الرسالة المجهولة وغير المنشورة في كتاب رسائل جبران، ونص الخطبة المتوجة بالكلمة التي قدم فيها الأديب المهجري المغمور فوزي بريدي، »النابغة جبران« على حد تعبيره.

كلمة جبران خليل جبران

»تعلمون أيها السادة أن أدبنا العربي قد سرت فيه بعهده الأخير روح تبعث على التجديد، وهي الروح التي نتوسم فيها حياة جديدة لأدبنا العربي على الإطلاق. ولا أظن أحداً منكم إلا ويذكر فضل هذه الروح التي بثّها قلم ساحر وريشة مبدعة وخيال واسع وإلهام هو شيء من نفحات السماء. وكل هذه مجموعة بشخص أقدمه إليكم، عرفتموه بالروح وبالذات، فرأيتم فيه وفي خدماته وفي نياته وأخلاقه ملاكاًً بصورة إنسان ونبياً في أمته خدمها ويخدمها بحياته ومآثره الغراء النابغة جبران خليل جبران«. فوزي بريدي

عرفت وليم كاتسفليس منذ زمن بعيد، بعيداً جداً. ولا يعني قولي »بعيد جداً« أننا نحتفل الليلة بيوبيله الذهبي. لا، فوليم لم يزل في شبابه، مرفوع الرأس مجنح القدمين.

لقيته في أرض آبائنا وأجدادنا بين تلك البساتين والخمائل، وكان شبابنا الغضّ أغنية تنتقل بها الأهواء من زهر الليمون الى الورود الى الياسمين، ثم تتصاعد بها الى غابة الأرز. ومنذ تلك الأيام الى هذه الساعة، وليم كاتسفليس هو هو الأديب الأريب الدارس البحّاثة والكاتب الممتاز الذي يتناول المواضيع ويتلاعب بها برشاقة. فتقرأ ما يكتب، فتتفكّه من مداعبته ورشاقته وملاعبته. ولكنك لا تلبث أن تجد وراء كل هذه الصور الخارجية الطيبة نكتة فلسفية أو نظرة علمية.

وهناك وليم الاجتماعي. فقد تفهم روح هذه الجالية حتى أحبها من صميم قلبه فخدمها خدمات جلّى فلم تظهر معضلة أدبية أو تجارية او كنائسية إلا وكان وليم في مقدمة الذين يحلّون المعضلات ويفكّون العقد المستعصية. أجل، وليم الاجتماعي ذو ميزة فريدة، فهو الممثّل والمحدّث، وهو الخطيب المفوه. وأظن أن هذه أول حفلة من نوعها لم يكن وليم كاتسفليس عرّيفاً فيها، يقدم كل خطيب بخطاب جميل وكل شاعر بقصيدة منثورة. نعم هذه أول ليلة يجلس فيها وليم هادئاً ساعتين كاملتين يسمع ولا يستطيع الكلام حتى النهاية. ترى أليس في ذلك شكل من أخذ الثأر؟ وليس من عار من أخذ الثأر. فليجلس هادئاً ساعتين كاملتين، وأنا لا أشفق عليه، وأنتم يجب أن لا تشفقوا عليه. وربك، ان في الحياة عدلاً خفياً. وربك ان في الكيان نظاماً مقرراً حاتماً وقد بلغ ذلك العدل وليم كاتسفليس وقبضت عليه الليلة أيدي ذلك النظام. فليجلس هادئاً.

ولديّ أمور كثيرة أرغب في أن أقولها في وليم كاتسفليس. ولكن شهادتي مجروحة. فالروابط الكائنة بيننا، والعواطف التي نتشارك فيها، والأعمال التي نريد تحقيقها، تربط لساني وتعيد الكلمات الى سكون قلبي.

يا أخي وليم، أضرع الى الله أن يبقيك لنا رفيقاً حبيباً وصديقاً عزيزاً، ويحفظك وعائلتك الكريمة في بحبوحة العيش والهناء، وأن تكون حياتكم جميعاً مثل سلّم من ذهب تتعالى من قلب الأرض الى أعماق اللانهاية.

رسالة جبران

جواب مفتوح كتاب مفتوح

أخي وليم:

لقد تلطفت يا أخي ووضعت اسمي في صدر كتاب لم يكتب بالحقيقة الي بل الى فكرة جديدة علوية تضم فئة من الفتيان المستيقظين مثلما يغمر ضباب الفجر طائفة من الأشجار والانصاب المزهرة في حديقة بعيدة عن سبل الزمن.

ولم يكن كتاب »المواكب« سوى وتر شددته بين أوتار قيثارتك وضربت عليه نغمة أجل عندي وأجمل لدي من صراخ وتهاليل ألف موكب وموكب ـ تلك النغمة التي أتشوق الى استماعها من أفواه وقيثارات أبناء الغد الذين ولدوا أحراراً وعاشوا مستقلين وساروا بقدم ثابتة نحو محجة الابتكار الفكري والتوليد النفسي.

لا أخي لم يكن كتابك موجهاً إليّ بل الى اليقظة التي راودت أجفاننا، الى الربيع الذي أذاب ثلوج شتائنا وبث في عروقنا رحيق نيسان وكوثره وأبدل الجمود في أرواحنا الى حياة خضراء تمزق بعزمها الأكفان التي وضعها التقليد والتقاليد حول أيامنا وليالينا.

أما قول الناس أننا أصحاب بدعة فحقيقة. لا نكتفي بالسكوت عنها بل نفاخر بها. فنحن أصحاب بدعة. ونحن من الخوارج. ونحن من المتمردين الثائرين الذين يسعون نحو المدينة المقدسة ولكن على سبل ما نعمت تربتها القوافل ولا ألقى الموت العظام والجماجم على جنباتها.

أي والحق نحن من الخوارج بيد أننا لا ولن نتبع نبياً مقنعاً ولو حاولنا لما استطعنا فالمسافة بين المدينة المقدسة وخراسان لأبعد من المسافة الكائنة بين زحل والمشتري. ومن يقابل الشمس بوجه مسفر ولو مرة واحدة لا يلتثم أبداً. ومن يجلس ولو دقيقة على مائدة الحياة يأبى الوقوف بين القبور. ومن يسكر من نغمة الناي لن ينبهه نقيق الضفادع وعويل بنات آوى.

أما قولك يا وليم أنك أصبحت من كهنة ملوخ وعمون فكلام يمر على شفتيك ولا يخرج منهما وإذا خرج من شفتيك فلا ينبثق من قلبك وإذا انبثق من قلبك فنحن لا نسمعه وإذا سمعناه لا نقبله وإذا قبلناه غضبت علينا السماء.

أنت سائر معنا جنباً الى جنب وستبقى سائراً معنا.



  الاكثر قراءة في « نوافذ »