يحدث الان
   15:43   
التحكم المروري: حركة المرور كثيفة من مستديرة رزق الله سن الفيل باتجاه تقاطع الشفروليه فرن الشباك
   15:48   
أبطال أوروبا: الثلاثاء: سسكا موسكو – مانشستر سيتي (19,00) روما - بايرن ميونيخ، أبويل - سان جرمان، برشلونة - أجاكس، تشلسي - ماريبور (21,45)
   15:25   
جنبلاط: لاقفال مطمر الناعمة الذي يشكل واقعاً بيئيّاً وصحيّاً مزريّاً لأهالي المنطقة
   15:39   
أوكرانيا: انفجار عنيف في دونيتسك وهجوم قرب الحدود الروسية
   15:25   
التحكم المروري: حركة المرور كثيفة من جسر الرينغ باتجاه تقاطع برج المر
   المزيد   




الثلاثاء 27 نيسان 2010 - العدد 3636 - صفحة 22
كرونوزوفيا التاريخ وفلسفته
  
مراجعة: ريتا فرح
«التاريخ الحقيقي للجنس البشري هو تاريخ الاتجاهات المُدرَكة من قبل العقل، لا تاريخ الأحداث المميزة من قبل الأحاسيس». بهذه العبارات يحدد هنري توماس بوكل الفرق بين التأريخ للأحداث وفلسفة التاريخ؛ أي إستقراء الحدث التاريخي والبناء عليه. في كتابه»نظام الزمان» الصادر عام 1984 يُقدم كريستوف بوميان مادة علمية، كثيفة الدلالات، لجهة ما تحويه طياتها من نظريات فلسفية ودينية، تعالج إشكالية أساسية، تتمحور بكليتها حول العدة المفهومية والإدراكية لنظام الزمان، وقبل الولوج في دراستها، يتساءل، هل التاريخ نفسه، فن؟ أم علم؟ أم علم تأويل؟. حتى القرن السابع عشر لم يُصنف التاريخ كعلم، ومع بدايات القرن التاسع العشر دعا كل من سان رئيال وفرناند بروديل وإرنست لابروس الى التاريخ اللاحدثي، القائم على قراءة الوقائع بغية التوصل الى نتائج تتخطى منهجية التوصيف.

يُقيم الكاتب مقارنة بين مفهومي الحدث والإدراك، فالأول، يُعنى بتقسيم الزمان المعيوش الى متوالية منظمة من الوحدات غير الظاهرة والمميزة؛ والثاني، يسعى الى البناء على الحوادث الماضية لكونه لم يكن شاهداً عليها، رغم السؤال الذي طرحه الكثيرون بأي حق تتكلم عن أحداث لم تشهدها أنت بنفسك؟ فيأتيهم الجواب، الذين يأتون متأخرين يستطيعون أن يروا أكثر وأبعد من أسلافهم، وقد وُضعت من أجل ذلك التقنيات والمناهج التي من المفترض أن تفتح طريقاً لها في اللامرئي. لم يكن التاريخ بمعناه الخطي/ السرمدي إبان القرون الوسطى في أوروبا، إلاَّ تاريخ المقدس، حيث الفاعل الوحيد هو الإله. وعلى قاعدة الاعتقاد بخلود روما، تمّ تورخة الأحداث المتعلقة بالكنيسة وروداها، وفي ما يتعدى هذا النسق القدسي، تخضع كافة الظواهر البشرية للتعاقب الدوري من نمو فازدهار فانهيار. وفي هذا السياق يشرح الكاتب وجوه الاختلاف بين الدنيوي والمقدس، ففي حين يتجه الدنيوي نحو التبدل والتحوّل؛ يسلك المقدس طرقاً حتمية تعيد كل مخلوق الى الإله. هذا الاتجاه المسيطر على رؤية المقدس للتاريخ والمحكوم بالبعد الخطي لبلوغ المشتهى، قارعه بعض الفلاسفة؛ فتاريخ البشر برأيهم يتخطى حتمية النظريات، ويدخل في النظام الدوري لتوالي الأحداث.

المفاهيم التي صاغها آباء الكنيسة حول التاريخ، وفي مقدمتهم توما الاكويني، اختلفت مع التيار الانسانوي، وبدءاً من النصف الثاني في القرن الرابع عشر، أصبح الزمان بالنسبة لهم، «زماناً دورياً أو متذبذبا»، لا يقوم على تدخل الإله في التاريخ، فالبشرية وحدها قادرة على صناعة الحدث الذي لا يخرج عن حيز الزمان التعاقبي؛ والطبيعة عندهم قادرة على التحكم بمساره، وبإجباره على «النزول من جديد» الى القعر بعد بلوغه الذروة. لكن الاصلاحيين العائدين الى مصادر الإيمان على وقع التجديد لسلطة الكنيسة، تجادلوا مع الانسانويين، وهنا يستشهد الكاتب بأطروحة لورنزو دوفاللا «مقال حول هبة قسطنطين الكاذبة» الذي انتقد هؤلاء، غير أنه لم يتخط مع نظرائه السياق الخطي للمقدس، رغم مطالبته بممارسة مسيحية أصيلة بعد فساد الكنيسة، دون أن يغيب عن باله إسقاط التاريخ في دوامة الدوران.

تعقب الزمان عند الانسانوية والإصلاحية دون مساءلة التاريخ نفسه، بعد أن كان الله الفاعل الحقيقي فيه، إتخذ مع مالتوس في كتابه الشهير «بحث حول مبدأ السكان» أبعاداً أخرى، أساسها «الدورات الاقتصادية» التي ترجئ المقدس والتفكير الفلسفي الى خارج الأزمنة، وتجعل من المآشير السكانية والاقتصادية انطلاقتها الأساسية، ولم يختلف كارل ماركس عن مالتوس في تخطي المقدس، فأسس لنظريته حول الاشتراكية العالمية المنبعثة من أنقاض الرأسمالية المتوحشة كما يسميها بيار برديو، ورأى أن الحدث الاقتصادي يمثل المحرك الأساسي للتاريخ.

في الفصل الثالث الموسوم «حِقب»، يتطرق المؤلف لأهم النظريات المُفسرة للتاريخ، أي تاريخ الجماعات البشرية وليس تاريخ المقدس، بدءاً من نظرية الممالك الأربعة المستوحاة من تفسير دانييل، مروراً بالتقسيم الذي وضعه القديس أوغسطين الذي قسَّم التاريخ الى ست مراحل تبدأ من آدم الى نوح وتنتهي مع ميلاد المسيح الى نهاية الزمان وفقاً لأنموذج خطي، تصاعدي، لا يستغيث تعاقب التاريخ البشري، وصولاً الى العلاَّمة ابن خلدون مؤسس نظرية التعاقب الدوري للأمم، الذي انتقد كما يشير الكاتب التقسيم الاوغسطيني المتعارض مع التاريخ.

الى ذلك قرأ فولتير، التاريخ، من زاوية الصراع بين الحضارة والبربرية، مطبقاً خلاصاته على التحولات التي شهدتها أوروبا، مع توسع أواصر الامبراطورية العثمانية، مما أنتج صدمة حضارية آلت الى الانقطاع التدريجي مع ما يسميه الكاتب «عصر الظلمات». وفلسفة التاريخ مع هيغل اتخذت منحى آخر، ورغم تقسيمه للأحداث الى مراحل أو حقبات، لكنه جعل «العقل» القاعدة الأساسية التي تحكم العالم، وبالتالي « فمجرى التاريخ عقلاني هو أيضاً». وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية، حتى صيغت مقاربات جديدة، عمادها تفسير التاريخ من ناحية العلاقات البنيوية، وأولى المعارك، خاضها رائد علم الانتروبولوجيا كلود ليفي ستروس، بعد أن وضع مؤلفاته الثلاثة: البنى البدائية للقرابة، المدارات الحزينة، الانتروبولوجيا البنيوية، طارحاً نتائجه الميدانية حول أنساق القرابة. والحال نجد أنفسنا نتساءل، هل البنيوية عقيدة أم هي منهجية؟ من الممكن أن تكون هذا وذاك، على اعتبار أن العقيدة نتاج ثقافة مجتمع ما، في حين أن المنهج يهدف الى تطبيق الآليات الباحثة عن المعرفة.

بعد التطرق لأهم النظريات المُفسرة للتاريخ، يستهل الكاتب معركته التي يمكن إدراجها تحت التساؤلات التالية: ما الزمان؟ ما هي مقاييسه ومحدداته؟ وما هي أبعاده الفلسفية والدينية؟. يؤرخ بوميان للتحولات التي خبرتها البشرية في قياسها للزمان، أي في تأسيسها لأبرز التقويمات، سواء عبر ربطها بالاحداث أو الدين أو الفلك، أي حركة الأجرام السماوية كما يفضل أفلاطون، مؤسس التمييز بين الزمان والأبدية، المتحول مع القديس أوغسطين رائد الكرونوزوفيا المسيحية الى سؤالين إشكاليين، ما الذي كان يفعله الله قبل خلق السماء والارض؟ ولماذا نسأل عمَّا كان يفعله الله؟. إله المسيحية وفق تفسيره الديني، ثابت، مطلق، لا يخضع للتغيير خلال الأبدية، وعلى هذا الأساس لا داعي لطرح مثل هذه الإشكاليات، «فليس هناك آن عندما لا يكون ثمة زمان». التعرف على الزمان وماهويته، والمفارقة بين مفهومي السرمدية والأبدية، يبدو أكثر وضوحاً عند توما الأكويني، فالأبدية عنده تزامنية كلية، والزمان تعاقبي، أما السرمدية فهي الوسيطة بينهما. على الجبهة الأخرى يستفيض بوميان في التوثيق والمقارنة، للمقاربات الفلسفية والعلمية الباحثة هي الأخرى عن معاني الزمان وأنظمته، من نيوتن الداعي لثنائية الزمان النسبي والزمان المطلق، الى إيمانويل كَنْت القائل بالعلائق بين الزمان والظواهر حين قال: « الزمان لا يجري بل يجري فيه وجود المتغير».
الكتاب: نظام الزمان الكاتب: كريستوف بوميان المعرّب: بدر الدين عردوكي الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للنشر بيروت 2009
  الاكثر قراءة في « رأي و فكر »
Almusqtabal/ 15-10-2014 : «عين العرب» والاستثناء الكردي - عبدالله أمين الحلاق()
Almusqtabal/ 15-10-2014 : بين الانتصار للبنان.. والانتصار على لبنان - خيرالله خيرالله
Almusqtabal/ 13-10-2014 : السلاح الإيراني.. آخر ما يحتاجه لبنان - خيرالله خيرالله
Almusqtabal/ 13-10-2014 : في مواجهة التطرّف الديني - محمد السمَّاك
Almusqtabal/ 14-10-2014 : «حزب الله» المتوتّر.. أين ستكون مفخّخته التالية؟ - غازي دحمان
Almusqtabal/ 15-10-2014 : نهوض السياسة المدنية على الميتافيزيقا عند الفارابي - مراجعة: د. عفيف عثمان
Almusqtabal/ 17-10-2014 : العراق والخيارات الساخنة - عبدالزهرة الركابي
Almusqtabal/ 17-10-2014 : التيه في أحاجي السياسة الأميركية - د. نقولا زيدان
Almusqtabal/ 17-10-2014 : عودة عراقية إلى منزلق التقسيم؟ - جهاد الرنتيسي ()
Almusqtabal/ 13-10-2014 : كاتالونيا ما بعد اسكتلندا! - عبد الحسين شعبان ()