يحدث الان
   00:55   
‏سماع دوي انفجار في عرسال‬ ناتج عن قنبلة صوتية رميت بالقرب من محطة الفليطي للمحروقات دون وقوع اضرار
   00:55   
رئيس الوزراء: تركيا ستغير إسم جسر البوسفور في إسطنبول تخليدا لضحايا محاولة الانقلاب الفاشلة
   00:51   
‏مقتل 15 يابانياً على الأقل وإصابة 45 آخرين خلال عملية طعن نفذها رجل بمؤسسة للمعاقين بضواحي طوكيو
   00:50   
‏جريح نتيجة تصادم بين سيارة ودراجة نارية محلة
   00:45   
‏السودان: لا وجود لمواد مشعة مدفونة قرب سد مروي
   المزيد   




الأربعاء 28 كانون الثاني 2004 - العدد 1509 - صفحة 19
رحلة حانون
  
جورج الراسي
بدأت في تونس هذا الأسبوع مباريات كأس افريقيا لكرة القدم. والذين تابعوا الحفل الفني الرائع الذي افتتح به هذا المهرجان الكروي، بخاصة إذا كانوا من أهل لبنان أو سوريا، أو من سكان المشرق العربي، استوقفتهم بلا شك لوحات عديدة تؤرخ لعلاقة عمرها آلاف السنين تشد المغارب إلى المشارق، وتربط العرب بالأفارقة. وبقدر ما يفرح المرء عندما يلاحظ الوعي التونسي بذلك التاريخ البديع والسحيق، بقدر ما يأسف لمدى الجهل الذي يلف تلك الحقبة الملحمية في أذهان الأجيال الجديدة من أبناء المغرب والمشرق على حد سواء، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى استنهاض مقوّمات الحياة في هذه الأمة، وانبعاث عوامل الوحدة والروابط المشتركة، آلاف السنين قبل أن نتعرّف إلى ما يخبئه لنا الشاطئ الآخر للأطلسي.

ثلاث لوحات على وجه الخصوص يجب أن نتوقف عندها لأنها تبرز ثلاثة وجوه رائعة من ذلك الماضي المستمر في ضميرنا، بوعي أو بلا وعي: ولادة قرطاجة، رحلة حانون، ومآثر هاني بعل (هكذا يجب أن يكتب اسمه، لا كلمة واحدة كما اعتادت على ذلك كتب التاريخ بين أيادي أولادنا، لأنه اسم مركّب من "بعل" الاله الفينيقي، و"هاني" بمعنى حبيب الله، كما نقول اليوم عبد الله أو جار الله مثلاً).

لقد تركت قرطاجة بصمات لا تمحى على الخارطة الجغرافية والحضارية للشمال الافريقي برمته. ويتفق كل المؤرخين دون استثناء واحد، حتى أولئك الذين لا يحملون في قلوبهم وداً خاصاً لأهل المشرق وحضارتهم، ان المغرب (الذي أصبح عربياً فيما بعد) دخل ما هو معروف بأنه "التاريخ"، يوم حط أهل فينيقيا على أرضه، ويوم رست سفنهم على شواطئه. وكان تأسيس قرطاجة عام 814 ق. م. على أيدي الصوريين الراحلين مع ملكتهم إليسا، محطة مهمة من محطات ذلك الفتح الأسطوري.

الحضور الفينيقي في تونس بدأ أولاً على طول الشريط الساحلي (عتيق ـ بنزرت ـ تونس ـ سوسة ـ الموناستير ـ لمته ـ رأس ديماس...)، ثم امتد الوجود القرطاجي إلى داخل البلاد (صفاقس ـ قابس ـ زرذيس...) وهذه الأماكن وغيرها الكثير زاخرة بالآثار الفينيقية التي لم يتم حتى الآن استكمال استكشافها، حتى في مدينة قرطاجة ذاتها.

اللوحة الثانية هي تلك التي تستعيد رحلة البحار الفينيقي حانون (الجامعة اللبنانية تصدر مجلة تحمل هذا الاسم). والحديث عن مأثرة حانون يأتي تماماً في وقته، ونحن نكتشف كل يوم أهمية الوجود اللبناني في افريقيا، الذي لا نتذكره مع الأسف إلا كلما حلت بمغتربينا كارثة، كتلك التي حلت بطائرة كوتونو مؤخراً.

رحلة حانون القرطاجي أرّخت لها وثائق كثيرة زاخرة بالمعلومات والأوصاف ترجع إلى بدايات القرن الرابع ق. م. أي منذ ما يقرب من ألفين وخمسمئة عام. فقد وصل حانون بسفنه إلى مصب نهر السنغال الذي حدده الباحثون بأنه جزيرة "قرنة"، وكانت آنذاك محطة مهمة لتخزين العاج والجلود. وشاهد ومَنْ معه "العربة التي تقذف لهباً"، التي تتطابق أوصافها تماماً مع البركان الشهير في الكاميرون، الذي يمكن مشاهدته بأم العين من أي نقطة تقف فيها في خليج غينيا. وقبل رحلة حانون جاء المورّخ هيرودوت على ذكر رحلة قال انها استغرقت ثلاث سنوات قام بها البحارة الفينيقيون لحساب فرعون مصر "نخاو" ـ أو نكاو ـ وقاموا خلالها بالدوران حول القارة الافريقية من الشرق إلى الغرب حوالي العام 600 ق. م.

علاقة أهل المشرق بالعمق الافريقي، ليست إذن بنت ساعتها ،لمن يُحسنون قراءة التاريخ.

أما اللوحة الثالثة التي استعادت بها تونس منذ أيام صفحات رائعة من التاريخ المشترك، فكانت تلك المتعلقة بمآثر هاني بعل، ذلك الشاب الذي وضعت قرطاجة مصيرها بين يديه وأسلست له قيادة جيوشها وهو لم يتم بعد الخامسة والعشرين من العمر. وكاد هاني بعل أن يطبق على روما، ويصبح زعيم العالم القديم بلا منازع، في زمن لم يكن يعرف فيه ذلك العالم سوى قطبين: روما... أو قرطاجة.

ومن أروع صفحات ذلك القائد بعد أن ضاقت به الدنيا، وتكالب عليه الأعداء والخصوم في الداخل والخارج، انه التجأ إلى صور عام 195 ق. م. المدينة التي هاجر منها أجداده قبل أكثر من ستة قرون! هل يمكن لمهاجرينا اليوم، ولو لم يمض على هجرتهم سوى سنوات، ان يشتعلوا بالشوق نفسه والحنين نفسه إلى مرابط صباهم، رغم كل ما تتحفهم به حضارة البريد الالكتروني...

فشكراً لتونس لأنها من خلال بضع لوحات احتفالية ذكرتنا بوجود المشرق في المغرب، وبحضارة نقلها المشارقة إلى شواطئ الأطلسي، وبروابط مع العمق الافريقي... عمرها كلها نحو ألفين وخمسمئة عام... فقط لا غير!

  الاكثر قراءة في « رأي و فكر »
Almusqtabal/ 18-07-2016 : البوليساريو: ماذا بعد تعيين خليفة لمحمد عبد العزيز؟! - خيرالله خيرالله
Almusqtabal/ 19-07-2016 : «حزب الله»: هل إعادة الهيكلة بداية صحوة؟ - غازي دحمان ()
Almusqtabal/ 20-07-2016 : موسكو والربيع العربي .. سوريا معبر لاستعادة النفوذ الدولي - هشام منوّر ()
Almusqtabal/ 22-07-2016 : لماذا لا يصدر نعي رسمي للعراق؟ - خيرالله خيرالله
Almusqtabal/ 25-07-2016 : زواج المصلحة بين ألمانيا وأوروبا - محمّد السمّاك
Almusqtabal/ 18-07-2016 : أي اتحاد بعد الانسحاب؟ - محمد السمّاك
Almusqtabal/ 20-07-2016 : «داعش» والفلوجة ودلالات الهزيمة..! - د. عبدالحسين شعبان ()
Almusqtabal/ 23-07-2016 : ما بعد الحدث التركي لا يشبه ما قبله! - عبير بشير ()
Almusqtabal/ 19-07-2016 : بعد الهزيمة في ليبيا هل يجد «داعش» ملجأً في تونس؟ - توفيق المديني ()
Almusqtabal/ 23-07-2016 : بعض الأضواء على تاريخ تركيا المعاصرة - د. نقولا زيدان