يحدث الان
   21:59   
مندوب السعودية: يجب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ورفع الحصار عن غزة
   21:56   
مندوب السعودية: إسرائيل تدنس المقدسات وتحاصر الفلسطينيين وتحول غزة إلى سجن كبير
   21:53   
مندوب السعودية: إسرائيل هي التي نقضت الاتفاقيات وآخرها الإفراج عن الأسرى
   21:51   
مندوب السعودية: لا تنخدعوا بحديث إسرائيل على أنها تدافع عن نفسها
   21:48   
مندوب مصر: نؤيد طلب الرئيس عباس بتوفير حماية للشعب الفلسطيني
   المزيد   




الإثنين 31 تشرين الأول 2011 - العدد 4161 - صفحة 9
طعمة ونصرالله ونعمة : لبنان في دائرة الفقر المائي
  
سارة مطر
تطرح قضية ندرة المياه تحديا إضافيا على المستوى الوطني وملفا حيويا ومصيريا ينذر بالأسوأ، ان لم تتلقفه معالجات رسمية ناجعة. فالمتساقطات لم تتجاوز خلال السنوات الماضية معدل 800 ملم سنويا، ما ينبئ بأن لبنان سيعاني بين 2015 و2020 خللا في الميزان المائي وعجزا في تأمين الحاجات، لا سيما في ظل الاستنزاف العشوائي للآبار الجوفية وعدم كفاءة استخدام المياه.

وما يفاقم المشكلة أننا بتنا تحت خط الفقر المائي، خصوصا ان نحو 800 مليون متر مكعب سنويا من المياه تذهب الى بلدان أخرى إضافة الى تسرّب 600 مليون متر مكعب سنويا الى الآبار الجوفية وتبخّر نصف كمية الأمطار وانسياب قسم آخر الى البحر، فلا يبقى منها سوى النصف أو حتى أقل.

وبما أن وضع الموارد المائية في لبنان يتجه إلى مزيد من التدهور، في ظل تراجع كمية المتساقطات وغياب الجهود لتحسين ادارة المياه ومؤسساتها، فاننا معرّضون لأزمة شح مائي يحاول هذا التقرير الاضاءة عليها.

المزارعون

مزارعو لبنان ليسوا أفضل حالاً من المزارعين في باقي الدول العربية، اذ يروي المزارع علي شرانق من بلدة جب جنين البقاعية أن ريّ حقله المزروع بالقمح أواسط الثمانينات لم يكن مشكلة، حيث كانت المتساقطات تتكفل باشباع الأرض قبل البذار وبعده. واذا اضطر لاحقا إلى الري ، فالعملية قد لا تتعدى ثلاث مرات طيلة الموسم، حيث تجرّ المياه من نهر الليطاني الذي لم يكن يعرف الجفاف على مدار السنة أو من الآبار الارتوازية.

أما اليوم، يقول شرانق، فان «الهمّ يرافقنا منذ بداية عملية البذار حتى نضوج السنابل. وما حصل العام الماضي خير دليل، اذ اضطررنا الى تأخير زرع البذار نحو شهر بسبب انحباس المطر. وبعد ذلك قمنا بريّ الحقول المزروعة من الأنهار البقاعية أو قناة جرّ المياه من حوض بحيرة الليطاني. وتتجاوز عمليات الري 20 عملية على فترات متقطعة. وهذا أمر مكلف ماديا ويتسبب لنا بخسائر كبيرة».

وهذا ما أشار اليه الياس حداد، أحد مزارعي البطاطا في زحلة، متحدثا عن تأثير نوعية المياه المستخدمة في سلامة المزروعات، «حيث يلجأ المزارعون الى ريّ حقولهم ممّا تبقّى من مياه في مجاري الأنهار، وهي بالطبع مياه صرف صحي تفاقم من معاناة المزارع والمواطن ومن الكلفة الصحية والمادية».

ويبدي أحمد ابراهيم، أحد مزارعي عكار، أسفه لتناقص المتساقطات خلال العامين الماضيين، «ما أثّر سلبا على المخزون الجوفي في سهل عكار، لا سيما في ظل الحفر العشوائي للآبار الجوفية والتعديات على مجاري الأنهار وتحديدا نهر الكبير الجنوبي. هذا بالاضافة الى ارتفاع نسبة الملوحة في التربة، نظرا لقرب غالبية الأراضي الزراعية من الشاطئ».

طعمة

ويجد المزارعون اللبنانيون أنفسهم في مواجهة الفقر المائي، مع أن لبنان «من أغنى البلدان العربية بالمياه الجوفية، لكن الاستهلاك ازداد، بحسب رئيس مجلس ادارة «المجلس الوطني للبحوث العلمية» جورج طعمة، حيث يشتري معظم المواطنين مياها للشرب وللاستعمال اليومي، في بيروت والعديد من المناطق.

ويحذّر طعمة من أن «كمية الأمطار المخزّنة في الحوض الجوفي تتناقص أواخر فصل الصيف نتيجة سحبها بشكل متواصل، ما ينذر بأننا سنصل الى وقت لا نجد فيه مياها».

ويكشف أنه «يتم تركيب المضخات في صيدا على عمق 350 مترا، لضخ المياه بعد أن كانت توضع على عمق 7 أو 8 أمتار. وفي البقاع، شمال بعلبك، كانت تسحب على عمق 10 أو 15 مترا، الا أنها تسحب اليوم على عمق 30 أو 40 مترا وصولا الى 70 مترا العام الماضي «.

ويوضح :« في بيروت وصلنا الى المياه المالحة بعد أن استنزفنا كل خزانات المياه العذبة التي باتت أدنى من مستوى سطح البحر. كذلك جفت معظم أنهار لبنان مثل نهر الكلب والجوز والأولي والزهراني وعميق وسينيق، وبات بامكاننا أن نقطعها سيرا على الأقدام. أما المياه المتبقية فيها فليست سوى مياه الصرف الصحي».

ويضيف:«أما ينابيع المياه العذبة قرب البحر في المنصف على طريق طرابلس فقد جفّت، وكذلك كثير من الآبار، من بينها البئر الأثري في صور الذي خسر مياهه نتيجة عمليات السحب على عمق 400 متر، اضافة الى النبع الموجود تحت سطح البحر في شكا الذي كانت كمية مياهه توازي نبع العاصي.

ويتساءل طعمة: «لم يعمد المزارعون الى الري عبر المولدات خلال فصل الشتاء؟!»، مؤكدا أن «المياه سوف تجفّ حتما ان استمر هدرها على هذا النحو. وهذا ما حصل في الامارات والمملكة العربية السعودية، اللتين تعتمدان على تحلية مياه البحر».

نصرالله

بدوره، يؤكد رئيس جمعية أصدقاء ابراهيم عبد العال النائب السابق ناصر نصرالله «وجود لغط كبير فيما يتعلق بالمياه اللبنانية، اذ يدّعي البعض عن حسن نيّة أو سوء نيّة أن لبنان عائم على المياه، في حين أن هذا الكلام غير صحيح اطلاقا، لأن مساحة لبنان معروفة وكمية المتساقطات معروفة».

ويقول: «لم نتمكن في السنين الماضية وحاليا من أن نتجاوز معدل 800 ملم سنويا»، منبها على «أن لبنان سيعاني بين 2015 و2020 خللا في الميزان المائي وعجزا في تأمين الحاجات وقد بدأ العد العكسي لذلك، لا سيما أننا بكل أسف نغطي حاجاتنا بطريقة عشوائية مضرة بالحوض الجوفي والمياه المتجددة. كما أن مدينة بيروت وضواحيها المكتظة سكانيا والتي تسجّل أعلى معدلات استهلاك للمياه في لبنان، تعاني من التقنين وهذا ما يدفع الأهالي الى تأمين حاجاتهم عن طريق الآبار الجوفية أوعن طريق شراء الصهاريج وهذا هو حال معظم المناطق اللبنانية فتسعين في المئة من المدن والبلدات تعاني من شح مائي».

نعمة

ويشير أستاذ علم الري وادارة المياه في كلية الزراعة في الجامعة الأميركية في بيروت موسى نعمة، الى أن «معدل هطول الأمطار في لبنان كان لغاية العام 1975 نحو 900 ملم، وكان يصل أحيانا الى 1400 ملم في السنة. أما عدد أيام تساقط الأمطار فكان يتراوح بين 80 و90 يوما في السنة، في حين تناقص اليوم الى ما بين 40 و60 يوما، نتيجة تغير المناخ».

وينبّه نعمة : «إننا تحت خط الفقر المائي، ومجموع الأمطار لا يكفي لسد حاجات لبنان الزراعية والصناعية والمدنية، لا سيما أن قسما منها يتبخر وقسما آخر ينساب الى البحر، فلا يبقى منها سوى النصف أو حتى أقل.ويورّد لبنان «نحو 800 مليون متر مكعب سنويا»، عن طريق أنهار العاصي والكبير الشمالي والوزاني-الحاصباني التي تمتد خارج حدوده خلافا لبلدان تأتيها المياه من الخارج كما مصر (نهر النيل) وسوريا (نهر الفرات). اضافة الى تسرب 600 مليون متر مكعب سنويا» الى الآبار الجوفية وتبخّر نصف كمية الأمطار، فيبقى أقل من ثلث المجموع، ما يدفع الأهالي للّجوء الى الآبار الجوفية».

ويلفت الى أن «لبنان كان يتمتع بارتفاع معدل المتساقطات في 8 سنوات من كل عشر سنوات. كما أن الفرد اللبناني يستهلك نحو خمسة آلاف متر مكعب من المياه في السنة لانتاج طعامه، على أساس ألفي وحدة حرارية في اليوم».

مقترحات لتلافي شبح الجفاف

ويقترح طعمة بناء خزانات مياه تتجمع فيها الأمطار لاستغلالها أيام الجفاف، واقامة أقنية تنقل المياه الى جوف الأرض، كما هو حال الطريق التي تقام حاليا بين ضهر البيدر وشتورة، بحيث تصل عبرها المياه الى أنطلياس».

ويطالب ب«وقف استعمال المضخات وسحب المياه أيام الشتاء»، داعيا الى «اعتماد المراقبة والتقنين وتغذية الخزانات الجوفية واقامة السدود والبرك، وحثّ المواطنين على عدم صرف أي نقطة مياه في غير مكانها».

من جهته، يؤكد نصرالله «ضرورة وضع مخطط كامل يشمل كل الأراضي اللبنانية لتأمين المياه للجميع، عوضا عن شرائها وتكبّد تكاليف باهظة، خصوصا على ذوي الدخل المحدود».

أما نعمة فيرى الحل في «حصاد المياه أيام الشتاء وتحويلها الى الآبار الجوفية ، وبناء السدود الكبيرة والصغيرة «، مركزا على «أهمية استيراد المياه غير المنظورة عبر استيراد المواد الغذائية التي يستهلك زرعها كميات كبيرة من المياه، شرط أن تكون أسعارها أرخص من كلفة الانتاج».

وبما أن نحو 75 في المئة من المياه تستهلك في الانتاج الزراعي، يقترح نعمة « تفعيل الارشاد الزراعي لزيادة كفاءة استخدام المياه ووضع جدول علمي للري ووقف الهدر».

ويرى المزارع العكاري ابراهيم في «انعدام شبكات الري الحديثة ما يفاقم المشكلة، لا سيما مع تقادم الشبكات الموجودة، وبالتحديد شبكة ريّ نهر البارد التي تعود الى ستينيات القرن الماضي وتشوبها التشققات وتسرّب المياه. كما أن غياب الرقابة على عملية استجرار المياه من مجاري الأنهار يؤدي الى توزيع غير عادل في حصص الريّ».

حصة لبنان في المياه المشتركة

وتشكل المياه المشتركة مع الدول المحيطة بلبنان اشكالية، اذ أنّ المياه المشتركة مع سوريا مرتبطة باتفاقيات عقدت بين الحكومتين اللبنانية والسورية حول نهر العاصي والنهر الكبير لكن، بحسب نصرالله فانّ «غياب السدود على نهري العاصي والكبير يحدّ من قدرة لبنان في الحفاظ على حصته».

ويأسف المزارع ابراهيم ل«محاولات سحب المياه من نهر الكبير الجنوبي لريّ أراض في سوريا، بحجة أن الينابيع والجداول التي تصبّ في مجرى النهر والتي تنبع من الأراضي السورية هي أكبر بكثير من تلك التي تنبع من الأراضي اللبنانية، ما يساهم الى حدّ بعيد في انخفاض منسوب مياه النهر».

وثمة مشكلة كبرى حول مياه نهر الحاصباني-الوزاني، الذي يعدّ رافدا من روافد نهر الأردن. ويلفت نصرالله الى أن «لبنان لا يأخذ من حصته في الحاصباني-الوزاني الا كمية ضئيلة جدا لا تتجاوز ال 15 في المئة». في حين أن المبدأ العام، وفق طعمة، ينصّ على حق كل بلد بنسبة معينة من النهر الذي يقطع في أرضه توازي المسافة التي يقطعها».