يحدث الان
   23:23   
‏أحرز ريال مدريد الاسباني لقبه الاول في مونديال الاندية لكرة القدم بفوزه على سان لورنزو الارجنتيني ٢-٠في النهائي في مراكش سجلهما راموس وبايل
   22:54   
‏التحكم المروري: نذكر المواطنين بتحويل الطريق البحرية لتصبح وجهتها من جونيه بإتجاه بيروت اعتبارا من الساعة 11:00
   22:47   
قوى الامن: ‏اوقفت مفرزة زحلة القضائية (خ.ح.) 1986 لبناني بجرم سرقة
   22:38   
‏أمير الكويت: مبادرة الملك عبدالله أزالت الخلافات بين مصر وقطر
   22:37   
‏إيبولا: 7373 حالة وفاة من اصل 19031 اصابة
   المزيد   




السبت 23 آذار 2013 - العدد 4640 - صفحة 19
تجلّيات وحدود القوة الألمانية في أوروبا والعالم
  
محمد صوّان
كشفت التطورات الأخيرة على مستوى العالم عن بروز دور قوي وفاعل لألمانيا على الساحتين الأوروبية والدولية ويأتي في مقدمة هذه التطورات أزمة الديون السيادية التي انفجرت في أوروبا وتفاقمت وازدادت حدّتها في اليونان وإيطاليا وإسبانيا وإيرلندا بمرور الوقت إذ كان للقوة الألمانية الدور الأكبر والصوت الأعلى في تقديم المقترحات لعلاجها حيث فرضت رؤيتها على دول الاتحاد الأوروبي بما فيها فرنسا.

وعلى صعيد آخر أظهرت مواقف أخرى نوعا من التعارض بين مواقف ألمانيا ومواقف دول الاتحاد الأوروبي ،مثل رفض التدخل العسكري في الشأن السوري، وهو ما يتعارض مع موقف بعض دول الإتحاد المؤيدة للتدخل. تلك المتغيرات نبهت إلى وجود فاعل دولي مشارك بشكل قوي في النظام الدولي ، ويستطيع التأثير في القرارات والسياسات الدولية المختلفة.

وكانت ألمانيا قد قدّمت نموذجا مهما في التاريخ السياسي والإقتصادي للبشرية بتمكنها عبر الرأسمالية والديمقراطية معا من دمج واحتواء نصفها الشيوعي«ألمانيا الشرقية سابقا « كما أنها أخذت بزمام المبادرة في مشروع توحيد أوروبا. وإن كانت في الوقت ذاته وهي تبسط نفوذها في القارة قد بدأت تنخرط تدريجيا في الوعاء الأوروبي الجديد، وذلك بعد أن تخلصت من التركة الثقيلة التي خلفتها آثار حربين كونيتين«الأولى والثانية«، وفرضتا عليها العديد من التحديات الداخلية والخارجية التي دعتها إلى ضرورة القيام بدور أكثر فعالية وتأثيرا في السياسة الدولية.

لم يكن هذا الدورنتاجا لظروف تاريخية فحسب فرضت عليها الخروج من شرنقة العزلة والسعي للإندماج بالعالم من جديد .بل تضافرت مجموعة من العوامل أسهمت في إحياء الدور الألماني على الساحة الدولية عموما والساحة الأوروبية بشكل خاص بفضل كونها القوة الأكبر والأكثر تأثيرا في أوروبا.

تجليات القوة الألمانية

يتصاعد الدور الألماني على الساحة الدولية بشكل كبير حيث تلعب ألمانيا دورا محوريا في التعامل مع الملف النووي الإيراني فألمانيا تتحرك في المفاوضات وطرح المبادرات على قدم المساواة مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي من دون أن تكون لها العضوية في هذا المجلس بل تكاد تكون هي الدولة الأهم على هذا الصعيد بوصفها طرفا مقبولا وتوافقيا بين موسكو وبكين من جهة والعواصم الغربية الثلاث الأخرى من جهة ثانية فضلا عن تميز علاقاتها التاريخية وعلاقاتها الإقتصادية المتينة مع إيران وعلى صعيد آخر فقد تولت ألمانيا إرسال نحو نصف القوة العسكرية الأوروبية التي قررها الاتحاد الأوروبي لدعم إجراءات الأمن في القارة الإفريقية وشبيه ذلك يسري على الدور الألماني في نطاق مهام أوروبية أخرى .

وبرغم التوتر الشديد في العلاقات الأميركية _الألمانية فإن غلبة المصالح المشتركة والاعتماد على ألمانيا ومكانتها الإقتصادية الدولية من جهة وعلاقاتها المتميزة مع موسكو وبكين من جهة أخرى بالإضافة إلى الدورالذي لم تتوان ألمانيا عن القيام به في ما يسمى« الحرب على الإرهاب« كل هذه العناصر جعلت الاستغناء الأميركي عن ألمانيا في غير مصلحة واشنطن نفسها لاسيما بعد ما شهدته المغامرات العسكرية الأميركية عالميا من نكسات أقرب إلى الهزائم كما حدث ويحدث في أفغانستان والعراق.

في نطاق مواز، وتأكيدا لبروز القوة الاقتصادية الألمانية وإسهامها في صياغة القرار الأوروبي بشكل جلي فقد أظهرت أزمة الديون السيادية الأوروبية التي تفاقمت وهددت بشكل واضح مسيرة الاتحاد الأوروبي بوصفه أقوى الكيانات الاقتصادية على مستوى العالم مدى قوة وتأثير الدور الألماني في رسم سياسات الاتحاد الأوروبي وقدرته على فرض رؤيته على الدول الأعضاء فقد كانت مواقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل القاسم المشترك في كافة التطورات التي شهدتها «منطقة اليورو«و«الاتحاد الأوروبي«، وقد تميزت تلك المواقف بالرفض الشديد للعديد من الاقتراحات التي كان من الممكن أن تساهم في كسرالحلقة المفرغة لأزمة الديون السيادية واليورو. حيث رأت المستشارة ميركل أن كافة المقترحات المقدّمة تدخل في إطار الحلول قصيرة الأجل مؤكدة أنه يجب اتخاذ خطوات طويلة الأجل والتي لم تتحقق إلا بالسياسة المالية الموحدة لتكون على النسق ذاته مع السياسة النقدية الخاصة باليورو وهذا يعني ضرورة اتخاذ خطوات سياسية في مجال تعديل المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية وقد فسر بعضهم هذا الموقف الألماني المتشدد بأنه «عودة للسياسات الكلاسيكية التقليدية القديمة «وكان لافتا في هذا الإطار تعليق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على ذلك بقوله إن«الألمان لم يتغيروا«.

أما فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية كأداة لتنفيذ السياسة الخارجية فيبدو أن ألمانيا لا ترغب في «العودة للسياسات الكلاسيكية القديمة والتقليدية «التي كان للقوة العسكرية فيها الدور الأكبر أثناء الحربين الكونيتين «الأولى والثانية«.حيث جاء امتناع برلين عن التصويت وكذلك معارضتها للتدخل العسكري في الشأن السوري مثيرا للعديد من التساؤلات بشأن طبيعة الدورالألماني في النظام الدولي.إذ برهنت ألمانيا بهذا الامتناع على مدى استقلالية قرارها السياسي وتشكل دور ألماني جديد يتسم بقدر أكثر مرونة فيما يتعلق بالحلول الدبلوماسية في النظام الدولي.

ألمانيا قوة دولية صاعدة

بالإضافة إلى ما سبق يوجد عدد من العوامل والتطورات الدولية أسهمت بشكل أساسي في تعزيز الصعود الألماني من بينها مايلي :

1 - التطورات المحتملة على الساحة الدولية في ضوء تشتت القوة الأميركية في العديد من البقاع الجغرافية على مستوى العالم خاصة في أفغانستان والعراق، وفيما يسمى «الحرب على الإرهاب «وهو ما قد يدفع باتجاه تشكل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، تلعب فيه ألمانيا دورا أكثر فعالية.

2 - تراجع موقع بريطانيا أوروبيا ودوليالاسيما بعد تبدل الحكومة الإيطالية ومن قبل الإسبانية واقتران ذلك بتبدل مواقفهما من قضيتي أفغانستان والعراق .

3 - ضعف موقع فرنسا أوروبيا بعد تفاقم الأزمات الداخلية الشديدة على أكثر من صعيد وضعف معدل نمو ناتجها الإجمالي مقارنة بألمانيا.

ربما لا تؤثر هذه العوامل كثيرا في العناصر الأساسية الثابتة لاستمرارية السياسة الخارجية الألمانية، لكن الذي يتبدل فعليا هو الظروف الدولية والأوروبية أي الأرضية التي تتحرك عليها السياسة الألمانية ومادامت ألمانيا قادرة على التحرك بثوابت استمراريتها تلك دون التخلي عن العامل الحاسم في صعودها دوليا أي إعطاء الأولوية لما يخدم المصلحة الذاتية المباشرة على هذا الصعيد، فلايبدو أن هذه المسيرة ستتعرض لنكسة مؤثرة في المستقبل المنظور على الأقل .

[ خلاصة القول:

تتجلى أبرز مظاهر القوة الألمانية في اقتصادها الفاعل الذي يلعب دورا مؤثرا في الساحتين الأوروبية والدولية، فاقتصاد ألمانيا يعد واحدا من أكبر اقتصادات العالم وهو يحتل المركز الأول أوروبيا والمركز الرابع عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بعد الولايات المتحدة والصين واليابان والمركز الخامس من حيث القوة الشرائية فضلا عن أنها ثاني أكبر مصدّر في العالم طبقا لتقديرات عام 2012.كما تعد ألمانيا الأكثر سكانا في القارة الأوروبية (اذا اعتبرنا روسيا تنتمي لقارتين) حيث يبلغ عدد سكانها «82 مليون نسمة«.

ويجذب الاقتصاد الألماني المزدهر الملايين من المهاجرين من مختلف أنحاء العالم وقدحافظت على مستوى عال من المعيشة لمواطنيها وتوصف بأنها راسخة في نظام الضمان الإجتماعي الذي ينبع من ازدهارها إقتصاديا.

وتسعى ألمانيا بكل السبل المتاحة إلى تدعيم مكانتهاالدولية وتعزيزها في إطارالاتحاد الأوروبي معتمدة في ذلك على عنصر أساسي متمثلا في القوة الاقتصادية الفاعلة الخاصة بها فضلا عن إعطاء الفرصة لمزيد من التعاون والاعتماد المتبادل بينها وبين دول الاتحاد الأوروب.. وهي لم تعد بحاجة للإندماج مع دول حلف الناتو بالطريقة التي كانت تتعامل بها سابقا خصوصا بما يتعلق باستخدام القوة العسكرية عبرالمحيطات ويتضح هذا من انخفاض درجة اعتمادها على دور الأطلسي أي على النقيض من« زمن الحرب الباردة« أو بمعنى آخر فهي أصبحت اليوم أكثر حرية واستقلالية مما سبق في التعامل مع حلفائها.

ويمكننا القول بهذا الصدد أن ألمانيا تحاول لعب دور أكثر توازنا وأعمق تأثيرا وأشد فاعلية بحيث لا يضر بمصالحها الاقتصادية مع مختلف دول العالم ومن جهة أخرى تحاول ضمان عدم التأثيربشكل سلبي في علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي. أما فيما يتعلق بالاقتصاد الألماني فهو الأكبر والأقوى مقارنة باقتصادات دول الاتحاد الأوروبي الأخرى بما فيها فرنسا إلا أن هذه القوة ليست كافية لتفرض ألمانيا هيمنتها على القارة الأوروبية .

ومن ثم يمكننا الاستنتاج بأن ألمانيا لا تسعى إلى فرض نوع من الهيمنة على دول القارة الأوروبية بل تسعى ألى تنميط العلاقات وتطبيعها بشكل جديد، وبما يتناسب مع دورها المتصاعد وقوتها الحالية فهي لا تريد أن تلعب دور «القائد في الاتحاد الأوروبي«، إذ لا تتدخل في كل المشاكل والقضايا لكنها تتجه نحو فرض مواقفها إذا استشعرت مساسا بمصالحها الاقتصادية المباشرة.