يحدث الان
   23:27   
«الأزهر» يؤكد وقوف مصر كلها خلف القوات المسلحة لحماية الوطن وينعي شهداء حادث سيناء
   23:22   
TNN: هجوم جديد نفذته وحدات الجيش اللبناني على مجموعة من المسلحين في محيط الاسواق الداخلية واوقعت بينهم جريحين
   23:18   
‏التحكم المروري: نذكر المواطنين بتحويل الطريق البحرية لتصبح وجهتها من جونيه بإتجاه بيروت اعتبارا من الساعة 23:00
   23:16   
‏مجلس الدفاع الوطني المصري يتوعد بالثأر لأرواح ضحايا تفجيري شمال سيناء
   23:12   
انفجار قذيفة صاروخية قرب ملالة للجيش في منطقة باب الحديد-طرابلس ولم تسجل اي اصابات
   المزيد   




الأحد 12 أيار 2013 - العدد 4685 - صفحة 9
فن وسهر وشارع
  
يوسف بزي

هناك بالقرب من حديقة الصنائع، مبنى أصفر اللون يعود بناءه إلى العام 1935. هذا المبنى التراثي الأثري بات يعرف منذ العام 1999 باسم «زيكو هاوس». في طابقه الأرضي، المحاط بحديقة صغيرة وشرفة واسعة، مقصف للسهر ومطعم قد يتحول إلى قاعة اجتماعات، أو منصة للتمرينات المسرحية، أو فضاء للحفلات الموسيقية، فيما الغرف الملاصقة هي مخزن للمعدات ومكاتب صغيرة.

بطوابقه الثلاثة، بات زيكو هاوس ملتقى ثقافياً للمعارض التشكيلية وعروض الأفلام والندوات والحفلات الموسيقية، بقدر ما هو مقر موقت للكثير من الجمعيات التي تعنى بالفنون أو تلك الناشطة في مسائل المجتمع المدني، عدا عن كونه أيضاً أشبه بنزل صغير ومسكن للكثير من زوار بيروت من الناشطين والفنانين الأجانب والعرب. وهو غالباً ما يكون مقراً لمهرجانات ثقافية، أو لمجرد عقد مؤتمر صحافي، أو لإحياء أمسية شعرية.

منذ 14 عاماً، وعلى مثال «زيكو هاوس»، نشأت في بيروت شبكة من المقرات الثقافية المتعددة الوظائف، يندمج فيها عرض الفنون وإنتاجها مع أوجه الحياة اليومية للمدينة، فهي منطلق ومقر لجمعيات بيئية ومدنية وحقوقية، وملاذ لحركات شبابية بمختلف توجهاتها وتجاربها وهمومها، كما هي الغاليري والنادي السينمائي والعنوان الأليف لعقد الاجتماعات والمؤتمرات الصغيرة، وملتقى الآتين إلى بيروت، ما قد نسميه «السياحة البديلة»، تلك التي تبحث عن طبائع المدينة وأسرارها الخفية ونبضها، أو التي تبحث عن المزاج الخفي لنمط العيش الخاص ببيروت. ففي «زيكو هاوس» يتآلف بين كونه نزلاً أو مكتباً أو حانة أو مسرحاً أو قاعة مؤتمر من غير فاصل، عدا عن أنه متصل بالشارع في ليله ونهاره.

«مترو المدينة»، في قلب شارع الحمرا، بات يطلق عليه اسم «كباريه ثقافي». فهو بار مسرح، حيث يندمج السهر والتسلية والتمتع بالطعام ومشاهدة الأفلام، وأساساً التمتع بعروض مسرح الكباريه، والستاند آب كوميدي، بل وأيضاً لمشاهدة مباريات كرة القدم على الشاشة الكبيرة، عدا عن حفلات فرق موسيقى الراب الشبابية، المحلية والعربية، وأمسيات الشعر والقراءات الأدبية. وحسب تقرير الصحافية ريان ماجد (في موقع «ناو»)، فإن «مترو المدينة ينظم كل شهر مزاداً، يكون مخصصاً لدعم قضية اجتماعية وإنسانية. المزاد الأول كان لدعم انتفاضة المرأة في العالم العربي. والثاني كان لدعم النازحين السوريين في لبنان. والثالث كان لدعم الحريات في مواجهة الرقابة. وللمفارقة فإن صالة مترو المدينة هذه، حيث تُجرى فيها كل هذه العروض، كانت في السابق مركزاً للأمن العام، تراقب فيه الأفلام».

في أواخر التسعينات، تحول بار «شي أندريه» في شارع الحمرا إلى أول بار شعري في بيروت، فعلى مدى سنوات، وفي كل ليلة جمعة، كان جمع من الشعراء الشبان يلتقون ليقرأوا مسودات قصائدهم فيما بينهم وعلى جمهور كان يتنامى على نحو مفاجئ ومثير للدهشة، طالما أن سماع الشعر ليس هواية «شعبية». هكذا كانت الصيغة الأولى التي تجمع الشعر و»ثقافة الكحول» وأسلوب العيش الساهر في ائتلاف بين اللهو والفكر، بما ينقض نهائياً تلك «المنبرية» التقليدية المتكبرة، وبما يؤثر على النظر أو العمل في الشعر نفسه شكلاً ومضموناً.

بعد «شي أندريه»، كان «جدل بيزنطي» الذي افتتح خصيصاً ليكون باراً شعرياً، ويعمد إلى تنظيم سهرات سماع القصائد، مستضيفاً شعراء عرب وأجانب، ومنظماً الندوات واللقاءات الثقافية في أوقات السهر الليلية.

على نحو مختلف، سعى «مسرح دوار الشمس» ليكون أكثر من مركز للعروض المسرحية والسينمائية، فهو مقر لجمعيات ومختبر لورشات ثقافية، ومنطلقاً لمبادرات مدنية حقوقية، وبيئية واجتماعية، عدا عن كونه عنواناً لكثير من المهرجانات الثقافية ومعرضاً للفنون، بل كان في مرات عدة أشبه بنقطة انطلاق لتظاهرات مطلبية أو سياسية، أو منبراً لبيان ثقافي في الشأن العام.

كل هذا، ينطبق أيضاً على «مسرح المدينة»، الذي كان لفترة محدودة مدعوماً من ماركة مسجلة لنوع من الويسكي الفاخر. وهو بموقعه في قلب شارع الحمرا وسعته، كان المكان المؤثر والطليعي في احتضان أكثر الأعمال المسرحية بالاضافة إلى مهرجانات الرقص والموسيقى واللقاءات الثقافية الكبرى.

الثقافة، نتاجاً وممارسة، مشتبكة بالشارع ومظاهره وبالحياة اليومية وايقاعاتها وبالبيئة الاجتماعية وحراكها... وشريكة فعلية في صوغ العيش المديني، ومفتوحة على نحو خاص للشبان، الذين يجدون خيارات اختبار لأنفسهم ولخيالهم وجموحهم وطموحاتهم في ممارسات فنية، ما كانت تتوفر لديهم ولا تقترحها مجتمعاتهم الأهلية ولا المؤسسات التقليدية ولا تدلهم عليها بيئاتهم التربوية، ولا تقدمها لهم مدارسهم وجامعاتهم. هذه الثقافة تبتكر فضاءات لا فواصل فيها بين عاديات الحياة اليومية وتذوق الفن وتداول الأدب والأفكار وصقل الحواس والتثاقف والتعبير الفردي والوعي بالجماليات والاهتمام بالشأن العام وتنمية الادراك السياسي والحس النقدي.. والأهم هو تضمين السكن والاقامة معنى مدينياً وانتساباً مدنياً، ما بعد أهلي، فردياً وحراً.

يمكن للمرء في بيروت ان يدخل الى مقهى «تاء مربوطة» ليتناول فنجان قهوة فيجد نفسه محاطاً بمكتبة أدبية كاملة بمتناوله، كذلك كتالوغات الفن التشكيلي، أو يجد ندوة معقودة في طابقه العلوي لمناقشة كتاب جديد أو لمناقشة «قضية وطنية»، أو أن هناك أمسية شعرية تم ارتجالها للتو. أما الشبان الجدد مثل شلة «هايفن» و»يافطة»، فهي تتعمد ان تقدم خليطاً من قراءات الشعر وعروض «برفورمانس» والاسكتشات المسرحية في فسحات الشوارع التي تتاح لها، أو في مقهى «يونس» أو داخل حرم الجامعة الاميركية، وأغلب الأحيان في الحانات الجديدة المنتشرة بمنطقة رأس بيروت، كما في منطقة الجميزة ومار مخايل.

في المجال العام، لا في الأماكن المغلقة، تختبر الفرق الموسيقية الجديدة تجاربها، كذلك ينطلق الفن من الشارع نفسه، من شروطه ومن لغته ومن ادواته، كما فن «الغرافيتي» المزدهر في السنوات الأخيرة.

جمعية «أشكال الوان» التي تنظم مهرجان «أشغال داخلية» قررت ان يكون افتتاح مهرجانها عبارة عن تجربة فنية موسيقية قوامها اداء صوتي بعنوان «اوتوموبيل»، حيث عدد من السيارات، التي يطلق عليها صفة «ملغومة»، تلك التي يحبذها الشبان بمحركاتها المعدلة وعوادمها الزاعقة، ستتجمع في شارع عام لـ«تؤدي» مع هندسة صوتية خاصة حفلا يحول ذاك الضجيج المشاغب الى فن وموسيقى، كترجمة اضافية في بيروت لمعادلة الاتصال الحميم بين الثقافة والشارع.

هذا كله يتيح لنا القول أن بيروت تستجيب لمزاج القرن الواحد والعشرين، فيما لبنان ما زال أسير القرن الماضي الذي لا يطاق.

  الاكثر قراءة في « نوافذ »
Almusqtabal/ 19-10-2014 : حكومات تقتل الكرد على الأرض ومثقفون يقتلونهم على الورق - عارف حمزة
Almusqtabal/ 19-10-2014 : زمن منح الصلح وعهد المقهى السياسي الآفل - يوسف بزي
Almusqtabal/ 19-10-2014 : المعارضة السورية: من يتذكر؟ - عمر قدور
Almusqtabal/ 19-10-2014 : كوباني وطبقات التعقيد السوري - سمير الزبن
Almusqtabal/ 19-10-2014 : كوباني.. عين العرب والكرد وداعش - علي العائد
Almusqtabal/ 19-10-2014 : الشاعر أحمد الصافي النجفي البدوي الشريد المتمرد على ثياب المشيخة - محمد حجيري
Almusqtabal/ 19-10-2014 : النقض التاريخي لعهد النبي وميثاقه - أحمد ياسين
Almusqtabal/ 19-10-2014 : «باتت كوباني معركة واحدة يخوضها الجميع» (حيوا عثمان)
Almusqtabal/ 19-10-2014 : «المفتاح» رواية جونيشيروا تانيزاكي فانتازيا إيروتيكية برهافة لغوية - منى برنس
Almusqtabal/ 19-10-2014 : «أعيش حياتي شاعراً على باب الله والوطن والإنسانية» (سيد حجاب)