يحدث الان
   18:32   
ارسلان دان محاولة استهداف الحرم المكي: دليل أن لا رب لهذا الارهاب   تتمة
   18:08   
اشكال في عكار تطور الى اطلاق نار !   تتمة
   17:51   
‏وسائل إعلام بريطانية: هجوم إلكتروني على البرلمان
   17:26   
‏"الخارجية الأميركية": قوات شرطة وجيش العراق وقوات الحشد العشائري ألقت القبض على 400 مقاتل من "داعش" في الأشهر الثلاث الماضية.
   17:25   
‏ العربية: الغارة الإسرائيلية على القنيطرة جاءت بعد سقوط 10 قذائف على الجولان
   المزيد   




الأحد 6 تشرين الأول 2013 - العدد 4827 - صفحة 14
معرض إدغار مازجي في «Art on 56th » ببيروت دفق المشاعر وجدل الواقعي والتجريدي
تهامة الجندي

في سنوات مراهقتي، حاولت أن أرسم. وكنت مولعة بتصوير وجوه من أحبّهم، قرأت عددا لا بأس به من كتب تاريخ الفن والتيارات الفنية. اطلعت على تجارب كبار فناني العالم، وعلى مدار عشر سنوات تابعت أغلب معارض التشكيل التي أقيمت في دمشق، التقيت أبرز التشكيليين السوريين، وحاورتهم، ومع ذلك لا أزال أشعر ببعض التهيّب، كلما توجهت لحضور معرض جديد، فأنا أعشق الألوان والخطوط والتكوينات المزروعة على المساحات البيضاء. لكن اللوحة لا تسّلمني مفاتيحها، بل تثير لدي أسئلة وتأملات، تبني في مخيلتي نصا موازيا، قد يختلف تماما عما يرمي إليه المشهد الذي أراه.

هذا نقص لا أشعر به إزاء الفنون التقليدية الأخرى، ربما هو الافتقار إلى الخلفية الثقافية التشكيلية، ففي مدارس سوريا الحكومية التي منحتني شهاداتي الابتدائية والإعدادية والثانوية، لم نكن نتعلم أي شيء في حصة الرسم، كنا نلهو ونثرثر، لأن المعلّمة كانت أكثر جهلا منا في هذا المجال، وحين أدركت أهمية التشكيل، لم تفلح محاولاتي الذاتية بردم هذه الفجوة، وظللّت أقف صامتة وخجولة في حضرة اللوحة، وتحايلت على الأمر في مهنتي، بأن أتوجّه إلى الفنان بأسئلتي، التي تبدو له غبية في البداية، ثم لا تلبث أن تتعمق وتثير شهيته لكلام طويل، ينتهي دوما بمشاعر ود خالصة بين السائل والمجيب ... معادلة غريبة لم أفهمها قط، لكنها جعلتني قريبة من أبرز تشكيليّ بلدي: الراحل فاتح المدرس، منير الشعراني، يوسف عبدلكي، صفوان داحول، فادي يازجي وغيرهم الكثيرين...

ما بالي تراودني كل هذه التداعيات، وأنا في طريقي إلى صالةِ«Art on 56th» في الجميّزة، ألأنها المرة الأولى التي أحضر فيها حفل افتتاح معرض تشكيلي في بيروت، أم لأني لا أعرف الفنان إدغار مازجي، وكل ما بحوزتي عن تجربته الفنية، مكتوب باللغة الفرنسية التي بالكاد أفهم بعض كلماتها؟ مهما يكن من أمري، فحين وضعت قدمي على عتبات الصالة، كان بعض التوتر يكسو ملامحي.

دخلت المعرض بعد ساعة تقريبا على افتتاحه في السادسة مساء، وفوجئت بالحضور الكثيف الذي يملأ داخل الصالة وشرفتها والحديقة، شققت دربي بصعوبة نحو اثنتي وثلاثين لوحة، بمقاسات كبيرة وصغيرة، أنجزت بين الأعوام (2007-2013)، قرأت العناوين المرفقة، كانت باللغة الإنكليزية (الجنة الضائعة، الجذور، الرحيل، عمشيت...) صور الحنين تملأ مخيلة هذا الفنان، تنسكب على الأمكنة والطبيعة والوجوه التي يرسمها بضبابية الرؤى والأحلام، كأنها الرغبة في استعادة بلده إلى ما قبل سنوات الحرب والخراب. وسوف يقول لي إدغار: إنه غادر لبنان وهو في الثامنة عشر من عمره، وعاد إليه عام 1999 وهو في الرابعة والأربعين، ذاكرته تطفح على لوحاته، سيما انه لا يفكر بماذا يرسم، بل يعمل بطريقة اللاوعي، يدع مشاعره وألوانه تتدفق بتلقائية، وبحس فطري، تنقله إلى ذكريات الطفولة والأرض والجبال التي يعشقها، وغالبا ما يرى نفسه مشغولا بفكرة الانتماء إلى الأصل والجذور.

جلت على المعرض أكثر من مرة، تأملت اللوحات عن قرب وعن بعد، أغرتني كثافة الألوان الزيتية وعنفوانها، استوقفني ولع الفنان بالرماديات، يشتغل بالزيت، كما لو أنه يعمل بالرصاص أو الفحم، لفتني تنوّع موضوعاته، تعاطفه مع البسطاء الكادحين الذين يعّتلون بعض فضاءاته، وكعادتي مددت يدي خلسة، وتحسّست السطوح، هي طريقتي في السلام على اللوحة، والتقرّب منها.

سألت صاحبة الصالة، لماذا تعرض أعمال المازجي؟ قالت: لأنه غريب ومختلف ومشهور. سألتها أن تدلني عليه، لأني لا أعرف شكله، نادته، وجاء مبتسما. هنأته، عرفّتُه بنفسي، اعتذرت لأنه لم يسبق لي الإطلاع على تجربته، وطلبت منه الإجابة عن بعض استفساراتي، بعد ان تهدأ الصالة، وينفض عنه المعجبون والمعجبات، وافق، وكان يأتيني من وقت لآخر، ويقول بإنكليزيته الطليقة: «آسف جدا، أكره أن أجعلك تنتظرين»... ما ألطف اللبنانين، اللباقة تسكن جيناتهم.

وقفت على الشرفة، أدخن لفافتي، وأخذت أنتبه إلى نوعية الحضور من حولي، على ما يبدو أنهم خليط من المثقفين ورجال الأعمال وسيدات المجتمع، معظمهم في أواسط العمر وما فوق، تبدو عليهم علامات الرخاء، يتحلّقون في دوائر صغيرة، يشربون النبيذ الأحمر ويتحدثون. كنت عطشى، ولم أرغب في تناول الكحول، حينها شعرت بالحنين إلى العصائر التي يقدمونها في معارض الشام... عدّت أتأمل من حولي: وجوه حلوة، أجسام رشيقة، ملابس أنيقة... ثقافة الجسد جزء من منظومة القيم في لبنان، وقناعتي أن الجسد حاضنة للروح، يأخذ شكلها، وعليه تنعكس مواطن الجمال والعطب فيها.

قطع تأملاتي ظهور عدد من أصدقائي السوريين، سُررت بوجودهم، وفوجئت أنهم دائما يحضرون معارض الفن في بيروت، تحدثنا طويلا، وحين غادروا، كانت الصالة قد خلت إلا من بعض الزائرين، وبدأت حواري مع إدغار، أسأله بالعربي، ويجيبني بالإنكليزية، وأقول في سري: يارب، بأية لغة سوف أكتب. وعلى ما فهمت، هو من مواليد بيروت عام 1955، درس الهندسة أولا ثم الفن، تنقّل بين السعودية وفرنسا وأميركا، شارك في الكثير من المعارض الجماعية، وأقام خمسة معارض فردية، رسم لفترات طويلة بأسلوب واقعي، الوجوه والطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، ثم اكتشف أسلوبه الخاص.

سألته كيف؟ قال: الرسم هو اكتشاف العلاقات بين الأشياء التي ننظر إليها، ذات يوم قررت أن أصنع العلاقات، بدلا من أن أنقلها، أولا بدأت بالتجريد، وضعت هيكلا، ومن تراكم البصمات تراءت لي أشكالا، أخذتها بالاتجاه الذي أريد، لا أزال أعمل بالأسلوب ذاته، أعكس العلاقات بطريقة تجريدية، وبعد ذلك أبحث عن الصورة في داخلها، وجوهر عملي هو الحوار بين الواقعي والتجريدي، لم أملّ هذا الحوار بعد، بل أحاول تطويره من معرض لآخر، وأشعر دوما أني أصل معه إلى مطارح جديدة.

هذا يعني أنك لا تنتقي موضوعاتك، بل هي تتخلق أثناء العمل، فكيف تفسّر الحضور المتكرر لهؤلاء الأناس البسطاء في لوحاتك؟ قال: علاقتي قوية منذ الطفولة بالطبيعة، بالبسطاء، بالأشخاص الذين يرتبطون بالأرض، ولا يتوقفون عن العمل، مثلي تماما، وأنا مثلهم أحب الأرض، وأزرع كل ما آكله، هم أشخاص تملؤهم السكينة، وإن كانت ضربات فرشاتي حادة وعنيفة في بعض الأحيان. حين نعمل بصدق، من دون أن نسعى إلى تقليد الآخرين، لا بد وأن تنعكس صورنا على ما نقوم به، وغالبا ما كنت أتضايق، حين أُسأل، لماذا أشخاصك محنيون ومكسورون؟ وأجيب، أنتم ترون أنفسكم، أشخاصي يكدحون.

وماذا عن الاهتمام بالرماديات، المساحات المتباينة، وتعدد الطبقات اللونية؟ قال: الألوان تخلق البهجة، أما العمل بالأبيض والأسود فإنه يصعّد من حدة البعد الدرامي في اللوحة، وقد أكون متأثرا بأسلوب سولاج. العلاقة بسطح اللوحة تحددها المساحة، المساحة الصغيرة تعني الرسم من الخارج، أما المساحة الكبيرة فهي الرسم في الداخل. الطبقات مهمة جدا في اللوحة، شأنها شأن الحياة المكونة من طبقات، تعكس طبائعنا، مواقفنا، وجهات نظرنا، والجدل بين الطبقات، هو الذي يجعل المشهد مثيرا للاهتمام.

ودعني إدغار مازجي بود وخرجت، مطر خفيف يمسح شعري ووجهي، وليل بيروت دافئ، يضج بالرغبات، وددت لو أكمل المشوار، لكن الهطل زاد، وتبكيت الضمير هاجمني، كم قتيل سقط، كم ناشط اعتُقل، كم شخص نزح عن بيته...؟ وأنا أتأمل الألوان والأزياء والأجساد الرشيقة، أثرثر وأضحك، عدت إلى شقتي ألوذ بالتلفاز، ما من جديد، طاغ لا يرحم، وثورة يتيمة، يتآمر الجميع على وأدها.

[ يستمر المعرض حتى 12 تشرين الاول 2013


  الاكثر قراءة في « نوافذ »