يحدث الان
   12:59   
قتيلان وعدد من الجرحى في انفجار سيارة مفخخة بمحيط ضاحية تشرين في اللاذقية
   12:58   
مصرع مقاتل لـ"حزب الله" في سوريا يدعى حسن عبد المنعم جرادي من بلدة حاروف قرب النبطية
   12:58   
الصليب الاحمر: نحن على جهوزية تامة لمواكبة تطورات جرود راس بعلبك والقاع   تتمة
   11:58   
روسيا: الشرطة تقتل شخصاً اعتدى بسكين على مارة في مدينة سورغو
   11:46   
الجيش يرفع العلم اللبناني وعلم الجيش على القمم التي استعادها
   المزيد   




السبت 9 أيار 2015 - العدد 5372 - صفحة 21
فيلم وثائقي لهادي زكاك عن الشهيد الكبير: كمال جنبلاط من الشاب المكتمل إلى الثوري المتمرّد
يقظان التقي
يتّسع المجال للذهاب مجدداً في اللحظة الراهنة إلى كمال جنبلاط كجزء أساسي من المشهد ومن تحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية. وكان المشهد أمس متاحاً لتكريم الرجل في «سينما سيتي»، ببيروت بفيلم وثائقي للمخرج هادي زكاك كمال جنبلاط، شهيد الحرية والتمرد على العنف والاستبداد، كما كان المشهد متاحاً في المحكمة الدولية في لاهاي لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

والراوي الأساسي في المشهدين بين «الشاهد والشهادة» كان وليد جنبلاط نفسه، يروي قصة والده، كما قصة صديقه رفيق الحريري وفي تطور روائي درامي للعبة الدم التي أغرق خلالها النظام السوري لبنان منذ منتصف السبعينات.

المشهد يحتمل أكثر من أي وقت مضى فيلم 90 دقيقة لقصة كمال جنبلاط ولبنان الذي احبه ودافع عن استقلاله وأفكاره السياسية والفلسفية وإلى إنجازاته الإصلاحية والحركة الوطنية والاستقلالية التي شكلت رهان عمره الأكبر، الى أبعاد شخصيته الانسانية، الشاب المكتمل في سجلات دراسته في عينطورة.

فيلم هادف للمخرج زكاك من إنتاج وتقديم من رابطة أصدقاء كمال جنبلاط برئاسة الوزير السابق عباس خلف والعرض الأول تميز بحضور كبير وتحوّل إلى تظاهرة سياسية وثقافية ومدنية احتشدت في مجال تكريمه. ويطول الفيلم بإبراز وجه شخصية وطنية قدمت برنامجاً نهضوياً في تاريخ لبنان الحديث وأرادت إخراج العرب من جدران العزلة وأساطيرها الجامدة إلى العروبة الثقافية والسياسات المستنيرة ذات الأفق الحيوي نقيضاً لكل استبداد، ونقيضاً لكل انفلات طائفي ومذهبي يضعه النموذج الإسرائيلي في المنطقة من ضمن استهدافاته المباشرة وغير المباشرة في أعنف غزوة استيطانية مستمرة ومتسعة. طاولت حقوق الشعب العربي الفلسطيني والبيئة العربية ككل.

هو كمال جنبلاط في الفيلم الوثائقي الطويل المنفذ بتقنيات 3D الحديثة يعتمد فيه المخرج هادي زكاك على الأسطورة السياسية نفسها تروي نفسها في السينما، يحاول زكاك رصد تفاصيل جديدة، تفاصيل كثيرة في رحلة تجادلية بين صدمة الرصاص على زجاج سيارة كمال جنبلاط المرسيدس السوداء، وبين بداية الطالب شبه اللاهوتي الذي يدرس الفلسفة في مدرسة عينطورة وباريس.

غرفة كمال جنبلاط

ويقف وليد جنبلاط في الفيلم الراوي الرئيس، يقيم في قصر المختارة القديم الجديد، القصر فائق الجمال يدخل إلى غرفة كمال جنبلاط، يقلّب في أغراضه الأخيرة التي كان يحملها لحظة اغتياله، يجول في أرجاء القصر القديم، يقلب نظراته بين كتب والده، يسخر حداثياً من أشياء كثيرة من معلقات كمال جنبلاط وسواها وأشياء غاية في الاثارة العاطفية.

يعتمد زكاك على تقنية الصورة، أغوار الصورة، يتنقل بها بدقة من المختارة إلى عينطورة إلى باريس، القاهرة ثم إلى المختارة وبيروت مروراً ذهاباً وإياباً «بكوع دير دوريت» حيث نفذ السوري جريمة اغتياله..

بعض من السيرة ما يرويه جنبلاط، يفتح زكاك من نهاية اللعبة السياسية إلى بدايات البحث لا يحسم في النهايات ويترك الأمور مع وليد جنبلاط مفتوحة على بدايات وتأويلات ويطول بالسلسلة من نظيرة جنبلاط، إلى كمال، إلى وليد، وإلى الفاتن الآخر الذي سيشغل قصر المختارة مجدداً.. واتكأ على إرث تاريخي تراكمي شغلته بقوة قامة كمال جنبلاط الفكرية.

الشاب المكتمل

مسرح الفيلم ككل هو الشاب الذي دخل اللعبة مرغماً «الشاب المكتمل الكفاءات»، الشاب الهادئ والناضج والرصين والجدي المأخوذ بفلسفة الحب والبساطة في المسيحية وبالإسلامية المشرقية وبالحكمة الإغريقية وجهاً لوجه مع السياسة وسلوكياتها وهو المبني على ممارسة الحرية والنقد والاحتجاج.

كمال جنبلاط يقدم نفسه في الفيلم، متمرداً تأثراً بقضية، إصلاحياً يواجه فساد السياسة والإدارة تاركاً إنجازات مهمة من الضمان الاجتماعي والجامعة اللبنانية ومجلس الخدمة المدنية ورهان عمره كان لبنان المستقل وكرامة العامل والمالك والاسلامية الشرقية والإنسان قدم ممارسات حركت تياراً ديموقراطياً سياسياً في البلد ودفع الشارع نحو مطالب اجتماعية شتى مرخصاً لكل الأحزاب السياسية في السبعينات وأطلق حزبه التقدمي الاشتراكي الذي انتشر إلى أقاصي الوطن عابراً المذاهب والطوائف، ومنتهياً إلى أهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان والعرب الحديث هو برنامج الحركة الوطنية ودعوة العالم العربي الذي يعيش من 600 سنة حالة انحطاط الى الحرية، الطريق الوحيدة للخروج من سجنه الكبير.

مراحل الحياة

هادي زكاك يركز في الفيلم على كل الأزمنة التي عاشها كمال جنبلاط في مراحل حياته القصيرة وقد استشهد باكراً في عمر ستين سنة، فصول حياته من الشهادة إلى الولادة مروراً بقصص كثيرة وتفاصيل كثيرة وأشياء كثيرة ومع نجومية كمال جنبلاط الأب أراد التركيز على جانب الابن من قلب البيبلوغرافيا وفي حضور فتح الفصول المعروفة سابقاً عند كمال جنبلاط على بدايات مشهدية جديدة وربما مهجوساً بـ»البيبلوغرافيا» الإنسانية. كأنها لم تعد بيبلوغرافيا واحدة بل اثنتان مختلفتان جداً في السيرة حيث لا يتردد وليد جنبلاط بالتصريح أنه لم يقرأ كل كتب جنبلاط وغير معني بكتبه الفلسفية وأنه غيّر كل ديكور المكان! هكذا من ملاحظات سريعة تحتمل تأويلاً.

هذا جانب مثير من الشخصية الجنبلاطية المتمردة على ما قبلها، الشخصية المتمردة على ما قبلها والتي تشبه إلى حد كبير شخصية حركية جداً، تشبه الأفلام المعقدة. وكان كمال جنبلاط انتهى ووليد جنبلاط يتحرك بقامته الطويلة في القصر التاريخي، وأعطى الأب كل ما عنده أو كأنه العكس يستعيد حضوره في ذلك الشاب الموهوب وليد يسخّر كل طاقاته ليجسّد صورة الأب الذي واجه أبشع الأنظمة الاستبدادية والعابثة بأمن وسلام وحرية المنطقة..

مكنونات

فيلم فيه مكنونات مهمة من شخصية الرجل، ويتبع دينامية بحث متحركة من الأماكن التي تحرك بها. كأنها نهاية البدايات وبداية النهايات، مع إغراق طويل في بعض الأزمنة واختراق في ازمنة أخرى.. لكن الأساس والمبدأ كما كان الرجل يقرأ، مكوثه الطويل في أزمته حديثة تقرأ راهناً على كل المستويات التي تمنح الشباب اللبناني والعربي من الغذاء إلى البيئة، إلى أدب الحياة، الى التربية الى الفكر والفلسفة والسياسة والاجماع والاقتصاد والجامعة وإن كنت لا تشارك جنبلاط اليوم رؤاه الاقتصادية حول عدم حاجة العالم الى تسجيل درجات نمو (انموذجي) بالإشارة الى عالم الانسان الآلي والصناعي (الروبوت) او مفاهيمه التربوية الأدبية او اعتباره المال امراً هاوياً لا بل ملغياً كلياً. إلا ان مأساة اغتياله شكلت المدخل الى منزله والقدر التراجيدي الذي توج حياته الحافلة، لا بل فجيعة لبنانية كبرى لا تعادلها الا فجيعة اغتيال الشهيد رفيق الحريري.

في الفيلم مشهد اخراجي بارز، حركة الكاميرا بين عدة عواصم عربية وعالمية، تناول الشخصية من جميع جوانبها في اطار شبه متوازن اغفل بعض الشيء علاقاته برموز اسلامية مهمة واسس نسيج علاقته بالقضية الفلسطينية وهي أمور مشت أمامه لترميه في مرمى الموت الذي لا يؤمن به. لكن ما كان ممكناً لكمال جنبلاط ان يكون تلك الزعامة اللبنانية والوطنية والعربية والاسلامية من جميع جوانبها لنظام بعثي يستهل شعارات العروبة والاسلام والحرية وكليشيهات وعناوين تقطعها مغامرة كمال جنبلاط الاستثنائية التي حوّلته الى اسطورة من الشخصيات العربية والاشتراكية الدولية والانسانية الفذة.

ثم اعتمد زكاك تقنيات البعد الثالث، اكثر من مرة حرك الجمهور من مقاعده سينمائياً وراء سيارة كمال جنبلاط. بمشاركة في التمثيل الصامت... مشاركة في السيرة، المشوار الصعب الذي صنع الرحب، ما سبب تمرده، ثورته، عنفه الثوري، ثم احباطه الشديد ثم موته بطريقة صعبة جداً. حتى انه تحرك كثيراً امام الكاميرا، تحركت خصلات من شعره، ضحكاته، دموعه في وداع شقيقته، نظارته المكسورة، دماؤه الرابضة على كتابه «نكون أو لا نكون»، منديله في الكرتونة القديمة، صوره، وكل تفصيل يجسد دوراً ويحتاج الى مخرج ذكي استعمل وليد جنبلاط كممثل يقلب الأوراق والأغراض... الابن سر أبيه وأكثر، والمشهد العاطفي شاعر يتفوق على ادوار المثقفين والشعراء، يتلو شعراً آخر وكم بدت الأشياء حزينة!

ما ادى دوراً على مقاس اللحظة العربية الراهنة، استكمل فصول المشهد الدموي منذ العام 1977 الى العام 1991، ويترك الأمر غير محسوم ومفتوح على اسئلة وبدايات من مثل ما يجري على الساحة من عنف ودماء وظلال وعتمة ويخرج من الباب الكبير على مزيد من الاسرار والغموض تاركاً جنبلاط يتحرك بحضوره في الفيلم فيضطر المخرج الى استدراك نهاية أخرى، نهاية تفتح على بداية، تاريخ يفتح لتاريخ وعلى تناقض كبير بين شخصيتين. كأننا في اكثر من أزمنة والموت كما يريده جنبلاط الاب لا شيء.. وكان يحكي للمخرج ان يتابع حتى، على نص كمال جنبلاط مفتوح على السجن العربي الكبير واشارته الى خطورة النظام البعثي في سورية.

اشارة الى ان فيلم «الشاهد والشهادة» سيكون على شباك التذاكر ابتداء من 16 ايار الجاري في تجريب سينمائي امام الأجيال الشابة، الأجيال التي ربما لا تعرف شيئاً عن كمال جنبلاط هل ستخرج شيء، او يتلاشى الرجل الذي يعتبر السياسة مثل حجر «الالماس» قاسية جداً ومضنية في آن!

العرض الافتتاحي يقول ان الرجل على «مذهب الحب» اليسوعي باق قي العالم المليء بالعنف والقتل والحرب والجوع والتلوث. ويرشدنا الى كتبه مجدداً، نظراته العميقة والى خلواته وايكولوجيته وحتى غذائه البسيط. سيرة الذات الانسانية السيدة على نفسها والمتمردة على السياسة وعلى كل شيء، لأن خارج الذات وخارج الحرية، كل شيء مجرد لعبة.

وفي تجادلية مهمة للصورة مع الموسيقى من سينوغرافية دينامية بصرية وموسيقية ومع تعليق الممثل رفعت طربيه الجدي والرصين وببلاغة أدبية..

هل ذهب كمال جنبلاط بعيداً في مثاليته؟

هل أخطأ في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني وفي تحميل لبنان من الأعباء المسلحة فوق ما يحتمل؟ هل استسهل جنبلاط الدخول في لعبة العنف في مواجهة الآخر الذي اعتبره هو الحرية؟ هل استسهل مجابهة أنظمة غاشمة مستبدة كالنظام السوري وغيره بمعادلة لبنانية بسيطة لكنها ليست سهلة؟ اسئلة من المؤكد ان الفيلم لم يطرحها مباشرة وأخرى ولكن الجمهور سيقيم ربطاً غير مباشر معها. لا سيما أن الفيلم يتقدم كنص مفتوح على أمور تعود الى بدايات الأزمة اللبنانية والشباب سيكمل من حيث انتهى إليه الفيلم..

   مقالات للكاتب  
Almusqtabal/ 15-08-2017 : مهرجان «القبيات» يسجّل نفسه بنجاح على خارطة المهرجانات الدولية «ليالي غير شكل» بطعم الفرح والحب - يقظان التقي
Almusqtabal/ 07-08-2017 : مهرجانات الصيف تزدهر في أسابيعها الأخيرة مستويات فنّية متفاوتة - يقظان التقي
Almusqtabal/ 04-08-2017 : مسرح استعراضي شامل يجمع بين الفرجة ونقد الواقع - يقظان التقي
Almusqtabal/ 31-07-2017 : احتفالية الأرزة والزمن السينمائي الجميل والليالي الرومنسية - يقظان التقي
Almusqtabal/ 26-07-2017 : ليلة التونسية آمال مثلوثي في مهرجانات «بيت الدين»: صوت الثورة الكامنة! - يقظان التقي
Almusqtabal/ 07-07-2017 : على خطى ابن بطوطة والموسيقى القديمة - يقظان التقي
Almusqtabal/ 01-07-2017 : الحضور الاستثنائي جامع التعدّدية الفكرية والثقافية والعروبية - يقظان التقي