يحدث الان
   12:23   
الوزير باسيل: على القانون الانتخابي الجديد ان يؤمن التمثيل واعطاء الحقوق السياسية للبنانيين المغتربين وتمثيلهم بمقاعد محددة
   12:04   
مارين لوبان: ماكرون ضعيف أمام الإرهاب وليس لديه خطّة لمحاربته
   11:58   
دخول وفد المتعاقدين الى وزارة الشؤون للقاء الوزير بو عاصي
   11:45   
مياومو كهرباء لبنان: الشرارة الأولى للتحركات بدأت اليوم وسيكون لنا تحركات تصاعدية وغدا أيضا لن نسمح لوزير الطاقة بالدخول
   11:37   
الجزيرة : دوي انفجار قرب مدينة خوست جنوب شرق أفغانستان
   المزيد   




الجمعة 5 حزيران 2015 - العدد 5397 - صفحة 21
معرض ريم الجندي في غاليري جانين ربيز
بورتريات أيقونية لمعتقلي السجون السورية
يقظان التقي
«القيامة» عنوان المعرض الجديد للفنانة ريم الجندي في غاليري «جانين ربيز» الروشة لبورتريات رسمتها الجندي لرجال ونساء سوريات اعتقلن في التظاهرات السلمية في سوريا وأعيدوا او عدد قليل منهم إلى عائلاتهم بعد عمليات تعذيب خضعوا لها، وعايشوا مع أجسادهم وإنسانيتهم حكايات الموت في الطرف الأقصى من العنف.

بورتريات بأحجام متشابهة ما خلا لوحتي الزواج والحمل إشارة إلى دورة الحياة وفصول ما بعد الموت والدمار والمستقبل الذي هو بناء ويعاد بناؤه وإعداده في سوريا الجديدة.

وجوه ملفوفة بما تيسر من قماش وعلى الخشب الذي يمكن توظيفه كفن، وهي صورة حقيقية تعبر بالمشاهدين إلى العذابات والفظاعات التي جمدت الأبصار والحدقات وحولت الناس العاديين السلميين إلى قديسين وأيقونات.

وجوه مشوشة ونظرات باردة على حافة العزلة والهاوية. أحياء ربما، ضحايا الأيقنة، أيقنة الضمير الإنساني المضمر، وبلا صراخات ولا خطابة فقط عيون مفتوحة بين النور والظل في نموذج مكرر من اللوحات.

اللوحات معلقة إلى جانب بعضها البعض بأحجامها الطبيعية البشرية وبخلفية واقعية مع أسلبة من التلوين والزخرفة وبالتدرج من اللون البني الترابي المحروق، أرضية الخشب إلى ألوان الملاءات والزهور ما يعطي الرسوم فضاءات وأسلبة الوجوه بالعلاقة بين القماش والخشب والمواد التلوينية في الأعمال، المستمدة من أسلوب الارتداد إلى الذاكرة القديمة، والحلول في لوحة الأيقونية وذلك الحوار الذي يبرز بين السكون وحركة الألوان، بين الجمود في العينين وانحناء الرقبة وسكون النظرات والبعيد الذي يمتد بالهندسة الباردة وتحريك الأشكال خارج مساحة الوجه.

يتحول الكادر البني المحروق إلى أرض لاستعادة رمزية ما، فكرة ما، روح اللوحة، الروح التي تبقى بعد الموت.

ثم تستخدم الجندي عجينة من الألوان بجسدية ما متقشفة، أقرب إلى المادة النحتية وانسيابات التجسيد الذي لا يذهب بعيداً عن الواقع.

رسوم لشخصيات نسائية أكثر، بورتريات الرجال قليلة إما لأنهم ذهبوا إلى الحرب، وماتوا، وإما صاروا ساكني السجون البعيدة، وربما لأن الأنثى أعمق وأكثر رسوخاً في الأرض والعاطفة وهي التي تحمل الحياة والموت معاً، وعامل تعرية لزمن الأحداث والعلاقات والمآسي والأسرة والعائلة.

لوحات ريم الجندي مشحونة بطاقة جديدة، بروح قوية، ومسار تأليفي عمودي يعود إلى طقوس فيها تلك الروح الدائمة، الساكنة إلى شعرية عابرة ما بين الحياة والموت.

بورتريات منجزة بغزارة التكرار، إلى نحو يسمح بظهور متغيرات بسيطة يمكن وصفها بطيّات ألوان هنا وزهور هناك وزخرفة هنالك زادت أثقالها على اللوحة.. كثافة غير مبررة!

ومع أن المعرض يكاد يكون شبه ثابت، بورتريه شبه واحدة، ولكن النظر إليها ثانية وثالثة تبتكر نظرات أخرى تواجه البرودة والجمود واللاممكن. كأن كل الأعمال لوحة واحدة، وكأن كل المعتقلين معتقل أو معتقلة واحدة وسورية واحدة كأنهم واحد في المعرض. وكأن كل سجين وسجين مثله. كما لكل شهيد للشهيد مثيله.

ريم الجندي لا ترسم بورترياتها بطريقة بيروقراطية بل بتجهيز قلق بانتظار متغير ما، حدث ما، تفاصيل صغيرة، هامش ما، مع ذلك الرسم سجين عندها وبالكاد يحرر نفسه، كأنه في إقامة دائمة وبكثير من الانطوائية الداخلية والحساسية المفرطة.

مع ريم الجندي أنت في ميدان ما بين الواقعي والوهمي، مع تحولات المكان، مع رواية الجسد مع مطارح من التعبير الشخصي والمزاج العام. لكن في معرضها الجديد الأمور مأخوذة إلى واقعية ما ملفوفة على شكل أسرار، صلاة سرية فيها شبه الأيقونة، سردية السيدة مريم، والمسيحيات في هذا الشرق و»المحبوسات» في فضاءات متقشعة تسأل معها لماذا كل هذه الحياة، ولماذا كل هذا الحب على المعابر القائمة إلى الموت، ومن دون نبرات ولا صراخ، ولا حتى حراك ولا حدث.. كل شيء جامد أمام العيون السوداء وأمامها وخلفها، ومتراكمة على شمالها وعلى يمينها.. ويا لها من عيون ساكنة أمامها نظرات بعيدة غامضة متماسكة!

رسوم على علاقة بعزلات ومكنونات نفسية ودينية، رقيقة لدرجة، حنونة لدرجة، لا يمكن تعرضها للمس، وأعناق منحنية كالسلاسل المتدلية، تبقى خاضعة لشيء ما، بمجهول ما يتعلق به احتجاجات ضمنية. ومقاربة شاملة للبورتريات، تقع في ملازمة الأنا الظاهرية. كأن ريم ترسم ذاتها، تبتكر ذاتها وتتوافق الرسوم أحياناً مع شخصها وإن كان الأمر محض صدفة نظرية لا أكثر. لكن الأيقونة رسم غير تقليدي مادته هي الروح والنفس والحساسية وذلك السكون الذي يجتاح الكل بحالة الصفاء..

ولا تبدو ريم الجندي قد أخذت مسافة ما عن أعمالها بواسطة تمثيل ما، وهي قريبة جداً، أم تراها تمثل على طريقتها، وتنتحل أيقونة في قلب التحويل والألوان الكثيفة. وفي كل الوحدة العميقة والمتواترة، وعلى أرض ضاقت بشكل بائس بمفهوم الرسم كحياة؟

ريم الجندي فنانة مدهشة عندها قدرة على ابتكار الأفكار، ممتلئة وجريئة أحياناً تقرب من «البوب آرت» (في معارضها السابقة) وأحياناً تقترب من الدادية بطقوسها الجديدة أو تنتهي إلى الفن القديم على النحو المتقشف والصوفي في معرضها الجديد. وهي الحاجة إلى قيامة ما في سوريا بطابعها الميتافيزيقي، أما وأن الحرب الطويلة ولا حلول قريبة لها ومأسسة لتناسل آلام أخرى وقيود أخرى.

وهي محاولة في الرسم لاستدعاء روح داخلية أقرب إلى الرؤية الداخلية، الحاجة إلى مسافة صغيرة ضامنة لوجوه أنهكتها العزلة والتمزقات والأوجاع. وهي رسائل روائية تعبر عن حوافز القلق والاكتئاب حيناً ومحاولة التقاط الإحساس بالحياة أحياناً والتجاوز.

[ اختلاف

أجواء المعرض الجديد مختلفة عن معارضها السابقة، في معارضها السابقة جو من الفوضى، والانفعالات السيارة والحقائب المرتجلة والعصبية الفطرية والانخطافات السريعة والمتحركة..

في المعرض الجديد، فنانة جامدة جداً، ترى وتتأمل وتشحن التعابير وتتداول داخلياً بشؤون الإنسان والمنطقة وبغموض التحولات القائمة فترسم بين حدي الليونة والقسوة، بين حدي الانصياع إلى السجن البارد والسجن الذي تحتقره بنظرات جامدة جداً وساخرة بعدم النظر إليه مباشرة وإلى «محبوسيته» وتحاول الالتفاف عليه لعدم الاختناق والعزلة لهوامش لونية ومزهرية وبطاقة متحررة من الأشكال أكثر.

ثم هي بورتريات مبسطة شاعرية، لينة جداً وجودة حقيقية بشكل واضح، ليست مجردة. لكن هو الوجه وبعده على سطح اللوحة، وبأحجام صغيرة انسجاماً مع المنطق الميتافيزيقي والارثوذكسية التكعيبية التي تختلط فيها الذكريات وأسرار الأوقات المصدّعة.

ريم الجندي دائماً تفاجئنا، تعرف جيداً مهنتها، لها بريقها، لها وجهها تقرأ من خلال الوجوه من حولها جيداً، ترسم لتفكر، وترسم لتمثل دوراً إنسانياً تختبره جداً، أقرب الفنانات إلى الحالة التشكيلية كجزء من تحولات المدينة السياسية والاجتماعية والثقافية وكجزء من تجريب تشكيلي مهم وبهاجس تعبيري، مميز جداً وله موضوعه ويقوم على أفكارها في معرض هادف جداً، لم تشتغله للبيع حتى ولا للتزويق، بل للتعبير الشخصي وترسم لنفسها.