يحدث الان
   20:59   
‏التحكم المروري: جريح نتيجة تصادم بين سيارة ودراجة نارية على طريق عام قانا صور، نقل الى مستشفى اللبناني الايطالي للمعالجة
   20:59   
‏الشرطة البريطانية تعيد فتح جسر ويستمنستر للمشاه في لندن
   20:55   
‏السيسي: مصر منفتحة على دول أفريقيا لكنها لا تتدخل في شؤونها الداخلية
   20:42   
‏اصابة رئيس الوزراء اليوناني الاسبق بانفجار في سيارته   تتمة
   20:30   
‏المحكمة السعودية العليا تعلن السبت أول أيام شهر رمضان
   المزيد   




الأحد 28 حزيران 2015 - العدد 5420 - صفحة 9
زافين قيومجيان الذي عرف ما صنعه التلفزيون بنا
يوسف بزي
نأخذ كتاب زافين قيومجيان «أسعد الله مساءكم» (مئة لحظة صنعت التلفزيون في لبنان)()، ولا نبدأ بقراءته بل بالتفرج عليه، صورة وراء صورة، كشريط سينمائي وثائقي. ألبوم كبير مفعم بالمتعة البصرية أولاً، مشغول بمونتاج كرونولوجي، حيث الانتباه إلى تلك «اللحظة» التي تشكل منعطفاً، لحظة راسخة في الذاكرة البصرية اللبنانية. فزافين لا يجمع أرشيفاً ويوضّبه في كتاب، بل يوظف ذاك الأرشيف من أجل فكرة واحدة: من أي مادة صيغت صورة لبنان؟ ما اللحظات التي من الممكن أن تختزل ماضياً كاملاً؟

وإذا كان يمكن تقسيم تاريخ الجمهورية اللبنانية المستقلة إلى حقبات أربع: مرحلة الاستقلال الأولى (1943 1958)، مرحلة «العصر الذهبي» (1958 1975)، مرحلة الحرب (1975 1990)، مرحلة «الجمهورية الثانية» (1990 - ...)، يمكننا القول أيضاً إن النظر في تاريخ «تلفزيون لبنان» يسعفنا في فهم تلك الحقبات وتدبير معانيها والتقاط تحولاتها وانقلاباتها، بوصفه تاريخاً اجتماعياً وثقافياً.

قبل أن يبتدئ البث التلفزيوني في تمام الساعة السادسة من مساء 29 أيار 1959، الذي تم وضع الحجر الأساس له رسمياً في نهاية عام 1958، كان لبنان بحسب قول وسام عز الدين وسليمان نوفل (مجلس الإدارة) مجرد مناطق معزولة عن بعضها البعض. ونستطرد أن لبنان حينها كان جماعات قليلة التواصل، شبه منغلقة على نفسها، لكل منطقة (أو طائفة) تقاليدها ولهجتها ومعتقداتها وتواريخها الخاصة وذاكراتها المختلفة. يقول عز الدين ونوفل بعد عام على الانطلاقة، إن التلفزيون «أطلق ثورة اجتماعية حقيقية، ساوت بين الفقير والغني، بين النساء والرجال والأطفال، بين أهل الريف وأهل المدينة: أصبح بإمكان هذه الفئات أن تتواصل للمرة الأولى بعضها مع بعض، ومع العالم الأوسع، بالصوت والصورة، وباللغة التي تتكلمها (...) لن تكون هناك مناطق معزولة في لبنان بعد اليوم، فالمزارع في الهرمل، والمزارع في الكورة، سيطلعان معاً على الأخبار، سيتعلّمان معاً، سيضحكان معاً وسيحلّان مشكلاتهما معاً، وفي الوقت نفسه».

على الأرجح نعم، ابتدأ نسج مجتمع لبناني جديد بعد العام 1958، بتأثير هائل وأساسي للتلفزيون كمصنّع للغة محلية موحدة ولصورة عمومية مشتركة. كان زمن تأليف الهويات الوطنية بقدر ما كان لحاقاً حماسياً بحداثة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان العراق هو السبَّاق إلى هذه التقنية (أول بث تلفزيوني 1957)، تلاه لبنان، ثم مصر.

لكن ميزة التلفزيون اللبناني حينها أنه لم يكن جهازاً حكومياً بيد بيروقراطية حزبية، لم يكن أداة لسلطة أيديولوجية محضة، على الرغم من أنه كان متسقاً تماماً مع مصالح نخبة اقتصادية سياسية هندست النظام اللبناني، والذي هيمنت عليه في ذاك الزمن غلبة مسيحية هي من طبيعة التفوق التعليمي والاقتصادي، ومن سبق المسيحيين اللبنانيين في الأخذ بالثقافة الحديثة وملاقاة الغرب وتجاوز زمن ما بعد العثمانية. وربما لهذا السبب بالذات، كان تلفزيون لبنان الأداة الأشد تأثيراً في أخذ الأرياف المعزولة، والجماعات المختلفة والمتباعدة، والنائية عن بعضها البعض، إلى زمن التواصل أو إلى توحيد زمنها، وجذبها إلى مواقيت مشاهدة واحدة، توحدها في انفعالاتها وتأثراتها، وتلقنها أذواقاً وأفكاراً وسلوكيات وأخلاقيات جديدة، وتقدم لها ما هو «موضة» وما هو مثال ونموذج، وتغريها بمستجد العالم استهلاكاً أو تقليداً يحتذى به.

يؤرَّخ للبنان «العصر الذهبي» (1958 1975) على أنه زمن الكوزموبوليتية، وربما «العولمة» المبكّرة، في حرية التجارة، في المواصلات البرية والبحرية والجوية، في التعددية اللغوية، في السياحة والخدمات، في النشاط المصرفي، في الانغماس بالحياة الاستهلاكية، في تبني الثقافة والفنون الحديثة من غير كابح، في حركة التحرر الاجتماعي على أوسع نطاق، في حرية التعبير والإعلام، أي في ليبرالية سياسية واجتماعية وثقافية لم تكن متوفرة حتى في جنوب أوروبا ولا في معظم آسيا ولا أفريقيا ولا أميركا اللاتينية. هذا بالضبط ما اكتمل مع الأدوار التي لعبها تلفزيون لبنان في تأليف وبث الصورة المتوائمة مع روح لبنان، المفعم بالتفاؤل والبحبوحة ونشوة الحداثة المرحة والاحتفاء بالذات.

يذكر زافين قيومجيان في كتابه ما أوردته صحيفة «اللوموند» عام 1959 عن انطلاقة تلفزيون لبنان: «دخول الصور بأسلوب جديد إلى منازل الشرقيين في لبنان، ولا سيما منازل المسلمين منهم، سيحدث ثورة في توحيد التقاليد والعادات الهندامية والتذوقية، وأنماط التفكير وطرق الشعور». ويضمر هذا القول الانتباه إلى ذاك التحفظ الاجتماعي الذي أحدثته صدمة الصورة المتلفزة، وإلى قوة الاستلاب الذي يفرضه التلفزيون بحكم دخوله إلى صالون كل منزل، ودوره الأكيد في صوغ مجتمع واحد ومتشارك. ولنا أن نتخيل كيف أن البث الأول للتلفزيون احتوى على وصلة كاملة للراقصة الشرقية «كهرمان».

غالب الظن، أن النساء اللبنانيات مدينات كثيراً للتلفزيون اللبناني في نيل الكثير من حريتهن الاجتماعية، وفي اكتسابهن حضوراً لا شك فيه، فناً وثقافة ومكانة واستقلالية لم تكن معظم نساء العالم العربي ليحلمن بمثلها، ليس كممثلات أو مذيعات، بل كشخصيات وأدوار ونماذج يحرضن الأخريات على الاقتداء بهن، ويلزمن العالم الذكوري على الإقرار لهن بما اكتسبن وتقبل ما هن يرغبن به. وإذ نطالع ألبوم زافين، نرى ذاك الانحياز المبكر لتلفزيون لبنان نحو «تأنيث» الصورة، وأن يكون الترفيه وسيلة لتربية اجتماعية وثقافية أكثر انفتاحاً على حضور المرأة، وأكثر تقبلاً لعلنية الحب والملذات، ولو كان حينها يكثر من «المواعظ الأخلاقية» ومدح فضائل العائلة.. إلخ.

وإذا كان كتاب «أسعد الله مساءكم» يؤكد على المساهمة الكبرى للتلفزيون في تآلف اللبنانيين على ذاكرة واحدة ومشاعر موحدة، فإننا ننتبه كيف أن لبنان هذا، في حقبته الرابعة (ما بعد «الطائف»)، جنح إلى تلفزيونات عدة، هي على صورة تعدد جماعاته، التي ارتكست إلى ما قبل «تعارفها»، متباعدة مجدداً، مستنفرة ومعتصبة ومتحاربة. تلفزيونات الطوائف والعصبيات. لذا ليس مصادفة اليوم أن لا يشاهد أحد «تلفزيون لبنان»، أن يعجز هذا الأخير عن صنع صورتنا الواحدة، التي تبددت منذ زمن الحرب ولا تزال متناثرة في مهب الانقسامات المتفاقمة من غير أمل.
() صدر بطباعة أنيقة عن دار «هاشيت أنطوان» (بيروت 2015)، 320 صفحة من القطع الكبير.
  الاكثر قراءة في « نوافذ »