يحدث الان
   12:48   
‏يلدريم: إدخال منطقة كركوك المتنازع عليها في استفتاء كردستان العراق كارثة
   12:47   
‏قوى الامن: أوقفت شعبة المعلومات في محلة الحمرا (ج.م.) 1964 لبناني بحقه 5 خلاصات أحكام بجرم شيك دون رصيد.
   12:38   
‏وزير المال ​سيتشاور مع رئيس مجلس الوزراء ​سعد الحريري​ في تداعيات القرار الدستوري
   12:11   
‏مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية: الحديث المنسوب الى الرئيس عون في موقع "المونيتور" تضمن مواقف غير دقيقة وبعضها اتى خارج سياق العرض
   12:00   
‏المجلس الدستوري يصدر قرارا بالاجماع على ابطال قانون الضرائب بكامله
   المزيد   




الثلاثاء 21 آذار 2017 - العدد 6017 - صفحة 5
المــقــــاومــــة وازدواجــيــة الســلــطــة (3 من 6)
سليمان الرياشي

يفخر الأوروبيون والغرب عموماً بأن الإرث اليوناني – الروماني هو أساس حضارتهم. وتفخر اليونان بدورها بكونها أحد مَهدَي هذه الحضارة. لا يدخل في صلب اهتمام هذا الملف محاولة تعيين الحدّ الفاصل بين الواقعي وغير الواقعي في هذه «الأسطورة المؤسِسَة».

يبقى أن الشعور القومي في اليونان شهد تطوّراً نوعياً في القرن التاسع عشر، وقد كانت البلاد جزءاً من الامبراطورية العثمانية. وبالإضافة للعوامل الداخلية وضعف السلطنة، فقد غذَّى هذا الشعور عاملان خارجيان: التدخّل الغربي وتأثيراته، على غرار ما حصل في مصر والمشرق العربي متزامناً مع التغلغل الأوروبي، ثم السعي الروسي المستدام لوضع الأرثوذكسية اليونانية، وهي «دين» الغالبية العظمى من اليونانيين تحت وصاية الامبراطورية الروسية؛ وللأرثوذكسية اليونانية شأن تعبوي وسياسي كبير في البلاد، لا يقلّ عن الشأن التعبوي للكاثوليكية في بولنده أو إيرلنده على سبيل المثال وليس الحصر.

عاصرت اليقظة القومية اليونانية اليقظتين القوميتين الألمانية والإيطالية، ولكنها تقدّمتهما في التجسّد في كيان وطني مستقلّ.

ففي عام 1822 باشر اليونانيون ثورتهم ضدّ الاحتلال العثماني، وقد اشتدّ ساعدهم من خلال التحالف الروسي - الفرنسي - البريطاني ضدّ السلطنة عام 1827 وإلحاق الهزيمة باسطول ابراهيم باشا في معركة نافارين. كما قوَّى من عضدهم دخول روسيا الحرب ضدّ تركيا (1828 – 1829) وفرض الحكم الذاتي لليونان على الامبراطورية في اتفاق «أندرينوبل»، ثم اتفاق لندن عام 1830 الذي قضى بإقامة دولة يونانية مستقلة تحت رعاية بريطانيا وفرنسا وروسيا، واعتبار اليونان مملكة، تمَّ تنصيب أوتون الأول عليها عام 1832.

هنا تظهر سمة أخرى تميّز اليونان وتتمثّل بتعاقب الأنظمة الملكية عليها بوتائر سريعة نسبياً، ممّا شكّل سبباً ونتيجة لعدم الاستقرار في الوقت نفسه. ومما يلفت النظر في هذه الخصوصية، ليس عدم الاستقرار وحسب، بل الدعوة للتساؤل عن مدى عمق التجذر الملكي في البلاد، وميل العديد من ملوكها للنأي عن مشاعر شعبها القومية. فالملك قسطنطين الأول الذي ورث والده جورج الأول عام 1913 الذي قضى اغتيالاً، سوف يحابي الألمان إبان الحرب العالمية الأولى، ما سيجعل اليونان مشدودة كالوتر بين معسكرَين متحاربَين ويفاقم أوضاعها الداخلية المنقسمة بين سياسة الملك وأنصار الحلفاء الذين يؤسّسون لحكومة جمهورية في سالونيك عام 1916. والموقف نفسه يتكرّر في الحرب العالمية الثانية عبر تذبذب الملكية في موقفها من مقاومة الاحتلالَين الإيطالي والألماني. وعندما لا تكون الملكية على هذا الغرار فهي تحت الهيمنة البريطانية ووريثها الأميركي لاحقاً. ومشكلة الملكية في اليونان تتمثّل في أن ملوكها لم يكونوا من أصل يوناني، بل من أصول عائلات ملكية أوروبية متعددة، وهي لم تكن متجذّرة في تاريخ البلاد ولا جزءاً من تاريخ شعبها وسعيه نحو الحرية والاستقلال.

اليونان: حرب أهلية

من خصوصية اليونان وتجربتها التحرّرية، أنها سوف تكون لفترة طويلة وتراً مشدوداً لحدّه الأقصى بين النفوذَين السوفياتي والبريطاني (اتفاق ستالين – تشرشل، كما سوف نرى لاحقاً، ثم النفوذ السوفياتي – الأميركي مع نهاية الحرب العالمية الثانية. كما أن من خصوصيات اليونان التداخل الشديد التعقيد، والذي يختلط فيه التاريخي والاثني بالثقافي واليقظة القومية المتزامنة مع الجيران أكثر مما كان عليه أمر إيطاليا مع جيرانها) مع الجيران، وهنا المقصود جيرانها البلقانيين بلغاريا ويوغوسلافيا وألبانيا. هذا التداخل تفاقم سلباً بعد الحرب البلقانية عام 1912 – 1913. ثم ان هناك مشكلات اليونان مع جارها التركي شرقاً، التاريخية والراهنة كما يبدو في الأزمة القبرصية التي لا تزال تتتالى فصولاً حتى الآن. إن ما سبق لا يستنفد الخصوصيات اليونانية إطلاقاً، فنحن لسنا بصدد بحث مخصّص لجغرافية البلاد وتاريخها السياسي والاقتصادي الحديث، بل بصدد تقديم شديد الإيجاز لعناصر تجعل من حركة المقاومة اليونانية وحربها الأهلية لاحقاً بمتناول القارئ غير المتعمّق بالضرورة بتاريخ أوروبا الحديث والبلقان واليونان تحديداً. ثم ان لهذا الملف وظيفة متواضعة لكن ذات مغزى تطمح لأن تساهم، وبصورة متواضعة أيضاً، بتوفير فهم أفضل، ولو قليلاً، لأوضاع الشرق العربي وبخاصة لبنان؛ فالتشابه بين الوضع اليوناني والأوضاع العربية يخطف النظر. استحضار التاريخ واللغة كقرينة قومية، فالجماعات التي تتكلّم اليونانية هي يونانية؛ ثم هناك البلد الصغير المختلف مع جيرانه، وهو يميل إلى اعتبار كل مشكلة معهم وجودية؛ ثم هناك تداخل كبير و«طبيعي» بين ما هو داخلي وما هو خارجي من مشكلات، ولم تنجح القوى السياسية اليونانية الفاعلة دوماً من القيام بإجراء الحسابات الدقيقة والموضوعية لصالح هذه الدول الشديدة التأثير على أوضاعها الداخلية. ثم كانت هناك نزعة إرادوية لم تنجح دوماً في تفصيل طموحها على مقاس قدراتها ومقاس موازين القوى ومصالح القوى العظمى من أجل إدارة علاقاتها معها بصورة تتّسم بالحكمة.

احتلالات متكررة.. ومجاعات

خضعت اليونان إبان الحرب العالمية الثانية، وتباعاً، للاحتلال الإيطالي والبلغاري والألماني. فإيطاليا الفاشية ومن ضمن تحالفها مع ألمانيا النازية اعتبرت البلقان ومن ضمنه اليونان جزءاً من العبء العسكري المتوجّب عليها، هذا بالإضافة لأطماعها الاستعمارية؛ وبلغاريا بادرت إلى احتلال ما كان يُعرف بمكدونيا الشرقية، وهي اعتقدت أنها بذلك تعوِّض ما لحق بها من حيف خلال التسوية التي أعقبت الحرب البلقانية 1912 – 1913. أما الاحتلال الألماني عام 1942، فكان بوجه منه دعماً للاحتلال الإيطالي المتعثر، وبوجهه الآخر والأهم، جزءاً من الاستعداد المسبق لجبه ما كان يُحضّر له الحلفاء لفتح جبهة جنوب أوروبا الذي سيبدأ عام 1943 بما سوف يُعرف بمعركة إيطاليا؛ وقد اهتم الألمان على وجه الخصوص بمدينتي سالونيك واثينا، كما أولوا اهتماماً شديداً لجزيرة كريت كجزء من معركتهم الكبرى للسيطرة على شرق المتوسط وشمال أفريقيا وصدّ الهجوم المرتقب للحلفاء.

وكما كل احتلال، حاول المحتلّون ممارسة سياسة الاستتباع للإدارة القديمة ومحاولة جذب الفئات العليا فيها، كما كبار الموظفين، واستمالة ضباط سابقين وتجنيد ما استطاعوا من الأمن السابق كمرشدين. وتعامل البلغار بقسوة شديدة مع السكان خصوصاً في مكدونيا، فمارسوا الترحيل القسري للسكان من أصل يوناني وفرضوا على اليونانيين الناطقين باللغة السلافية أن يعلنوا عن أنفسهم بلغاراً. أما الإيطاليون فقد حاولوا استمالة الأقليات وتوظيفها في خدمتهم، وبخاصة الأقلية الألبانية. وقد نَسَجَ الألمان على المنوال نفسه؛ وعلى العموم مارس المحتلون سياسة منع التجوّل والقمع والتقنين، كما أجبروا الحكومة الخاضعة لهم على دفع كلفة الحاميات المحتلة للبلاد، وتولدت عن ذلك مجاعات شديدة، خصوصاً أن اليونان يستورد معظم السلع الغذائية من الخارج. وقد قدَّر الصليب الأحمر الدولي عدد ضحايا المجاعات بـ250 ألفاً، مما يذكّر اللبنانيين بالمجاعة الكبرى التي ضربت لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى وبخاصة مناطقه الجبلية وأودت بما يقارب ثلث سكان جبل لبنان (وقد صدرت في السنوات الأخيرة دراسات قيّمة قام بها باحثون لبنانيون أكفاء عن المجاعة في ذكراها المئوية الأولى، ووضعتها في سياقها المحلي والإقليمي والدولي).

المقاومة قوّتان.. واستخبارات

لم يتأخر ردّ الشعب اليوناني على الاحتلال والاستباحة، وعلى غرار ما حصل في تجربتَي المقاومتَين الفرنسية والإيطالية، كان الشيوعيون اليونانيون مؤهّلين أكثر من القوى الأخرى للمباشرة في المقاومة. فقد كانوا حزباً منظماً شديد المركزية، متمرّساً بالعمل السرِّي منذ نشأته (وبخاصة في ظل ديكتاتورية ميتاكساس 1935 – 1941)، قادراً على الجمع بين العمل العسكري والعمل الجماهيري من خلال وجوده الملموس في صفوف النقابات العمالية والمنظمات المهنية، وعلى علاقة جيدة بعالم الفلاحين ورجال الاكليروس الأرثوذوكس، أي أنه كان قادراً على تأمين التواصل المعقول والمطلوب بين الريف والمدينة، ثم كان هناك استعداد وطني واسع لدى الشعب اليوناني لمقاومة الاحتلال. وبادر الحزب الشيوعي إلى تشكيل ما عُرف بـ«لجنة التحرّر الوطني» (EAM) التي شكّلت بدورها «جيش التحرير الوطني» (ELAS)، وباشرت عملها المقاوِم الذي بدأ في شمال البلاد والذي حظيَ بدعم من المقاومة اليوغوسلافية بقيادة جوزيف تيتو.

وفي مجرى الصراع سوف تنشأ قوّتان أُخريان للمقاومة، واحدة أطلقت على نفسها مسمَّى «الخط الوطني الديموقراطي» (EDES)؛ والثانية عملت تحت مسمّى «التحرير الوطني والاجتماعي» (EKK). والحركتان متشابهتان من حيث المنشأ، فكلاهما تتشكّل أساساً من ضبّاط جدد كردّة فعل على الهزيمة والاحتلال أو من ضباط سابقين تمَّ إقصاؤهم عن الجيش والتنكيل بهم في ظل ديكتاتورية ميتاكساس (Metaxas) بين عامَي 1935 و1941. وتتميّز الحركتان بعدائهما المتفاوت للملكية وبالليبرالية السياسية والاجتماعية. كما تتميزان، وخصوصاً الأولى منهما، بعدم استقرار ولاءاتهما السياسية، وتقلّبهما.

في مجرى الحرب، وبناء على متطلّباتها، سوف تنشأ مجموعات أخرى، بتعاون لصيق مع الاستخبارات البريطانية خاصة واستخبارات الحلفاء بوجه عام، وظيفتها الأساسية التنسيق مع جيوش الحلفاء من حيث الإخبار عن مواقع وتحرّكات المحتلين الإيطاليين والألمان، وإنقاذ الطيارين الحلفاء الذين تسقط طائراتهم فوق الأرض اليونانية، كما تشكيل نقاط ارتكاز لاستقبال السلاح والذخائر والتموين، واستقبال العملاء (البريطانيين خصوصاً) والتنسيق معهم ضدّ العدو المشترك، في ظاهرة شبيهة بما حصل في فرنسا وإيطاليا المحتلّتين.

تركز الاهتمام العسكري الألماني بدءاً من عام 1942 على مدينتَي أثينا وسالونيك وعلى جزيرة كريت، بالإضافة لتقديم الدعم للمواقع الإيطالية المتعثرّة. وكانت نظرة الألمان أكثر شمولاً من نظرة حلفائهم الإيطاليين، فقد كانت عينهم على الحلفاء الذين يتحضّرون لاقتحام جنوب أوروبا من البوابة الإيطالية؛ وعينهم كذلك على قوّات الحلفاء في شمالَي أفريقيا المتمثلة ببريطانيا وفرنسا الحرّة. كما كانوا منشغلين أشدّ الانشغال بجبهتهم الشرقية مع الاتحاد السوفياتي ومع المقاومة اليوغوسلافية في البلقان؛ ثم أنهم كانوا ينظرون إلى معركتهم في اليونان على أنها معركة سهلة، فجزء من معركتهم دعم الاحتلال الإيطالي، ثم أن حكومة اليونان ضعيفة وتُعطي إشارات باستعداد ما للتعاون معهم، كما أن تاريخ العلاقات بين الشعبَين الألماني واليوناني لا ينطوي على درجة التعقيدات ذاتها التي بين اليونان وإيطاليا. لكن سريعاً ما تبيَّن لهم أن حساباتهم كانت بعيدة عن الدقة، فقد واجهتهم مقاومة ضارية لم تكتفِ بنصب الكمائن وعمليات التخريب ومحاولة قطع طرق المواصلات الفرعية بل تجرّأت على محاولة قطع طريق اتصالهم الرئيس بين أثينا وسالونيك، مما أجبرهم على استدعاء أحد تشكيلات النخبة في جيشهم، والمتمثّل باللواء الحادي عشر المظلي كي يضمنوا سرعة الحركة ومرونتها، وهو ما ضمن لهم فعالية لافتة على الأرض وألحق بالمقاومة خسائر ونكسات. كما أن الألمان سوف يستدعون فرقة مشاة جبلية لتعويض التعثّر الإيطالي في المناطق الداخلية الوعرة.

كرّرت التجربة الألمانية الاحتلالية ما كان يجري في كل مكان عملياً. قمع شديد للمقاومة والأهالي، ردَّت عليه المقاومة بعنف مماثل، واكتملت الحلقة: مقاومة – قمع – مقاومة إلخ. وصار المقاومون يعاملون الألمان بالمثل وبلا رحمة، فمارسوا على الغرار ذاته إعدام الجرحى واستهداف سيارات الإسعاف العسكرية ومصادرة المعدّات الطبية، ومهاجمة القطارات – المشافي، وكانوا حيثما استطاعوا يجبرون الأطباء الألمان على اصطحابهم لمعالجة جرحاهم. وبالمحصِّلة، ألحق الألمان خسائر بشرية ومادية هائلة بالشعب اليوناني، ووجّهوا ضربات شديدة الإيلام للمقاومة لكنهم لم يسحقوها، وبالمقابل فإن المقاومة استنزفتهم ولم تهزمهم. يبقى أن المقاومة اليونانية، وفي شهر آذار/ مارس 1943 سجّلت نصراً تكتيكياً مهمّاً على سلطات الاحتلال الألمانية عندما نظَّمت مظاهرات وتجمّعات شعبية ضخمة داخل المدن منعت هذه السلطات من تنفيذ مشروعها الخطير القاضي بأخذ العمال اليونانيين للعمل في المصانع على غرار ما كانت قد فعلت في العديد من البلدان التي احتلّتها، وقد نجح اليونانيون في ذلك رغم المجازر الألمانية بحق المضربين والمتظاهرين.

اتفاق ستالين ـــــ تشرشل

بين الاحتلال الألماني والتدخّل البريطاني في اليونان وجه شبه مهمّ، ووجه اختلاف مهم أيضاً. فمن ناحية الاستراتيجية العسكرية والعملانية أدرك الطرفان أهمية آثينا وسالونيك وخط الاتصال البرّي بينهما، ولذا، كما فعل الألمان أعار البريطانيون اهتماماً خاصاً لاحتلال المدينتين. وكذلك أدرك الطرفان أهمية جزيرة كريت كواسطة العقد بين شرق المتوسط وغربه فاستماتا للسيطرة عليها، وذلك ضمن خطط الطرفين في الحرب الجارية. أما الاختلاف البيِّن، فقد تمثّل في أن البريطانيين اعتبروا اليونان دوماً، شأناً لصيقاً بهم وكانت لهم خططهم بشأنها في مجرى الحرب ولمرحلة ما بعد الحرب. وبرز ذلك من خلال مدى توغّل بريطانيا في الشأن اليوناني الداخلي من تنصيب ملوك وعزلهم وتشكيل حكومات واستبدالها بأخرى وفق ما يخدم سياستها.

في تشرين الأول/ اكتوبر 1944، تمَّ عقد اتفاق بين جوزف ستالين وونستون تشرشل، أطلق فيه الزعيم السوفياتي يد بريطانيا في اليونان، مقابل أن تطلق يده في رومانيا. وبطبيعة الحال بقي الاتفاق سرّياً على القوى السياسية اليونانية. لكن بريطانيا تصرّفت بموجبه كقوَّة تصنع الصيف والشتاء فوق السقف اليوناني. حتى قبل الاتفاق، تصرَّفت بريطانيا كصاحب «حق شرعي» في فك وإعادة تركيب البُنى السياسية في البلاد.

فمنذ نزولهم على الأرض اليونانية، تصرف البريطانيون ببرغماتية متوقّعة ونسجوا علاقات مع القوى المقاومة، وبصورة خاصة مع «لجنة التحرير الوطني» وجيشها، وهم على معرفة تامة بفكرها وخطها السياسي. وسارت الأمور على نحو ذرائعي مقبول في البداية. لكن بريطانيا فشلت في إقناع الشيوعيين (لجنة التحرير) بالعلاقة والتنسيق مع المقاومة اليوغوسلافية غير التيتوية. ثم ساءت العلاقة عندما رفضت «لجنة التحرير» الاندماج مع «الخط الوطني» (EDES)، وازداد الأمر سوءاً عندما تمَّ الاحتكام للسلاح بين الفصيلَين؛ وأحدهما تعتبره بريطانيا قريباً منها، (وهي سوف تتخلّى عنه لاحقاً وتحاول تصفيته مادياً بعد انكشاف علاقته بالاحتلال الألماني). وإذا كانت علاقتها بلجنة التحرير لم تنقطع، فهي باتت مشوبة بالحذر الشديد بل بالتوتّر أيضاً.

تشكيل حكومة باباندريو في لبنان

وقد شهد عام 1944 حدثاً مهماً آخر يتكامل مع اتفاق ستالين – تشرشل. فقد حصل تضعضع في صفوف المنفيّين مع الملك اليوناني في القاهرة. بادر البريطانيون إلى دفع جورج باباندريو (وهو سياسي جمهوري معروف بموقفه المتصلّب من الشيوعيين وبعدائه للملكية وهما أمران يرضيان تشرشل) إلى تشكيل حكومة ائتلافية انضم إليها الشيوعيون (لجنة التحرير..) بضغط من القيادة السوفياتية، وقد جرى التفاوض بشأن الحكومة وبرنامجها في لبنان (برمانا). هذا في وقت كان الألمان ينسحبون من البلقان، بما فيه اليونان، في وقت اختفت حكومتهم العميلة بالتزامن مع انسحابهم. وفي تشرين الأول/ اكتوبر تحرّرت أثينا، وعاد باباندريو وحكومته من المنفى وطالب «لجنة التحرّر الوطني» بتنفيذ ما اتفق عليه في لبنان، أي حلّ «جيش التحرير»، وكان تعداده يقرب من 60 ألفاً، والإبقاء على وحدة نخبة فقط، وذلك في مهلة لا تتجاوز شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، وذلك من أجل «بناء جيش وطني جديد». ردَّ الشيوعيون بأن هذا ليس كل الاتفاق، والمطلوب بالتوازي تطهير الدولة وأجهزتها من عملاء الاحتلال، كما طالبوا بتنفيذ التعهّد بمطاردة المتعاملين مع الاحتلال. ثم عاد باباندريو في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ليطالب بحلّ جميع وحدات المقاومة هذه المرّة. وتوتّر الوضع، وفي النصف الأول من كانون الأول/ ديسمبر وقعت اشتباكات واسعة في أثينا، استعانت خلالها الحكومة بالبريطانيين ودام القتال 33 يوماً، ألحق دماراً واسعاً بالعاصمة، وأدى إلى خسائر بشرية كبيرة حيث قتل وفق المصادر 910 جنود بريطانيين و200 شرطي و1300 مقاوم كما قُتل 8400 من المدنيين! وهذا ما دعا بعض الباحثين للجزم بأن هذا الحدث شكّل بداية الحرب الأهلية اليونانية، أي أنها بدأت عام 1944 وليس عام 1946.

كان هذا الحدث مبعث صدمة هائلة لجميع الأطراف، وعلى وجه الخصوص بريطانيا، فهُرعَ تشرشل إلى أثينا وأطاح بحكومة باباندريو، ووجَّه بتشكيل حكومة جديدة برئاسة جنرال ليبرالي (بلاستيراس)، عقدت اتفاقاً جديداً مع الشيوعيين يستعيد ما كان قد طُرح في لبنان، ولكن مع وضوح أكبر بخصوص تطهير أجهزة الدولة من المتعاملين مع المحتلّين، ونصَّ على ضرورة تنظيم استفتاء بشأن الملكية في اليونان. لكن الممارسة جاءت على النقيض من الاتفاق، فلم يتم تطهير الأجهزة، واشتدّت مطاردة المقاومين والشيوعيين منهم على وجه خاص. بدأ الشيوعيون بالتخفيف الأقصى لحضورهم في المدن والانتقال للتحصّن في الجبال والأرياف، وبدأت رسمياً الحرب الأهلية التي يتواضع المؤرخون على أنها بدأت عام 1946 وانتهت عام 1949.

الحرب.. والدروس والعبر

دارت رحى الحرب بين الشيوعيين الذين أعادوا تشكيل قوّاتهم تحت مسمّى «الجيش الديموقراطي للتحرير»، والجيش الوطني اليوناني الجديد المُعاد تشكيله ودعمه. وقد جرت بدعم بريطاني كامل سياسي وعسكري ومعلن لجيش النظام والنظام، وفي ظل دعم لفظي خجول من قِبَل الأنظمة الشيوعية للمقاومة؛ وفي ظل انقطاع الدعم اليوغوسلافي العسكري واللوجيستي إثر القطيعة بين نظام المارشال تيتو و«المعسكر السوفياتي» عام 1948. وانتهت الحرب بهزيمة كاملة للمقاومة وتشتّت قياداتها والكثير من كوادرها وأفرادها بين السجون والمنافي وكذلك الاغتيالات في مشهد غير مألوف من الدمار والبؤس في الأرياف اليونانية.

إن التجربة اليونانية، باحتلالاتها المتزامنة والمتعاقبة، بمقاومتها وحربها الأهلية، بإطارها الإقليمي والدولي، وكما بنتائجها، غنيّة بالدروس السياسية المفيدة لقربها من أوضاع لبنان السياسية والاجتماعية أيضاً، أبرزها:

- لم يمارس الشيوعيون إبان المقاومة وأثناء الحرب الأهلية، رغم سيطرتهم في حقبات معينة على مناطق واسعة ووضعهم المهيمن في مواقع إنتاجية عديدة، ومحاولاتهم تنظيم حياة الناس في مناطق سيطرتهم، لم يمارسوا إصلاحات متطرّفة ومتزمّتة من وحي الإيديولوجية التي يحملونها. فلم يتعرّضوا للمُلكية الخاصة، ولا للنشاطات الحرفية المستقلة ولا لحرية التجارة أكانت تجارة جملة أو بسيطة على غرار ما فعل رفاقهم اليوغوسلاف والبلغار والرومان الخ. كما أنهم أقاموا علاقات موضوعية ومقبولة جداً مع الكنيسة الأرثوذوكسية الشديدة التأثير في الوسط الشعبي اليوناني والريفي خصوصاً، فتعاونوا معها واستقبلوا في صفوفهم المقاتلة قسساً ورهباناً حملوا السلاح ضدّ الاحتلالات. وكانت هذه السياسة محط انتقاد شديد من قِبَل مجموعات يسارية تروتسكية أو فوضوية وصَمَتْهم بـ«الانتهازية اليمينية» و«خيانة الطبقة العاملة»، و«محاباة الكنيسة» و«الستالينية» إلخ. وبكلمة فإن مشكلتهم لم تكن في التطرّف البرنامجي.

- على الرغم من شعبيتهم الأكيدة والواسعة جداً في بعض الحقبات، وهي شعبية تتجاوز بما لا يُقاس حجمهم الحزبي والجماهيري المؤطّر، تتشكّل من جمهور واسع متعدّد الميول الفكرية والسياسية نصرهم لأنهم كانوا رأس حربة حقيقي ضدّ الاحتلال والديكتاتورية، وهو ذو نفس جمهوري معادٍ للنظام الملكي، وديموقراطي وفي قسم مهم منه ليبرالي، فقد استقبلوا العديد من أفراد فئات هذا الجمهور الشديد التنوُّع في صفوفهم مقاتلين وردائف، لكنهم لم يبادروا، أو لم يتمكنوا من تنظيم هذه الفئات في جبهة متّحدة تدافع من خلالها عن مصالحها المتنوّعة والمشروعة، وبقيَ التحالف في المهمّة السياسية الأساس أي التخلّص من الاحتلال، وعندما أُنجزت هذه المهمّة انفرط عقد هذا التحالف العريض. وانتقل جزء منه إلى الخنادق المقابلة.

- على الصعيد الوطني الأوسع، وفي مرحلة سياسية شديدة الدقّة والخطورة، وفي ظلّ قيادة أمينه العام (ترافاريادس) العائد من الأسر الألماني في معسكر داشو السيّئ الصيت، ارتكب الحزب خطيئة الانعزال السياسي عندما رفض المشاركة في انتخابات عام 1946 البرلمانية، وقرار المقاطعة كان، بدون شك، قراراً خاطئاً في الزمن الخطأ، وهو بالضرورة أربك جمهوره الواسع، وشكّل إشارة مع بداية احتدام الحرب الأهلية، بأن الحزب فَقَدَ الأمل بإمكانية التسويات السياسية، وحمَّله بالتالي جزءاً من مسؤولية الإيغال في الاقتتال الأهلي. كما كان رسالة بأن الحزب ماضٍ في تشكيل سلطة موازية للسلطة القائمة، وأن علاقته بها باتت علاقة تناحرية ذات مسلك واحد.

- إذا جرى التسليم جدلاً بأن أحداً لم يهمس في أذن الحزب شيئاً عن أمر الاتفاق السرِّي بين ستالين وتشرشل، فلم يكن سرَّاً على قيادة الحزب مؤتمر طهران (1943) ومؤتمر يالطا (1945) ولا مؤتمر بوتسدام (1945)، فهذه المؤتمرات وإن لم تعالج شؤون اليونان تحديداً، فهي تداولت وخلصت، في محطتها الأخيرة خصوصاً، إلى ترتيبات ما بعد الحرب الكبرى. واشتعلت الحرب الباردة بين القطبَين الجديدين، فأزمة برلين المعروفة (1948) نشبت أثناء الحرب الأهلية في اليونان، وإنشاء حلف شمالي الأطلسي تمَّ بالتزامن معها عملياً والحرب الباردة لم تكن نقضاً للاتفاقات بل تسييجٌ لها وإيذانٌ بأن الولايات المتحدة تسلَّمت زعامة «العالم الحر»، وبدأت بوراثة مناطق نفوذ الامبراطوريات الغربية، وليس أدلّ على ذلك من الرسالة التي وجّهها وزير الخارجية البريطاني بيفن (Bevin) للرئيس الأميركي ترومان وفيها: «بعد ستة شهور لن نكون قادرين على تحمّل الأعباء المالية. حلُّو مكاننا. وإلا فسوف تشهدون على وصول البحرية السوفياتية إلى شرقي المتوسط». والأميركيون لم يتأخّروا!

- لم تقدِّر قيادة الحزب دقّة الوضع الجديد وخطورته بالنسبة للبلدان الصغيرة وبخاصة بلد مثل اليونان يقع بالضبط على الفالق الزلزالي في أوروبا ما بعد الحرب. وضع لم يكن ليتحمّل حرباً أهلية وسط أوروبا، حرباً أهلية ترمز بقوة إلى الصراع الايديولوجي الحاد القائم؛ ووضع لا يتحمّل ازدواجية سلطة في بلد حساس كاليونان. هل هذا يعني أن الشيوعيين اليونانيين يتحمّلون وحدهم مسؤولية الحرب الأهلية؟ هل كان تجنّبها ممكناً؟ إنه سؤال صعب بعد عقود طويلة ويخرج من باب التاريخ والسياسة إلى باب التمنيات المفوَّتة.

  الاكثر قراءة في « ملف »