يحدث الان
   19:41   
‏ترامب يؤكد أن نهاية "خلافة" تنظيم الدولة الإسلامية "باتت وشيكة" بعد سقوط الرقة
   19:40   
‏ترامب:بمساعدة حلفائنا وشركائنا سندعم الجهود الدبلوماسية لوقف العنف وللسماح بعودة اللاجئين بأمان وبدء مرحلة انتقالية تحقق إرادة الشعب السوري
   19:14   
‏وصل وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى الرياض في بداية جولة خليجية تستمر 6 أيام
   18:28   
‏دوري شمعون بعد قداس الشهيد داني والعائلة: يا ليت الوضع تحسّن منذ استشهاده ونحاول ان نحافظ على ما تحقق
   19:24   
‫فوز الراسينغ على النبي شيت ٢-٠ والسلام زغرتا على الشباب العربي ٢-١ السبت ضمن المرحلة الخامسة من الدوري اللبناني لكرة القدم‬
   المزيد   




الجمعة 13 تشرين الأول 2017 - العدد 6206 - صفحة 8
«الربيع الليبي».. ما له وما عليه (4 ـــــ 5)
سليمان رياشي


إثر «الربيع التونسي» حاولت الأنظمة العربية المهدّدة بما هو مماثل أن تُطمأن وتطمئن، بأنّ الكأس المرّة لن تقترب من شفاهها؛ ونظام القذافي لم يخرج عن هذا السياق؛ وحجّته الفذّة كانت أن الانتفاضات تجري ضد الحكام، وفي ليبيا الحاكم هو الشعب و«لا يمكن للشعب أن يثور على نفسه»! لكن الشعب ثار، وتبيّن سريعاً أنّ الصحراء السياسية المرتجاة في ليبيا من قبل «القائد الملهم» ليست صحراء! فهي تنطوي على نخب عديدة في الداخل والخارج، وشخصيات كثيرة معترضة مارست التقيّة في وجه انفلاتات النظام.

والأمر المهم الآخر، أنّ شرائح واسعة من الشعب الليبي أثبتت أنّها عصيّة على التدجين، وأنّ الكثير من الميكانيزمات التي استخدمها النظام لتفتيت الشعب قبلياً وجهوياً وإثنيّاً لعبت ضدّه!

كما أنّ هذه النخب لم تتميّز فقط، في القدرة على التقاط الوجهة السياسية للحراك الجماهيري، أي إسقاط النظام، بل سوف تدرك بسرعة لافتة أهمية حُسن التنظيم وهكيلة الحراك الشعبي، فشكّلت «المؤتمر الوطني الانتقالي» ثمَّ «المجلس الوطني العام» ثمّ انتخاب مجلس نواب اعترف معظم الداخل وكلّ الخارج بشرعيّته. كما أثبتت القدرة على التعاطي مع الشرعية الدولية..

قرع «الربيع التونسي» جرس الإنذار لأكثر من نظام عربي مجاور أو بعيد، وراح كل نظام يعتبر نفسه معنياً، يروِّج لحكاية خاصة به، بهدف التطمين والاطمئنان. فاليمن بلد التعدّدية والديموقراطية وتداول السلطة من خلال الانتخابات؛ ثم أن رئيس البلاد صاحب خبرة ممتدة في الحكم، وهو يحترف التعامل مع المتناقضات والالتفاف من حولها، ولطالما اشتكى، وفي الواقع تباهى بإجادة الرقص على رؤوس الثعابين. ومصر بلد مستقر بامتياز في العالم العربي والشرق أوسطي المضطربين، واستقراره هذا حاجة إقليمية ودولية، ثم أن الدولة العميقة فيه ذات باع طويل وخبرة، وهي تستطيع التكفُّل بالتصدّي لأي مفاجأة وتحويلها إلى ظاهرة عابرة. وسوريا هي بلد الممانعة والتصدّي للعدو الصهيوني، فلا يمكن لكأس «الربيع العربي» أن تقترب من شفاهها، ثم أنها عنوان الاستقرار وضمانته في إقليمها ومجالها الحيوي، وهذا الاستقرار مطلب إقليمي ودولي. أما ليبيا «الثورة» وعلى لسان العقيد القذّافي نفسه قبيل انفجار «ربيعها»، فإنها البلد الذي «يحكمه الشعب»، ولا يمكن للشعب أن يثور ضدّ نفسه..! ولا يدخل في صُلب هذا الملف التبسُّط في مدى صدقية هذا التطمين والاطمئنان، فمن المؤكد أن الأنظمة التي باتت معنية بـ«الربيع العربي» لم تكن أبداً غائبة عن الوعي، وإن هي تظاهرت بذلك، بل كانت جميعها، وضمن خصوصيات أوضاعها، تشحذ سلاحها، السياسي والايديولوجي والأمني للانقضاض على الحراك الشعبي بكل العنف المطلوب قبل أن يترسّخ ويتبلور بمطالب برنامجية ذات طبيعة سياسية.

بعد مرور سنوات على هذا الحراك الشعبي تحت مسمى «الربيع العربي»، برزت آراء متباينة في صفوف النخب التي أيّدت هذا الحراك واستبشرت به، وبات بعضها يرى في العملية إخفاقاً كاملاً ويضفي عليها نعوتاً تيئيسية، وبعضها الآخر يرى في ذلك أحكاماً ظالمة تدير الظهر لموازين القوى ولحجم القمع الذي ووجهت به تلك الانتفاضات، وهي مستعدة لأن ترى إلى الأوضاع، على سوئها وتعقيدها، أنها مفتوحة على آفاق التغيير، وليس في الأوضاع السابقة ما يستحق الأسف عليه، فحالة الاستنفاع السياسي والاجتماعي، كانت ستفضي برأيها إلى الانحلال والموت السياسي. ولم تخرج النظرة إلى «الربيع الليبي» عن المراوحة بين هاتين النظرتين، لكن ماذا عن «الربيع» ذاته؟

لن تكون وظيفة هذا الملف سرد وقائع الحراك الشعبي الليبي وما دار حوله من تدخّلات ومبادرات من أجل إذكائه أو تطويقه أو إيجاد حلول ومخارج سلمية وديموقراطية له، بل إبراز أهم الوقائع والأحداث التي شكّلت معالم مهمة في تطوّره إلى ما آل إليه، والتدقيق في ما يجري راهناً من محاولات وخصوصاً على يد المبعوث الجديد للأمم المتحدة، الوزير السابق غسان سلامة الذي باشر مهماته في بداية شهر آب/ اغسطس من هذا العام.

اعتقال تربل وانطلاق الانتفاضة

تتعدّد الروايات بشأن البداية الفعلية للانتفاضة الليبية، وبالتدقيق يتبيّن أن ظروف اندلاعها تكاد تشابه ما سبقها من انتفاضات عربية، تشابه نقاط الماء الشفافة: تحرُّك شعبي، قمع/ توسع الحراك، توسع القمع واشتداده إلخ. انطلقت شرارة الانتفاضة مع اعتقال السلطات الليبية للمحامي فتحي تربل في مدينة بنغازي شرق البلاد، وهو محام يتولى الدفاع عن ضحايا سجن أبو سليم، صاحب التاريخ الأسود في الاعتقالات والتصفيات. كانت هناك مظاهرات مناصرة لتحريره، ارتفعت خلالها شعارات معادية للنظام ومطالبة بإسقاطه وإسقاط الرئيس القذّافي نفسه. استمرت التحركات الشعبية حتى اليوم التالي وقوبلت، كما كان متوقعاً بالعنف الشديد من قِبَل النظام؛ ثم في اليوم التالي انتفضت مدينتا زواره والزاوية في غرب البلاد، ثم انتقلت الشرارة إلى مدينة البيضاء شرقاً والتي شهدت سقوط أول القتلى في 16 شباط/ فبراير 2011، وتلتها مظاهرات حاشدة وصاخبة في المدينة نفسها سقط فيها قتلى وجرحى، ثم انفجر الوضع في جبل نفوسة والزنتان جنوب – غرب طرابلس، حيث سيقوم المتظاهرون بحرق مقر «اللجان الثورية» ومركز الشرطة المحلي ومبنى المصرف العقاري في مدينة الزنتان نفسها، وقد تم ترسيم يوم 17 شباط/ فبراير كتاريخ لبدء الانتفاضة الشعبية، إذْ فيه شملت التظاهرات عديد المدن الشرقية وتطورت الاحتجاجات «بعد سقوط أكثر من 400 قتيل وجريح برصاص قوات الأمن وقوات مرتزقة تمَّ جلبهم من قِبَل النظام». ولعلَّ المقصود مرتزقة من بعض البلدان الأفريقية كثيراً ما جرى الحديث حولهم.. وبعدها وبمواجهة القمع الدموي الممنهج الذي مارسه النظام بكافة الأسلحة الخفيفة والثقيلة منها (بما فيه الطيران والمدفعية)، سوف يسيطر الثائرون على عموم الشرق الليبي ويشكلون فيه «المجلس الوطني الانتقالي» الذي سوف يُعلن بدوره قيام «الجمهورية الليبية». وفي العشرين من شهر آب/ أغسطس اندلعت انتفاضة غير مسبوقة في طرابلس العاصمة نفسها، نجح المنتفضون خلالها في السيطرة على العاصمة وإجبار القذّافي نفسه على الهرب وذلك خلال يومي 21 و22 من الشهر نفسه. وكما هو معروف، سوف يفرّ القذّافي إلى مدينة سرت (التي طالما اعتبرها معقله)، وكما هو معلوم أيضاً، سوف يُقتل فيها بقسوة مميّزة ومهينة. وبشأن مقتله، تمّ تداول روايات متعدّدة بعضها ينسبه إلى غضب الجماهير وانفعالها اللحظي، وإلى روح الثأر من كل ما حصل خلال عهده، وبخاصة في الشهور التي سبقت تصفيته، وبعضها نسب هذا القتل إلى أجهزة مخابراتية أجنبية، كانت تريد تفادي تقديمه لمحاكمة قد يكشف من خلالها عن صفقات محرجة كان قد عقدها مع مسؤولين في بلدانها.. يبقى أن هناك سوابق عديدة مع الأسف لإعدامات بلا محاكمة، أو إعدامات سبقتها محاكمات صورية تناولت قادة ومسؤولين عرباً وأجانب، وعلى سبيل المثال وليس الحصر: تصفية العائلة المالكة في العراق ورئيس الوزراء فيه عام 1958، إعدام الرئيس الروماني شاوشيسكو، وإعدام الرئيس العراقي صدام حسين؛ والموضوع المطروح هنا، ليس الإعدام من حيث المبدأ فهو موضوع قانوني وأخلاقي شائك له سياقه، بل ما هو مطروح هو أكثر بساطة وصلة بواقعنا العربي، إنه السؤال البديهي: ألا يستحق كل إنسان مهما كان ومهما علا شأنه محاكمة عادلة على ما جنت يداه، محاكمة تتوفّر فيها الضمانات القانونية فلا تتحوّل إلى عملية اغتيال أو تصفية تحوِّل الطاغية «ضحيّة»؟! المهم أن إعدام القذّافي شكّل نقطة ذروة في الأزمة المتمادية منذ ست سنوات. ولكن كيف نظمت المعارضة المنتصرة نفسها، أو كيف تهيكلت على شكل مؤسسات قادرة على سدّ الفراغ الذي خلفه سقوط سلطة القذّافي؛ ثم كيف تعاطى المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة مع الواقع المستجدّ في ليبيا؛ وكيف يقدم الحاضر الليبي نفسه على مستوى خارطته السياسية الظاهرة والقوى التي تبلورت، وهل من حظوظ أفضل للمبعوث الجديد للأمم المتحدة في ليبيا في إيجاد حل سياسي سلمي للنزاع القائم ووضع البلاد على سكّة الديموقراطية؟

المجلس الوطني الانتقالي.. فاتحة الهيكلة

قبل الدخول في مسألة الهيكلة، لا بدّ من الإشارة السريعة، إلى أن انهيار النظام، وحتى قبل مقتل قائده والسقوط الكامل لمنظوماته الأمنية، سادت حال من الفوضى العارمة، وهي فوضى «طبيعية» إذا جاز التعبير، ومتوقعة من قِبَل أي مراقب لديه الحد الأدنى من الخبرة في مراقبة ومواكبة الانتفاضات الشعبية وفي معاينة المراحل الانتقالية، خصوصاً أن النظام السابق، كغيره من الأنظمة الديكتاتورية، أعدم، بالمعنى الحرفي للكلمة، السياسة في البلاد، وحرم المجتمع الليبي من امتلاك خبرة التنظيم في أحزاب سياسية يتربّى فيها الناس على تداول الرأي والمواقع داخلها، في ظلّ الشعار الأخرق (مَن تحزَّب خان!) وفي استصدار قانون اكثر جنوناً يقضي بالاعدام لمَن ينسب لنفسه هوية حزبية ما؛ نظام مارس القمع المحكم ضدّ المجتمع المدني الذي يضم، وفضلاً عن الأحزاب، النقابات العمالية المستقلة، والاتحادات المهنية على اختلافها، والجمعيات، والنوادي التي يتعلم فيها الناس التعبير عن الرأي واحترام الرأي الآخر، ويتعلمون فيها التنظيم للدفاع عن المصالح الوطنية أو الفئوية المشروعة. النظام السابق صحَّر البلاد سياسياً، وفي هذه الصحراء الشاسعة، كان على الناس أن يتعلموا، على حسابهم وبجلودهم، إعطاء التعبير السياسي والاجتماعي والتنظيمي لمصالح وطنهم ومصالحهم المشروعة، وأن يتعلموا كيفية تعيين الحدود بين مصالحهم ومصالح الآخرين وكيفية حلّ التناقضات بالانفتاح والحسنى، خصوصاً أن النظام، وقبل أن يغادر صحراءه، واجه الانتفاضات المحلية ثم الانتفاضة العامة بأقصى ما يمكنه من العنف الدموي. والجميع يتذكر خطاب رئيسه الشهير والمشؤوم عن قتل «الجرذان» والمطاردة من «زنقة» إلى «زنقة»... وكل ذلك كان من شأنه تسييد أشكال العفوية كافة في الحراك الجماهيري، كما كان من شأنه إيقاظ الأبالسة كافة، أبالسة الجهوية والقبلية والعشائرية، كما وأبالسة التبسيط تحت راية التعصب المتلبّس لبوس الدين؛ وكان أن «ازدهر» في البلاد ما يزيد عن ثلاثمائة تنظيم مسلح تردّ على عنف النظام وتتناحر في ما بينها على السلطة ومغانمها استناداً إلى عصبيات متنوعة ومنها الاثنية في جنوب البلاد وجنوبها الغربي. كما انتشرت العصابات المسلحة تحت عناوين شتى، ولعل أبرزها عصابات الإتجار بالبشر حتى راية تنظيم عملية هجرة غير مسبوقة من الجوار الليبي الشرقي والغربي والجنوبي، وبما يتعدّى هذه الحدود، خصوصاً لجهة الشرق بعد تفاقم الأزمة السورية.. ومن المنطقي جداً تخصيص فقرة خاصة بالهجرة في سياق هذا الملف. ومن خلال الوصف الذي سبق يجدر القول إن الوضع بات مشرَّعاً، أو جاهزاً لأن يشرَّع على كافة أنواع التدخلات الخارجية، فالجوار الشرقي والجنوبي والشرقي يتدخّل لحماية نفسه، والجوار الشمالي (أوروبا) لحماية نفسه من الإرهاب والهجرة، والجميع، بمَن فيهم الأبعدون لحماية مصالحهم كما يتصوّرونها ويشخّصونها.. لكن رغم الجهد المنهجي والدؤوب الذي بذله النظام السابق لتصحير الحياة السياسية والاجتماعية، والنجاحات الفعلية التي أحرزها على هذا الصعيد، فإن نجاحه لم يكن تاماً، وقد أثبت المجتمع الليبي حيوية تؤكد انتصار الحرية وقدرتها على التفلت، ولو النسبي، من براثن الموات السياسي؛ وقد تبلورت سريعاً على المسرح السياسي الليبي قوىً جديدة، أو قوىً خرجت إلى العلن من أتون المحاصرة والتنكيل؛ وهي إما قوىً وطنية – عروبية ذات منزع ليبرالي عموماً كانت مشرّدة في المنافي، أو تيّارات وشخصيات مارست التقيّة في ظلّ النظام السابق واحتمت بمواقعها الأكاديمية أو التكنوقراطية بعيداً عن المناصب الرسمية ذات الصبغة السياسية، وهي أيضاً ذات منحى ليبرالي؛ وقوى ذات توجُّه إسلامي – سياسي متفاوت الوضوح، وأبرزها منظمة «الاخوان المسلمين» ذات الجذور العميقة نسبياً، وخصوصاً في جهاز التعليم، وهي في الأساس، وعلى الغالب، نتاج جهود المدرّسين المصريين الاخوانيين أو المتأخونين، كان النظام المصري يصدّرهم على فترات متعاقبة للتخفيف من «خطرهم»؛ وهذه ظاهرة لم تنفرد بها ليبيا، بل عرفها بعض بلدان الخليج، كما عرفتها الجزائر عقب الاستقلال، وتدفّق المدرّسين العرب وبخاصة المصريين منهم في خضم حملة التعريب. كما برزت سريعاً قوىً جهوية أو محلية ذات منشأ اثني لها طابع الخصوصية، لكنها قابلة، وبعضها متحمّس للاندماج في مواجهة النظام، وكذلك الانخراط في عملية استشراف الوضع الجديد الوطني والعمل من خلاله.

وانطلاقاً من هذه الانوية، بدأت مبكراً، بعد بدء الانتفاضة، عملية هيكلتها في حركة سياسية تعطي المعارضة الليبية عنواناً واضحاً تجاه الداخل والخارج على السواء. فبعد عشرة أيام من نشوب الانتفاضة (27 شباط/ فبراير 2011) تم تشكيل «المجلس الوطني الانتقالي»، وبالتشاور مع المناطق المحرّرة، تمَّ تعيين مصطفى عبدالجليل رئيساً لهذا المجلس وهو وزير عدل سابق عارض النظام الليبي، كما اختير عبدالحفيظ غوقه نائباً له، وناطقاً باسم المجلس؛ وهذا المجلس سوف ينتخب بعد شهور عبدالرحيم الكيب على رأس الحكومة الانتقالية. تكوَّن المجلس من ثلاثين عضواً وحاول أن يمثّل جميع المناطق، ويستقطب ممثلين لفئات اجتماعية متنوّعة من عسكريين سابقين، وقادة قبليين ورجال أعمال وعاملين في الحقل الأكاديمي وديبلوماسيين مستقيلين من وظائفهم، وسجناء سياسيين قدامى، ومحامين كما حظيت المرأة بتمثيل في المجلس. ومن الأسماء اللافتة التي ضمَّها المجلس محمود جبريل الأمين السابق لمجلس التخطيط الوطني، وعبدالرحمن شلقم الممثل السابق لليبيا في الأمم المتحدة والمحامي فتحي تربل الذي شكّل اعتقاله الشرارة في اندلاع الانتفاضة الشعبية. ورسم المجلس لنفسه أهدافاً وطنية تتمثل بـ«ضمان سلامة التراب الوطني والمواطنين» و«تنسيق الجهود الوطنية لتحرير بقية ربوع الوطن»، «الإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد يطرح للاستفتاء الشعبي»، و«تشكيل حكومة انتقالية تمهّد لإجراء انتخابات حرّة» الخ. ولعل من أهم «الإنجازات» المباشرة للمجلس، دعوته إلى ضربات جوية دولية ضدّ قوات النظام «المتّهمة باستخدام مرتزقة أفارقة»، مع التشديد على رفض نشر قوات أجنبية في البلاد. وبتاريخ 7 آذار/ مارس 2011 رفض المجلس بحزم، عرضاً قدّمه القذّافي يتخلّى بموجبه عن السلطة أمام اجتماع لمؤتمر الشعب العام.. مقابل «ضمان سلامته الشخصية وسلامة عائلته وعدم ملاحقتهم قضائياً»، وتم تبرير هذا الرفض، بأن القبول بالتنحّي «... يُعدّ تنازلاً عن حقوق ضحايا الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، ممَن سقطوا ليس أثناء الثورة الحالية فحسب بل في أحداث سابقة تسبّب فيها نظام القذّافي».

وفي 4 نيسان/ أبريل 2011، وفي خطوة لافتة لتطمين الخارج على مصالحه، تعهّد المجلس بـ«احترام الحقوق الشرعية للشركات الأجنبية العاملة في ليبيا...» وكان المقصود على نحو مباشِر الشركات الإيطالية وطمأنتها على استثماراتها في ليبيا، وعلى وجه الخصوص الاستثمارات النفطية.

وقد احترم «المجلس الانتقالي» تعهّداته الدستورية، وتمَّ انتخاب «المؤتمر الوطني العام» كسلطة تشريعية في 7 تموز/ يوليو 2012، يتسلم مهامه في 8 آب/ اغسطس من العام نفسه، وبقي يمارسها حتى نهاية ولايته في 7 شباط/ فبراير 2014؛ وبعد شهور قليلة أي في 4 آب/ اغسطس 2014، تمَّ تسليم السلطة التشريعية من قِبَل المؤتمر إلى مجلس النواب الذي جرى انتخابه في حزيران/ يونيو 2014. ومن اللافت للنظر، تلك السلاسة التي جرت بها الأمور على صعيد التسليم والتسلُّم خلال ما يقرب من سنتين، بين المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني العام، ثم بين الأخير ومجلس النواب المُنتخَب؛ وهذه العملية وإن تكن تجربة ديموقراطية قصيرة، إلا أن النخب الليبية أثبتت خلالها قدرة لافتة في التعاطي مع الوضع المستجدّ المعقّد بعد الاطاحة الشعبية بالنظام السابق، وبرهنت خلالها عن معرفة واقعية بأوضاع بلدها الداخلية؛ فتمت مراعاة الكثافة السكانية في توزيع المقاعد النيابية (100 للمنطقة الغربية، 60 للمنطقة الشرقية، 40 للجنوب)، وتصدّت من خلال المؤتمر الوطني العام لهندسة آلية بناء السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وفي بلد مضطرب يجتاز مرحلة انتقالية صعبة، مثَّلت الانتخابات النيابية نجاحاً لا يمكن التقليل من قيمته، فمن أصل مئتي نائب، تم انتخاب 188 نائباً، وبقيت مدينة درنة ومنطقتها بدون انتخابات بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة فيها؛ كما أن نسبة الإقبال على الاقتراع كانت مقبولة رغم الظروف الخاصة والمصاعب. حصلت العملية على رضى الأمم المتحدة والهيئات العربية والدولية، وأمر ذو مغزى أن تحضر جلسة افتتاح المجلس الذي عقدت في طبرق بسبب الأوضاع الأمنية في طرابلس وبنغازي، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي.

المؤتمر الوطني العام (الجديد)

لكن سماء الديموقراطية الوليدة لم تلبث أن تلبدت وبدت نذر عاصفة حقيقية، تمثّلت في أن التيار الإسلامي الذي خسر الانتخابات لم يقبل بنتائجها بحجّة «أنها شهدت إقبالاً ضعيفاً (42%) وشابتها أعمال عنف..» مع أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات اعتبرت ان «سير الانتخابات كان مقبولاً نظراً للظروف الصعبة التي نظم بها». ثم أن التيّار الإسلامي احتجّ على عقد اجتماع المجلس في طبرق (وليس في طرابلس أو بنغازي)، لكن الأمر في الحقيقة هو أن الإسلاميين يعترفون بالديموقراطية عندما توصلهم إلى السلطة، ويرفضون نتائجها عندما لا تتلاءم مع توقعاتهم. وقد ضمَّ هذا التيّار المعترض أو الرافض بالأحرى، قوَّة معتبرة لجهة التحكّم بالأرض بقوّة السلاح، وقد شمل في مَن شمل مفتي ليبيا الصادق الغرياني وهيئة علماء ليبيا، وحزب العدالة والبناء (الاخوان المسلمون) وجملة من الميليشيات.. ومما فاقم الأمور أن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا قضت بعدم شرعية الانتخابات، وعدم شرعية الحكومة التي شكّلها مجلس النواب برئاسة عبدالله الثني، وتتقاطع المعلومات بشأن أن اجتماع الدائرة الدستورية قد عُقد وهو في حالة حصار من قِبَل ميليشيا «فجر ليبيا»، التي سوف يتكرّر ذكرها في معظم حالات حصار المؤسسات في طرابلس، وفي معظم الاشتباكات مع الميليشيات الأخرى.

وكتعبير سياسي عن رفض نتائج الانتخابات، تجمّع المتضررون الباحثون عن اطار سياسي جامع لهم، تحت مسمى المؤتمر الوطني العام «الجديد» معتبرينه اطاراً (شرعياً) لهم، على اعتبار أنه امتداد شرعي للمؤتمر الوطني، مع أنه انتهت مدة ولايته من ناحية، وان غالبية أعضائه باتت ممثلة في عضوية البرلمان المُنتخب. وهكذا باتت البلاد أمام هيكلية سياسية مزدوجة: برلمان شرعي وحكومة منبثقة عنه يعترف بهما المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وأهمها بالنسبة للوضع في ليبيا، الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي؛ ومؤتمر وطني «جديد» (انقلابي – بالمناسبة)، لم يعترف بـشرعيته أحد، وهذا ما يشعل الصراع ويدشّن ما يسمّى بـ«الحرب الثانية» في ليبيا.

وقد واكب التدخّل الأممي (الأمم المتحدة) والدولي، الانتفاضة الليبية منذ أيامها الأولى، حيث صدر عن مجلس الأمن الدولي قراران مهمان: الأول الصادر في 26 شباط/ فبراير 2011، وأهم ما فيه: (1) منع معمر القذّافي وأبنائه وابنته عائشة من السفر، وقد شمل القرار عدداً من المقرّبين الأمنيين والعسكريين من بينهم أبو بكر يونس ومحمد قذاف الدم وعبدالله السنوسي.. كما أوصى بتجميد أصول معمر القذّافي وأبنائه ما عدا محمد وسيف العرب والساعدي القذّافي.. وحظر المجلس إرسال السلاح إلى ليبيا وطالب الدول الأعضاء بتفتيش السفن المتّجهة إلى ليبيا ومصادرة كل ما يحظر توريده إليها.. كما أحال مجلس الأمن الأوضاع القائمة منذ 15 شباط/ فبراير إلى المدّعي العام في المحكمة الدولية للتحقيق فيها. أما القرار رقم 1973، الصادر في 17 آذار/ مارس 2011، ففضلاً عن تأكيده على ما ورد في القرار السابق، وخصوصاً ما يتعلق بحظر توريد الأسلحة لصالح نظام العقيد القذّافي، وتوسيع قائمة الشخصيات الليبية الممنوعة من السفر وإضافة أشخاص إلى قائمة تجميد الأموال.. فإن أبرز ما ورد في القرار الجديد يتمثل بـ: (1) المطالبة بتجميد أصول «المؤسسة الوطنية للنفط» و»البنك المركزي الليبي»، وهذا استكمال لتجميد الأموال في القرار السابق، أما الجديد فعلاً فكان، (2) فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا تشمل الطائرات المدنية والعسكرية يُمنع فيها تحليق طائرات النظام لقصف المدنيين. (3) مناشدة جميع دول الأمم المتحدة بمنع إقلاع أو هبوط أي طائرة عسكرية كانت أم تجارية قادمة من ليبيا أو متجهة إليها من أراضي الدولة. (4) مطالبة القذّافي بإيقاف فوري للنزاع. (5) مطالبته بالسماح بمرور كافة المساعدات الإنسانية بسهولة ويُسر إلى الأراضي الليبية. (6) مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتشكيل لجنة مراقبة من ثمانية أشخاص للتحقق من تنفيذ هذه القرارات بكافة بنودها.

واللافت بخصوص القرارين وبخاصة القرار الثاني، سهولة اتخاذ القرار رغم جذريته النسبية وحسمه للعديد من القضايا التي تأخذ عادة الكثير من الأخذ والردّ في المحفل الدولي المتمثّل بمجلس الأمن؛ صحيح أن دولاً خمس من أصل خمس عشرة امتنعت عن التصويت، ومن ضمنها روسيا والصين، ولكن أيّاً من هاتين الدولتين لم تستعمل حق النقض (الفيتو) ضدّه. وراء هذه السهولة تكمن أسباب عدة، لعلّ أهمها أن هناك تسليماً روسياً وصينياً.. بأن ليبيا تقع في دائرة النفوذ الغربي وشبكة مصالحه؛ ثم أن النظام الليبي بات مُستهلكاً بسلوكه الداخلي المخزي، ومستهلك السمعة والسلوك إلى أقصى حد على المستوى الخارجي، وهو بالتالي ليس قضية رابحة للدفاع عنها، وهو لم يترك بلداً تعاطى معه بلا خدوش أو حتى جروح ثخينة (كان لافتاً اندفاع لبنان الرسمي من خلال مندوبنا في مجلس الأمن في المبادرة مع مندوبين آخرين لتقديم مشروع القرار 1973 والدفاع عنه، وقد فعل ذلك بتغطية عربية كاملة عبر الجامعة العربية)؛ أما الدول الغربية المتمثلة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فقد عانت، أو عانى بعضها على الأقل، الأمرَّين في التعامل مع نظام لا يحترم العهود والمواثيق معها إلا مرغماً وتحت التهديد؛ وقد عانت وهي أنظمة مؤسسات مستقرة من التقلبات وعدم الثبات على موقف أو رأي، وعانت من الابتزاز الشعبوي والتحريض على مصالحها وخصوصاً في البلدان الأفريقية المتاخمة لليبيا. وعانت أيضاً وخصوصاً من مشكلة الهجرة غير الشرعية إليها عبر البوابة الليبية، والتي اتخذت في أكثر من محطة شكل الابتزاز المكشوف، وهي ما زالت مشكلة تؤرق أوروبا، ولذا من المنصف تخصيص فقرة لها لا تُخرج الملف عن سياقه.