يحدث الان
   01:43   
‫أهدى الحصان "أروغيت" السعودية لقبها الاول بفوزه السبت بالشوط الرئيسي للنسخة ال٢١ من كأس دبي للخيول البالغة جوائزها 30 مليون دولار أميركي‬
   01:26   
‫تصفيات اوروبا: بلغاريا - هولندا ٢-٠، لوكسمبور - فرنسا ١-٣، البرتغال - المجر ٣-٠، بلجيكا - اليونان ١-١، السويد - بيلاروسيا ٤-٠
   20:47   
‏الرئيس الحريري: قضيتنا الكبرى هي حماية ⁧‫لبنان‬⁩ في مهب عواصف الشرق   تتمة
   19:37   
‏وزير المهجرين طلال ارسلان استنكر الاعتداء الارهابي في لندن: أخطر ما في الامر هو تفشي الارهاب التكفيري من صلب المجتمعات الغربية
   19:04   
‏المعارضة السورية: نظام الأسد وداعموه يواصلون استهداف المدنيين في ⁧‫سوريا‬⁩
   المزيد   




الأحد 27 نيسان 2014 - العدد 5017 - صفحة 12
الهم السوري في معارض بيروت
«قباقيب» و«بعث» وسنونو مجنون
تهامة الجندي
في بريدي كانت الدعوة تنتظرني لحضور معرض الفنانة السورية ريم يسوف، وقبل أيام قليلة دُعيت لافتتاح معرض الفنانة اللبنانية منيرة الصلح، وفي كلا المعرضيّن كانت مفردات الهم السوري تسري، وتصوغ معالم الفضاء. تأملت التشكيلات في اشتباكها وافتراقها، وابتسمت للمفارقة، قد لا نحظى نحن النازحين السوريين في لبنان بالرعاية الكافية من قبل الجهات المعنية، لكن واحدة من أهم خصوصيات تواجدنا هنا، دخولنا الحياة الثقافية من أبوابها الواسعة، ليس فقط كموضوعات إنسانية، تسترعي التعاطف والتأمل والبحث، بل أيضاء كشركاء ومتلقين فاعلين في معظم الفعاليات، بمختلف المدن اللبنانية، سيما العاصمة بيروت.

منيرة من مواليد بيروت 1978، تكبر ريم بعام واحد، وتنحدر من أم سورية، وما عدا هذا التقاطع، فلكل من الفنانتيّن أسلوبها وأدواتها وتقنياتها المختلفة في تناول الموضوع السوري، الأولى افتتحت معرضها في غاليري «صفير زملر» تحت عنوان «عسيرة هي اللغة الأمّ». مكان العرض بعيد عن القلب الثقافي للعاصمة، يقع في بناء تجاري بين مطاحن ومعامل حي الكرنتينا، والعنوان يحيلنا إلى إرباك مفاهيمي في التعبير عن حالة وجودية، سوف تسفر عن نفسها في مأساة النزوح، موزعا على فضاء تشكيلي مركّب من إشارات ودلالات، يبثّها تشابك فنون الرسم والخط والفيديو، في تقاطعها مع المفردات التراثية.

أما ريم يسوف، ابنة دير عطية، والقادمة من مكان لجوئها في الأردن، فقد افتتحت معرضها في غاليري «56th Art on«، وأسمته «رسالة طفل»، والصالة تقع في «الجميّزة»، الحي التراثي الطافح بالحياة المدينيّة، والمزروع بملاهي الليل وصالات الفن، وفضاء التشكيل تشغله اللوحة بمفرداتها التقليدية، وهي تستعير صوت الطفولة المعذّبة، لإيقاف آلة القتل والدمار في سوريا.

تدخل معرض منيرة الصلّح، وتواجهك في المقدمة كومة من «القباقيب» التراثية، بمختلف المقاسات والألوان، تحتل مساحة كبيرة من أرض الفضاء الأول، بإمكانك إن أردت، أن تنتعل منها ما يناسب قدميّك، وتكّمل جولتك في الفضاءات الأخرى، وكأنك ترتدي الماضي بتقاليده السورية، وتسير في بيوت دمشق القديمة، أو تلج أحد حمامات السوق. وحين تلتفت بنظرك إلى الجدار على يسارك، وتفاجئك بورتريهات النازحين الموضوعة عليه، تتشابك الأصول بالواقع، وتصبح جزءا افتراضيا من اللوحة المأساة.

خمسون وجهاً من وجوه اللاجئين السوريين في لبنان، قد يصادفك أحدهم في المعرض أو خارجه، رسمتّهم منيرة بقلم الرصاص، على أوراق صفراء مسطّرة، وأحاطت الوجوه ببعض العبارات، التي تشي بوضع أصحابها وأحلامهم، فيما يشبه اقتفاء السيرة الذاتية، لأناس غادروا حيواتهم مرّغمين، لا فرق إن كانوا من مؤيديّ الثورة، أم من أتباع النظام، فالبعد الإنساني لقضية التهجير والنزوح، يطغى على البعد السياسي، من وجهة نظر فنانة كانت ولا تزال شاهدة على مآسي اللجوء في بلدها، ولم تشهد الإجرام الذي صنعها في البلد المجاور.

تغادر الوجوه الصفراء، الحزينة إلى فضاء معّتم، قوامه شاشتيّ عرض، وشريطيّ فيديو من تصوير الفنانة، الأول بعنوان «المتطوّعون» ومدته 31 دقيقة، يلتقط السوريين في بلجيكا، وهم يسجّلون أسماءهم في مراكز اللجوء، ويبدأون حياة المنافي بتعلّم اللغة الجديدة، أما الشريط الثاني فهو «والآن كُل نصّي» ومدته 23 دقيقة، يستعرض شاة مذبوحة، اللحم والدم والأعضاء، كأنها أشلاء كائنات عزلاء في مواجهة الرصاص والذخيرة الحية.

تخرج من فضاء العتمة والأشلاء، وتدخل فضاء النور ولعبة التشكيلات الحروفية، لوحات بمساحات كبيرة جدا، من الأقمشة التراثية الزاهية، متداخلة بما يشبه الرتّق والقطع الهندسية، تتدلى من الأعلى، وتصل الأرض بلا أطر، وعلى وجهيّ هذه الحوامل الحرة، تتموضع الحروف ذاتها بترتيبيّن ومعنييّن مختلفيّن، كأن يصير الـ»عبث» على أحد الوجوه «بعث» على الوجه الثاني من اللوحة، ويفتح وعي المتلقي على دلالة جديدة، متولّدة من تقابل الكلمتيّن، في سياق المبدأ القائل: «الضد يظهر حسنه الضد».

وفي الفضاء الأخير تتقاطع لعبة المعاني بعدد من الرسوم الساخرة، المبنية على الحوار بين الساسة اللبنانيين بالدرجة الأولى، بدءا من نبيه بري ونقاشه مع عقيلته التي ترغب باستبدال أثاث صالونها بأثاث جديد، لكنه غير مريح، مرورا بحديث رفيق الحريري الذي يرغم طفله سعد على تعلّم العزف والتودّد لأستاذه، انتهاء بجدل محمد أحمدي نجاد وحسن نصر الله في المتحف حول طلي لوحة فرانسيس بايكون باللون الأخضر. وهنا أطلّتُ الوقوف، وحسدّتُ مثقفيّ لبنان وفنانيه. بإمكانهم ان يتجرأوا ما شاءوا على ساستهم، من دون أن يختفوا في الزنازين، أو يتشرّدوا في أصقاع الأرض.

على خلاف ذلك، حين تدخل معرض ريم يسوف، تختفي حقائق الواقع وتقاليد عيشه، خلف ستار من الرؤى الضبابية والأحلام، التي تسكن قلب ست وعشرين لوحة، تتوزع جدران الصالة، وتحتفي بعوالم الطفولة والطائرات الورقية، وطيور السنونو، وجميعها مفردات تعكس التوق إلى مطلق الحرية، ومطلق العودة إلى الوطن بلا ترسيمات من أي نوع، عدا الرغبة الصريحة في أن تقف الحرب، وتستعيد الحياة وجهها البريء. وأمام المشهد المتكرّر تتساءل، لماذا استعارت الفنانة مخيّلة الأطفال؟ وقد تحاول أن تضفي بعدا سياسيا على المعنى، بالثورة التي بدأت بهم، والانتهاكات الخطيرة التي مورست بحقهم في مختلف ساحات القتل والتعذيب والنزوح.

تقول لي ريم: «لوحاتي ليس لها علاقة بواقع الحرب، هي اعتراض عليها. من حق الطفل أن يعيش حياته، ويعيش أحلامه، إنه لا يدرك ما الذي نقترفه نحن الكبار، يدرك فقط أن الحرب أضحت نمط عيشه، ومشاهد القتل والدمار والنزوح تحتل رأسه، وتكبر معه، وهذا قمة التشويه لذكرياته ومستقبله، إنه ضحيتنا، وهذه هي الجريمة التي يجب إيقافها».

وعالم اللوحة يصوغه مبدأ التضاد، المعنى واضح، والتشكيل اللوني ضبابي، متعدد الطبقات، تحتل بؤره الأمامية تكوينات واقعية، هم أطفال كثيرون بأجسادهم البضّة، من مختلف الأعمار والمشارب، يلّهون في مدى غائم الملامح، عالق ما بين الأرض والسماء. وسألتُ ريم، كيف اجتمع كل هؤلاء الأطفال في معرضها؟ قالت: «في السابق كنت أشتغل على نفسي، حياتي الشخصية، علاقتي كامرأة بالمحيط الاجتماعي، والحرب جعلتني أنتقل إلى الطفولة، كأنني أنجب هؤلاء الأطفال، أنجو بهم من عزلتي وحزني، ومعهم أجد سعادتي، كأنهم نوع من العلاج أتداوى وأُشفى به». وسألتها «هل تزوريهم في مخيمات اللجوء»، قالت «لا، أنا أضعف من ذلك».

لهو الأطفال بطائراتهم الورقية، يغذي المشهد بالحركة والإيقاعات الرومانسية الحالمة، على العكس من طيران السنونو في أرجائه، يجعل اللوحة تفيض بمشاعر القلق والحنين. وتقول ريم: «أنا لست سعيدة، ولا مرتاحة، والسنونو يشبهني، قلق، ومجنون، وسريع، تواجده خفيف، يهاجر، ويعود دوما إلى جذوره. السنونو أغرب طائر برحلته وعودته إلى المكان نفسه، حتى وإن أضحى أثراً بعد عين».

التشكيل اللوني ليس زاهيا، وليس غنياً بالألوان، كما تفترض له أن يكون مخيلة الطفل، التشكيل قوامه اللون الواحد في طبقات، الأبيض على مشتقات الرمادي، يحاول مقاربة شفافيات الروح، وتوقها للتحليق خارج حدود الزمن والمكان، وتقول ريم: «أنا لا أستخدم الألوان الصريحة، لأني أشتغل على حلم طفل، لا يرى الأشياء بألوانها ذاتها، وعلى رموز لها علاقة بالفضاء الحسي، أكثر من علاقتها بوجودنا المادي، أستخدم الألوان الطبيعية، وأشتق منها اللون الواحد الكثيف، حتى ألمس دواخل الروح في لحظات فراغها الصادم، أو امتلائها بالنشوة البيضاء».

  الاكثر قراءة في « نوافذ »