يحدث الان
   15:17   
الرياض.. المعارضة السورية تتفق على بنود البيان الختامي   تتمة
   15:09   
توقيف لبنانيين يروجان المخدرات في قضاء بنت جبيل   تتمة
   14:37   
ماكرون: استقرار لبنان أولوية فرنسية في الشرقين الأدنى والأوسط   تتمة
   14:25   
"كتلة الوفاء للمقاومة": "حزب الله" منفتح على كل ما يحفظ الأمن والسلم الأهلي ويعيد حركة الدولة إلى سياقها الطبيعي
   14:23   
الحريري يجري اتصالا بأمير الكويت للاطمئنان الى صحته   تتمة
   المزيد   




الأربعاء 14 أيار 2014 - العدد 5032 - صفحة 21
«محفورات» جميل ملاعب في غاليري جانين ربيز
المخيلة على مساحة عالية من الحرية والجمالية العارية
يقظان التقي
جميل ملاعب فنان ليس محايداً، فيما يطرحه دائماً من اقتراحات وأعمال واجتهادات ذهنية وبصرية بصبغة منضجة على فصول مزدهرة تعبر مراحل عدة ذهاباً وإياباً، وهذه المرة عودة إلى مرحلة التسعينات، إلى محفوراته في معرض يقيمه طوال هذا الشهر في غاليري جانين ربيز الروشة.

إذاً هي محفورات الذاكرة وترافق عادة حالة ذهنية وعاطفية على علاقة بفيزيائية الحركة والجسد، أقرب إلى النحت وفي تكثيف اللحظة الزمنية وفي مدى ما يصل إليه الخط الأسود أو النجم الأسود أو ظلال اللون الأسود وتفاعلها مع القطع الخشبية أو الورقية.

يعود جميل ملاعب إلى مرحلة باردة وعنيفة نسبياً، يعالجها، يزيل الغبار عنها، كان يمكن أن يتركها مخزنة نهائياً، لكنه فضل أن يحييها، يضيف إليها لمسة الضوء، تخفيفاً من حدة ملامحها، تخفيفاً للأسود هنا، ومسرحة فراغ اللون بألوان قليلة أخرى.

يعمل ملاعب في معرضه الجديد كطبيب جرّاح تجميلي لوجه محفور كلاسيكي منجز بتقنيات أكاديمية وانطباعية ويضيف إلى هذا البعد، بعداً ثالثاً هو البعد التحديثي، ولكن على ثوابت البنية اللونية والحفاظ على طابعها الكلاسيكي.

يقودنا في معرضه الجديد إلى لعبة الشعائر، والشعائر بالنهاية هي لعبة مخيلة ومساحة عالية من الحرية.

تتفجر الشعائر في معرضه الجديد، نوعاً من استيطان اللاوعي التاريخاني والاجتماعي والديني وحتى الغرائزي. ويعالج كل هذه الأمور متجاوزاً الحدود بين ما طبيعي وما هو تحت الطبيعة. من هنا لوحاته تعجّ بكل ذلك الضجيج المتخيل الذي يجمع بين التفاصيل وبين التجريد، وبين التعتيم والذاكرة التي تراها رغم حضورها ملغاة لمصلحة التشكيل. والتشكيل عنده أبعد من الجماليات البرانية. إنه هنا غموض على عمق العلاقات ما بعد اللوحة، أو ما قبل اللوحة، أو ما بعد الوعي، أو ما بعد الذاكرة. كل هذه الأمور تضجّ في المعرض، تصبح وكأنها صارت جسماً واحداً. وهذا ما يفسر امتلاء فضاء اللوحة من دون فراغات، أي فراغات، حتى من دون بياض لأن البياض هنا هو التأمل.. التأمل وراء اللوحة، وعلى المشاهد أن يبحث وراء الألوان والخطوط ليصل إلى ذلك الفراغ المليء باللاوعي التاريخي.

هذا ما يفسر إلغاء الحدود بين ما هو تجريدي وما هو تصويري، بين ما هو واقعي وما هو غير واقعي بين ما هو تاريخي وما هو غير تاريخي، بين ما هو اجتماعي وما هو غير اجتماعي، بين ما هو ديني وما قريب من الدين، وبين ما هو إنساني وما هو في ذاكرة الإنسان.

حالة خاصة جميل ملاعب، ويقدم في معرضه الجديد مجموعة مختزنة متقشفة ومقتصدة لونياً، أي عودة إلى الروح المراهقة والمعقودة على إرهاصات ومواجهة واعتراض واستيطان المتخيل.

أعمال معلقة شاعرية جداً، عميقة أبعد من الجدران بموادها التصويرية والبدائية وبطبيعتها التمثيلية وهندسة أشكالها التي تتصل بتحولات تصويرية وأبعد لمسار فنون نهضوية وتحولاتها.

العنف

ثم هي محفورات تشير إلى مرحلة من العنف والحرب التي عايشها محترف الفنان وبألوان محافظة تدين بحركاتها ورموزها وإشاراتها وتقنياتها إلى ملامح إيثار مرحلة صعبة مثقلة بهواجسها. أو كأنها ضربات تكوين لحالة سياسية واجتماعية وتاريخية ولحالة من اللاوعي الإنساني العام.

المعروضات تسمح بالمقارنة بين مسارين على مستوى لعبة التشكيل، هندسة التشكيل واللون، بين حالتين تشكيليتين عند جميل ملاعب، هندسة التجريد وهندسة التصوير، ويترك الضوء بينهما شاهداً خافتاً، وبصيغ القول والفعل والشخوص والكائنات الكثيرة التي تصنع المحفورة والآثار النفسية التي هي ركائز بصرية وذهنية أكثر حضوراً من التحولات اللونية مع المحفورات المأخوذة أو المدفوعة إلى جذورها البدائية الأولى وبضجيج يملأ كل فراغات الصالة.

التصوير

هي أقرب إلى لوحة التصوير مع عري صمت الألوان ولوحة التكثيف بالقليل من الألوان، ولوحة الإيماءات والخطوط الهائمة على خشبيات قديمة وقطع غير متكاملة وعلى ورق سميك وتالف أحياناً.

أعمال تحتاج إلى دراسة معمّقة لوجوهها وأجسادها وخطوطها وما ورائها، ومتاهات من العفوية الآسرة واللعبة البصرية، لعبة النفس البشرية في تكوراتها الوجودية ومادتها الحسية الفكرية المشبعة باستيهاماتها وتجلياتها.

محفورات منفذة في ماكيتها باللون الأسود، مضاف إليها ترسيمات وشحنات ملونة بسيطة، أقرب إلى دفاتر الرسم مع الخطوط المشحونة بحساسيات من مثل زوال الانقسامات بين الجنسين مع حضور الأنثى أكثر، ومن مثل ضربات رشيقة أحياناً، ومتعثرة أحياناً ليس خطأ في الرسم بل كسراً لتابواته، بل فرقة في هندسة الشكل المستطيل أو المربع مع تسجيل ملاحظة أن هذه المرحلة ليست بالضرورة المرحلة التي تأسست عليها لوحة جميل ملاعب الملونة المعروفة.

يمكن القول أنها الوجه الآخر لها، اللوحة وما قبلها أو ما بعدها، وتشبه مواسم من الأداء ومن الخصب الثقيل الذي يجري بين الضفتين مع ارتباط اللوحة بأرض بعيدة هنا أصابتها عوامل تعرية وتخريب يرتدي طابع اللوحة «التلفة» التي تعود لتستجمع من جديد عناصر الطبيعة الأربعة في المكان الذي يشبه نفسه في الزمن العابر، والتشكيل الصوتي نافذة الجسد أو العتمة في متتاليات غير مرئية زمنية وهندسية وحضارية وتاريخانية تشكل سلسلة اجتماعية وما يشبه حلقة رقص بالخطوط خلف العتمة وبإرشادات غامضة وبملامح الأشياء وليس الأشياء نفسها.

حتى الخطوط عند جميل ملاعب على شكل كلامه مثيرة، غير معنية بأشكال الفن المعاصر ولكنها تحاكيها من دون استخدام تكنولوجيات تقنية مضادة تحاكيها من حيث المخيلة على مساحة عالية من الحرية والجمالية العارية.

شعائر

أما المضامين فهي كثيرة تستعرض شعائر وطقوس وجزء من محفظة ذاكرة مرسملة جداً بالضجيج بناس اولين يؤدون فروضاً حياتية أو ألواحاً بحواس ومعابر تأويلية على سطح اللوحة وما خلف اللوحة. كأن تفتح باباً سرياً على رغبات تبدو كأنها تتحرك على سطح اللوحة كسوء تفاهم مع أمور الحياة والأقدار والتابوات وذلك الشيء الذي يصيب الروح والجسد في وقت واحد ويصير بكل ضجيجه جسداً واحداً.

بأي حال المعرض برمته يعبر عن رغبة تصالح الدماغ الانساني بالاتصال بمنطقة شعورية وسطى في عمل له لغته الخاصة وفي لعبة فنية مجهولة. كأنها تجريد صوفي تغني صرف، أو تعبيرية تجريدية مجهولة لفكرة الذاكرة التي تواجه المدينة. اللوحة التي تواجه مدينة بثقافة بصرية وسلسلة جمالية وبخطوط مصادمة للبهرجة اللونية. لكنها تلتقي مع عتبات الكلام القصوى ولصالح تقنيات التحويل جسراً في الفن البدائي والتعبيرية التجريدية، والتشخيصية التصويرية في بحث يتوق إلى اللانهائي، لذاكرة ومن دون ذاكرة!

ثم هي لوحة «مونوغرام» قابلة للنسخ والتناسل يجسد فيها ملاعب أجساد وأشكال كثيرة. غابة أشكال لها وقع الصدى أو تشكيل الصدى كما لدى الصوفيين الأوائل الذين يبحثون عن حقيقة ما ويحشدون لها براهين آدمية وحيوانية واللاشيء، الرمز، ضمير الغائب في اللوحة التي بالنهاية «تشبهنا كثيراً» إذا كنا سقراطيين كفاية، تلك الطفولة المراهقة من حياتنا ولا نستطيع الإفلات منها.

هل هي المحفورات بديلاً عن المنحوتات الكبيرة التي شغلته وأتعبته واستوعبت شحنة قصوى من طاقته على العمل؟ ومع ما تحمله المحفورة من بُعد مادي وتصور تقادمي للأشكال وبعداً إلزامياً عن تعقيدات النحت في العمل والأسلوب.

بالنهاية المحفورة هي توثيق جاد ورصين لمختلف مناحي التوتر والتمثيل الفني. ويبهج الأسود لوناً بدائياً، رصيف ذاكرة ويصبح الزمن داخله فاعلاً جمالياً وشاعرياً وغنائياً في التلاعب بمستويات التجريد والتشخيص والتصوير والغرابة السوريالية والرديكالية التي تتجسد في المعرض نوعاً من الربط بين الرسم والنحت والحفر وتوازنات وانسيابات الحركة.

كلها تشكل أسباباً حقيقية للعبور ما وراء عربة الذاكرة وشحن جماليات قائمة. لكنها مواد العالم وعودة إلى أسلوب التصوير الجداري في أعمال حدثية.

طريقة عمل جميل ملاعب تؤهله لمرئية من اليقين القصوى بقدراته النافذة، او اللايقين الجميل مع الفكر الذي يصير نظاما للخلق أكثر، للإقتناع بأنه الأول اليوم بين متساويتين من أشياء جيله الفني، الفنانين الكادحين والموهوبين، مع الفارق أن جميل يشتغل على جغرافية انثروبولوجية وتاريخية واستيطانية واسعة أو على استيطاني تأويلي ولكن لا يظهره، لشخصيته الواقعية جداً وغير المجازية. ولهذا تنهض ألوانه وحتى «استتباحاته» في محفورته، وضوحاً ما، حتى مع عودته إلى متاهات الأسود. وهي تجادلية تضادية جريئة يقاربها في بحث عن معنى آخر وبحث معرفي لطبيعة الأشياء.

جميل ملاعب فنان مرئي جداً وقدير، يملك تصوراته ووصل إلى مرحلة تحولات مهمة في لوحته، الجرأة في تقديم جداريات كبرى، أشكال جديدة، التخلي عن الواقعية المباشرة، عودة إلى عالم الأسطورة والرمزية، والسوريالية استكشاف عدم التناقض بين الجنسين، معالجة مواضيع ذات معنى وجودي، مزج الواقع بالأسطورة، أو إعادة تكوين الواقع من خلال رسم أسطورة، وكسر تابواتها وشعائرها الرسم المندفع والعفوي. والرسم بما هو علامة بوجه التهديد، التهديد الكلي للفراغ، الموت، وبميتاقيريقية متصالحة مع نفسها ومع القدر البشري على حافة اللعب والتسلية، فذلكة ذاكرة مستديمة ومتصلة ما بين الولادة وما بعد الذاكرة نفسها.


   مقالات للكاتب  
Almusqtabal/ 14-11-2017 : صرخة مفتوحة على الحرب.. - يقظان التقي
Almusqtabal/ 06-11-2017 : مزيج الرجل السياسي والمثقّف الساحر والجذّاب - يقظان التقي
Almusqtabal/ 31-10-2017 : مسرحية «ستاتيكو» السورية على خشبة «مسرح المدينة»: واقع الإنسان السوري الحالي المتأزّم - يقظان التقي
Almusqtabal/ 28-10-2017 : الجزائر تمنع كتباً ومؤلفات إيرانية - يقظان التقي
Almusqtabal/ 24-10-2017 : اللجوء الفلسطيني في لبنان (2)، واقع العيش وإرادة التقدم - يقظان التقي
Almusqtabal/ 21-10-2017 : دلدار فلمز يصدر مجموعته الشعرية الثانية - يقظان التقي
Almusqtabal/ 13-10-2017 : خروج لبنان من انتخابات اليونيسكو - يقظان التقي
Almusqtabal/ 12-10-2017 : مونودراما فلسطينية لرائدة طه على خشبة «مسرح المدينة» - يقظان التقي
Almusqtabal/ 27-09-2017 : معرض الفنانة منى السعودي في «غاليري أجيال» كليمنصو منحوتات الزمن الآخر - يقظان التقي
Almusqtabal/ 25-09-2017 : عندما تصنع الفنون الحياة في كازينو لبنان - يقظان التقي